انتهز هذه الذكرى الماجدة، العطرة، لرحيل المعلم والشاعر والأديب شكيب جهشان لأجلّه وأكرّمه، وأمجّده. واستهل مقالتي المتواضعة، بقول الشاعر:
"قم للمعلم وفِه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا".
والقول المشهور "من علمني حرفا كنت له عبدا".
وفي مقالتي هذه، لا أتناول أشعاره، أو قصصه، أو أدبياته، فأنا لست قارضا للشعر، ولا ناقدا للأدب، فأتناول ما تفيض به ذاكرتي إلى بعض الذكريات التي ادّخرتها واختزنتها طيلة سنوات خلت.
دخل الأستاذ شكيب جهشان الصف ولأول مرة في الفصل الثاني من السنة الدراسية 1957-1956:جيء به من المدرسة الابتدائية في دير الأسد، شابا في مقتبل العمر، لم يتجاوز بعد الثالثة والعشرين من عمره، إلى مدرسة الرامة الثانوية، ليدرّس اللغة العربية التي كان متضلعًا فيها، ومتفوقا، متمكنا منها، ملمّا بعلومها وبآدابها وبقواعدها وأصولها.
دخل الصف العاشر الذي أنا فيه، وكان شابا وسيم الطلعة، حنطي اللون، نحيفا، عبوسا، قاطب الجبين، هادئا اكتسى بجلباب المهابة، وفي صوته نبرة الحازم الصارم، يعلو تارة ويخفت تارة أخرى، معلما واثقا من نفسه ومن عينيه تنطلق نظراته الحادة، ببريقها الساطع، أوحت لنا نحن معشر الطلاب بقوة الشخصية رغم سن الشباب.
في حين كان في الصف خمسة طلاب، في أطوالهم الفارعة، وضخامة أجسامهم ما يثير الانتباه، وكانوا إذا ما استضعفوا معلما قضّوا مضجعه ليلا، ونكّدوا عيشه نهارا، فحاول احدهم ان يجس النبض، فسرعان ما أخرسه الأستاذ وأسكته، فخاب ظنهم، وهكذا منذ اليوم الأول عجموا عوده فوجدوه عصيا، مع صغر سنه، فاستطاع مع الأيام أنا يخلق جوا من الألفة بينه وبين الطلاب، جوا مفعما بالمحبة وبالاحترام المتبادل، ولكنه ما لبث ما بين الحين والآخر ان يوجّه سهامه بنكتة من هنا وبأخرى من هناك يرمي بها تلك "الشلة" المتقاعسة بالدراسة لتنال من احدهم، فيضحك لها الآخرون. كان مربيا وطنيا أصيلا شجاعا في زمن كانت سياط وسيف إرهاب الحكم العسكري البغيض مُصْلتة على رقاب المعلمين الديمقراطيين والوطنيين، تحسسنا نزعته الوطنية، وفاح أريجها. مما كان يختار لنا للدراسة من شعراء وكتاب وأدباء وشخصيات ثورية، وانتقائه للقصائد والأشعار التي تطفح بجوهرها الثوري ومعانيها الوطنية. كان رسولا في مهنته أمينا وفيا مخلصا.
كان بسجيته جدّيا، تغمره مهابة جليّة، تخبئ في طياتها بحرًا من الشاعرية، مساحات شاسعة من ارض خصبة في الأدب واللغة غنية المضامين.أماط اللثام عنها، وتجلّت بدواوين أشعاره وقصصه التي جاءت تعبق بروح المقاومة.
ففي أثناء الدراسة لا بد لطالب من بعض النهفات أو مطب هنا ومطب هناك. ولي معه في هذا المقام حادثتان.
