سياسة الاستهداف الإسرائيلية

single

سياسة منهجية معتمدة ومتلاحقة، تمارسها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وإعلامها المرتبط، تستهدف تقويض مكانة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية وقياداتها ورموزها، باعتبارها ممثلة الشعب العربي الفلسطيني، وراعية حقوقه، وأداته التنفيذية لإنجاز هذه الحقوق واستعادتها من بطن الحوت الإسرائيلي النهم.
سياسة إسرائيل الأمنية والإعلامية ترمي إلى تحقيق عدة أغراض مترابطة مع بعضها البعض يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
أولاً: المس بهيبة قيادات الشعب الفلسطيني وتشويه صورتها وزرع بذور الشك فيها ومن حولها، وإشاعة عدم الاحترام الجماهيري لها، وجعلها ضعيفة بلا رصيد شعبي غير قادرة على التركيز، بسبب ملاحقتها المستمرة بالإشاعات والافتراءات وجعلها أسيرة لهذا الجو الخانق الذي لا تستطيع من خلاله امتلاك زمام المبادرة والعمل الخلاق، وإبقائها في حالة الدفاع عن النفس نتيجة سلسلة الاتهامات المتلاحقة لها، وبدلاً من أن توجه جهدها ونشاطها لمقاومة البرنامج الاستعماري التوسعي الإسرائيلي تسقط في شباك الأنانية والذاتية، حرصاً منها على تحصين وضعها ومكانتها المهددة دائماً بالتشويش والاستهداف.
ثانياً: العمل على تبديد حقوق الشعب الفلسطيني وجعلها غير قابلة للحياة بسبب عدم توفر الإمكانات، ونتيجة الضربات المتلاحقة وتعارضها مع الوقائع القوية القائمة على الأرض، كالاستيطان والتهويد وقوة جيش الاحتلال وقدراته المتنوعة.
ثالثاً: دفع الشعب الفلسطيني نحو حافة اليأس والإذعان للأمر الواقع ورضوخه للحل الإسرائيلي القائم على حل القضية الفلسطينية خارج فلسطين في لبنان وسورية والأردن ومصر وغيرها من البلدان، وربط ما تبقى من فلسطين الواقعة بين الجدارين مع الأردن ليكون وعاء لاستيعاب التدفق الفلسطيني خارج وطنه، بعد مواصلة جعل الأرض الفلسطينية طاردة لأهلها.
رابعاً: انكفاء العالمين العربي والإسلامي عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، وعدم دعمهما وإسنادهما في معركة استرداد الفلسطينيين لحقوقهم، تحت غطاء انتشار مظاهر الانقسام والفساد بين صفوف الشعب المعذب، وتركه وحيداً لمواجهة مصيره أمام عدوه المتفوق.
في التدقيق بحجم المساعدات العربية لموازنة السلطة الوطنية الفلسطينية نجد أنها لا تتجاوز 13 بالمئة، وهناك دول ثرية عربية مثل الكويت لا تدفع قرشاً واحداً للسلطة الفلسطينية مع أن فائض موازنتها للعام الماضي بلغ 17 مليار دولار.
سياسة إسرائيل المنهجية متصلة وتراكمية، تنفذ بوسائل الحرب النفسية والتجسسية وتؤدي وظائفها على أساس قصص وحكايات وتقارير تضليلية، لتشويه صورة قيادته وزرع الشك وعدم الثقة بين الشعب وقياداته، وجعلها آثمة غير جديرة بالاحترام والتقدير، متورطة بالتواطؤ مع العدو والفساد مع الصديق وغيرها من الاتهامات.
قد تكون بعض القصص والحكايات صحيحة، وقد لا تكون، والصحيح منها قد يكون محدوداً ويتم تظهيره وإشاعته ليكون هو العنوان وهو الواجهة وهو المضمون، وفي سياق من الضخ الإعلامي المتواصل، بحيث تعجز المؤسسات الفلسطينية عن الرد، ويعجز رجل الشارع الفلسطيني عن التدقيق بها، فيتم التعاطي مع وقائعها وكأنها مسلمات، مع أنها أكاذيب مفبركة تقوم على الدعاية والإثارة.
