زرت مصر مرّات كثيرة، كثيرة جدا. بل أمضيت في القاهرة، في زيارات ثلاث، شهرا وشهرا وشهرين. في كلّ مرة، عدا المرّة الأولى سنة 1983، كنت أزور المفكّر المصري الشهم محمود أمين العالم، في مكتبه المتواضع في شارع ضريح سعد، على مقربة من ميدان التحرير. كنت آنس بالرجل؛ بفكره في الأدب والسياسة، وبلطفه وطول أناته أيضا. في إحدى الزيارات قال لي العالم، وقد رآني محبطا لا أجد في مصر ما يسرّ الصديق ولا ما يبشر بالخير: "الشعب المصري صبور يا سيليمان، بيتحمّل مرة وتنين وتلات، بس لما حينفجر حينفجر. بلاش نزق، ويأس مثقفين ملوش مبرّر" . واليوم، وقد انفجر البركان فعلا، أرى الملايين الثائرة، في القاهرة وغير القاهرة، فأقول في نفسي: رحم الله معرّي القاهرة؛ لماذا رحل قبل أن يرى تحقيق نبوءته بالانفجار؟!
في ميدان التحرير
ما زلت، منذ اندلاع الثورة المصرية، في ميدان التحرير. تفارقه عيناي، لا فكري وعواطفي، حين تعرض بعض المشاغل أو أسافر خارج البيت، ثمّ أعود إليه بكل جوارحي، متنقلا من فضائية إلى فضائية، ومن صحيفة إلى أخرى، أتقصى أخبار الأبطال المرابطين هناك معجبا وحالما.
أبناء جيلي يذكرون طبعا يوم كنا ننشدّ إلى المذياع، في كلّ فرصة متاحة، نستمع إلى صوت العرب والقاهرة وخطابات عبد الناصر ومقالات هيكل، ونقضي أيامنا حالمين بالحرية والوحدة والاشتراكية. الأيام والمشاعر ذاتها تعود من جديد، لكن الأحلام تغيرت بتغير الأيام ومرور السنين. الأحلام القديمة تكسّرت كلّها، والنظام العسكري الذي أطاح بالملكية، وأمّم القناة، وبنى السدّ العالي، ونفّذ التحوّلات الاجتماعية الكبرى في مصر، ووقف في وجه أميركا العاتية بشجاعة وإصرار؛ هذا النظام تحوّل في ظلّ انفتاح السادات، و" العهد السعيد" لمبارك ونجله جمال، إلى نظام بوليسي فاسد، يجوّع الملايين من المصريين، ويكدّس الملايين، والمليارات، في جيوب رموزه ورجال الأعمال من مقرّبيه، ويتبع السيد وراء الأطلسي ذليلا خانعا! نظام عبد الناصر كان شموليا، ما في ذلك شكّ. إلا أن المقارنة بين ذاك النظام ونظام مبارك تظلم الناصرية فكرا ومنهجا وخلقا : بالإضافة إلى الإنجازات المذكورة، وهي ليست قليلة، عاش عبد الناصر على راتبه، ومات دون أن يترك لأبنائه شيئا في البنوك. وبنته كما عرف الجميع يومها لم تدخل الجامعة، لأنها لم تحصل على "المجموع" المطلوب، فدخلت الجامعة الأميركية على حسابه الخاص! لا تشبيه بين الثرى والثريّا، وبلغتنا نحن نقول: لا يشبَّه القرد ... !
أميركا أو "ديك الريح"
أميركا بلد ديمقراطي، كما تعلن هي دائما، وتشجّع الديمقراطية في كلّ مكان. إلا أنها تشجّع الديمقراطية، كما نعرف نحن، ما دامت هذه الأنظمة الديمقراطية تابعة لها تأتمر بأمرها- إسرائيل مثلا. ثمّ إنّ أميركا الديمقراطية هذه تحالف وتموّل وتسلّح أسفل الأنظمة وأوحشها في العالم، إذا كان في ذلك ما يخدم مصالحها. بل إنّها لم تتورّع ذات يوم عن إغراق تشيلي الديمقراطية، برئاسة أيّندي، بالدماء والشهداء، لتأتي بنظام السفّاح بينوشي، خدمة لمصالحها !