الأولى عندما دخل الصف لأول مرة وبعد ان عرّفنا على نفسه وساد الهدوء، طلب منا ان نكتب موضوعا في الإنشاء يمكنه ان يتعرف وُيلمّ بقدرة وإبداع كل طالب، اخترت موضوع الفلاح العربي موضوعي في الإنشاء لأصف كلفَ الفلاح بالخروج إلى الحقل وحُبه للأرض وعشقه لها وتمسكه بها ولأصف شقاءه ونكده وبؤسه وكدحه. وفي اليوم التالي عاد يحمل الأوراق ووزعها على الطلاب، سلمني ما كتبت، وكانت علامتي بتقدير كافٍ. ذهلتُ واهتززت إذ لم يَرُق لي الأمر، وكنت طيلة أيام الدراسة منذ التاسع حتى الفصل الثاني من الصف العاشر أحظى بعلامة جيد جدا من المعلمين الذين سبقوه، فشعرت بنكسة وإخفاق، فاندفعت أحاججه بتأثرِ وعصبية، فقابلني هو بهدوء المربِّي وابتسامة العارف، وكأني به قد أشفق علي، فوضع يده بيدي وطلب مني أن أرافقه الى غرفة الإدارة، أجلسني قبالته بلطفٍ وهدوء، ثم سألني وهل كنت أعرفك قبل اليوم، فأجبت بلا فقال إذا هذه هي العلامة التي تستحقها، وإذا أردت ان تنال غير ذلك فلك ما تريد وما ترغب، لكن هذا ليس لصالحك، فابتسمت له وخجلت وتصبب جبيني بالعرق ثم صافحته واعتذرت له، وفيما بعد تابع يرشدني ويرعاني واهتم بي حتى نلت علامة الجيد جدا في الصف الثاني عشر.
والحادثة الثانية، وفي احد الأيام وفي احد دروس الأدب خرج عن المنهاج وراح يحدثنا عن شخصيات أدبية ووطنية كالسيل الذي لا يرده شيء حتى وصل به الحديث عن عبد الناصر، وملاحقته للإخوان المسلمين، وفي سياق حديثه قال: إن هناك في الدين الإسلامي حالات يستغلها الظلاميون في الشريعة الإسلامية والتشريع مما يعيق تطور الناس في المجتمع الإسلامي، فانتفضتُ ونهضتُ وقاطعتهَ وقلت: كفاك تهجما يا أستاذ على الإسلام، كفَّ عن الكلام ونظر إليّ واستغرب موقفي، وهو يعرف حقيقة هويتي السياسية وكيف يصدر مني هذا الكلام الذي يقضي باتهامه بالتهجم على الإسلام، يعني ذلك اتهامه بالعنصرية. انتهى الدرس ورافقته إلى غرفة الإدارة وعندما بيّن لي من هم الإخوان المسلمون، ولماذا عبد الناصر طاردهم ولاحقهم، عندها سألني هل عبد الناصر رجعي وعنصريّ؟! فشعرت بخطأي وغلطي ومرة أخرى استسمحته واعتذرت له، كان هذا في الصف الحادي عشر. بعد هذا أنهيت الثاني عشر وغبت وغاب كلٌ في شأنه وفي مكان عمله.
شاءت الصدف ان ألتقيه ولأول مرة بعد غياب طويل في بيت شقيقه المربِّي، والرفيق، والصديق الحميم شفيق جهشان، وجدته كما عهدته إنسانا نبيلا متوقّد الذاكرة، تبادلنا الحديث وكان ذا شجون وعاد بذاكرته إلى تلك السنوات التي خلت، وراحت ذاكرته تفيض ليستذكر العديد من الطلاب والى المقالب والنهفات، وقد خصّ بالذكر تلك"الشلة" ثم أثنى على المتفوقين من طلابه وامتدحهم وكان يتابع أخبارهم عالمًا بدراستهم ومهنهم، وقد شاءت المقادير ان تجمعنا في مناسبات عديدة في بيت أشقائه في المغار في المناسبات المفرحة منها والمؤلمة والمحزنة، فتوثقت العلاقة وتقوت وشائجها ومن خلاله تعدت حدودنا نحن الاثنين لتشمل أنجاله الكرام المحترمين وعقيلته أم إياد المربية الكريمة النبيلة وهذا قليل من كثير مما اتذكره عنه، يعجز القلم وينضب المداد وتضيق الصفحات عند تسجيل مآثره التربوية والأدبية، ومناقبه الجميلة وسجاياه الإنسانية المتعددة وطواياه الحسنة النبيلة، طابت ذكراه ولتبق خالدة.
(عرابة)