لاحظوا معي اليوم مواقف أميركا المتضاربة المتغيّرة، كأنّها ديك الريح، من الثورة المصرية الرائعة. وصلتهم أخبار الهبّة الشبابية الكاسحة، واحتلال ميدان التحرير، فظنّوا أن نظام مبارك سيسقط في ساعات، أو بضعة أيّام، كما جرى في تونس. لذا سارعوا إلى تأييد الثورة، والتصريح بأن نظام مبارك يجب تغييره الآن . لكنّ مبارك غير بن علي؛ لم يركب الطائرة فيريح ويستريح. مبارك عسكري "عنيد" ، والدستور المقطّع الموصّل يحميه. هكذا أخذ هو والطغمة من حوله في محاولات إجهاض الثورة بالتغييرات الشكلية حينا، وبتخويف الجماهير الثائرة والأحزاب بالفوضى والتسيّب تارة، وبالإخوان المسلمين أخرى. راهنوا على عامل الوقت وسياسة "فرِّق تسدْ" . لم تفلح هذه ولا تلك، لكنّ النظام تمكّن بذلك من تمديد فترة احتضاره، فبدا للأميركيين أنه سيصمد متخفيا وراء عمر سليمان والحكومة الجديدة. لذا، غيّر السادة في واشنطن موقفهم، فدعوا إلى إبقاء "السيد الرئيس" منعا للفوضى، وحفاظا على الاستقرار، وضمانا لانتقال "سلس" للسلطة! ومن يتابع تصريحاتهم الكثيرة المتلاحقة سيجد في كلّ تصريح نغمة جديدة وفقا لما يجدّ من أحداث وتطوّرات. يؤرّقهم القلق على مصالحهم، لا على مصالح الشعوب، ولا على القيم الديمقراطية، وسيظلّ ديك الريح يتّجه يسارا مرّة ويمينا أخرى ما دامت الكفّة ترجح، في نظرهم، مرّة إلى اليسار وأخرى إلى اليمين. السياسة المتقلّبة هذه دفعت، في آخر الأمر، بالجماهير الثائرة في مصر إلى تجاهلها واحتقارها، وبإسرائل حليف أميركا الغالي إلى البلبلة والخربطة في المواقف والتوقّعات، وبسيادة الرئيس ونظامه المتهاوي إلى الزعل من سيّده المتذبذب، بل انتقاده والتمرّد عليه أيضا!
الثورة انتصرت
ما حدث في مصر هو ثورة. لا هو انقلاب، ولا انتفاضة، ولا هبّة، ولا تظاهرة، ولا اعنصام، ولا احتجاج. مصر 2011 ليست مصر 1952، ولا مصر السبعينات، ولا مصر التسعينات. أو كما يردّد جميع المصريين اليوم: مصر قبل 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير. مصر اليوم هي مصر تراكمات أكثر من أربعين سنة من القمع، وكمّ الأفواه، والفساد والرشاوى، وإفقار الفقير، وإثراء الثريّ. وبالمقابل: من تدفّق الآلاف من خريجي الجامعات كل سنة، من الشباب العصري المثقّف الذي يرى العالم من حوله بعيون واعية، ويدرك أن الحلّ لا يمكن أن يأتي إلا بقيام دولة عصرية ديمقراطية، دولة للشعب وللشعب وحده، بكلّ ثرواتها ومواردها ونظامها ودستورها. الشعب المصري كلّه اليوم وائل غنيم، ولن يرضى وقد كسر حاجز الخوف عن هذه الدولة بديلا. الثورة انتصرت، والليل مهما طال لن يحول دون شروق الشمس!