لنتذكر سلسلة متصلة من الأكاذيب حول تقرير غولدستون وسبب التأجيل، بزعم أن الرئيس اضطر تحت ضغط حاجة أولاده لصفقة اتصالات "الوطنية" وبسبب تورطه في الموافقة على اجتياح غزة، ولما طلب إلغاء التأجيل وتم التصويت على التقرير قلب الطاولة، فسكتت الحملة المنظمة وتحولت إلى الاهتمام بما يعرف بقضية "فتح غيت" والمس برفيق الحسيني، ليس لأنه متورط أو بريء، بل لأنه يعمل في القدس، والقدس خط أحمر لحكومة نتنياهو، تحرق كل من يعمل على الحفاظ على عروبتها وإسلامها ومسيحيتها وفلسطينيتها، وبعد اتخاذ الرئيس قراره الحصيف في معالجة هذه القضية التي لا تستحق التوقف، هدأت العاصفة لتتحول نحو الاتهامات الفلسطينية المتورطة في اغتيال المبحوح، ولولا أجهزة دبي الإلكترونية لتمتع القتلة بالاحتفال بنجاحهم كما فعلوا مع اغتيال عز الدين الشيخ خليل رفيق المبحوح وشريكه الذي اغتيل في دمشق في نيسان 2004.
الإعلام العربي يصنعه الخيال، وبعضه منقول عن الإسرائيلي، يتسلى بدماء الفلسطينيين وقصصهم، والتركيز الخليجي منه مقصود لتغطية التقصير وقلة الدعم، فيما تطبيع هؤلاء المفضوح والمجاني مع الإسرائيليين قائم على رؤوس الأشهاد، وشبكة الجزيرة الثورية الجهادية التي يقودها أحد عناصر الإخوان المسلمين وضاح خنفر تقود عملية التطبيع الإعلامي مع الإسرائيليين بدون أي رادع سياسي، لأنها توفر مقابل ذلك لـ"حماس" والقاعدة والحوثيين والإنقاذ ولأعداء اليسار والتيار القومي منابر للأصوليين أعداء التقدميين والقوميين والليبراليين.
أداء الرئيس محمود عباس على المستوى الدولي، وشكل الاستقبال الذي يحظى به في بلدان أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية، وتسجيله نجاحات وإنجازات سياسية ملموسة توفر فرص الدعم للشعب الفلسطيني، وتجعل الإسرائيليين يضيقون به ذرعاً، يستفزهم ويعري سياساتهم ويكشف عوراتهم العنصرية أمام المجتمع الدولي.
وأداء رئيس الوزراء سلام فياض وفريقه الحكومي والائتلاف الوطني الذي يقوده، خلق مشكلة داخل الإسرائيليين، في تقييم دوره أولاً، وفي كيفية التعامل معه ثانياً، فوقف فريق منهم يحترم دوره كعدو وخصم لا يملكون ملاحظات جوهرية عليه لإدانته، ووقف فريق آخر ينادي بالتحريض العلني ضده، باعتباره عدواً خطراً على مجمل المشروع التوسعي الاستعماري الإسرائيلي.
الأداء الفلسطيني برمته، من حيث التحرك السياسي على المستوى الدولي، والتحرك الميداني على المستوى المحلي، بنسق متناغم، أربك حكومة نتنياهو وأفقدها القدرة على ممارسة سياسة متزنة، ولذلك اختارت طريق الاستفزاز والعودة إلى سياسة الاغتيالات والمزيد من الضم، والإمعان في تهويد القدس وأسرلتها بل وتوسيع هذه السياسة لتشمل مواقع في الخليل وبيت لحم، مثلما اختار طريق الأذى المعنوي والسياسي والنفسي عبر حرب الإشاعات والافتراءات، لدفع الفلسطينيين نحو التطرف والتراجع عن سياسة البناء والعقلانية والنضال المدني ضد الاحتلال.
سياسة الاغتيال المعنوي والافتراء ليست ساذجة، وليست بلا قيمة، فقد نجحت ضد الراحل ياسر عرفات، الذي انطبع عهده بالفساد من حجم الإشاعات الإسرائيلية المبرمجة، ولن يكون رفيق الحسيني آخر المحروقين بنار البرمجة، وقد حاولوا مع محمد دحلان وجبريل الرجوب ولكنهم فشلوا بسبب صلابة الرجلين، حيث تم تقديرهما من قبل رفاقهم في المؤتمر بانتخابهما عضوين في اللجنة المركزية.
لن يتوقف الإسرائيلي عن تدمير كل ما هو وطني ونبيل مستغلاً الانقلاب وأخطاء وتجاوزات ترتكب، بعضها صحيح وبعضها خبيث، ولكنها تتم تحت مراقبة وعملية تدقيق إسرائيلية، يتم كشفها وتوظيفها وفق المصالح الأمنية والسياسية الإسرائيلية، تماماً كما فعلوا مؤخراً مع ابن حسن يوسف القيادي في حركة حماس للمساس به وإيذائه وتحطيم مكانة حركة حماس وتهشيم رموزها، فالكل مستهدف طالما هو ضد الاحتلال بصرف النظر عن تنظيمه ومواقفه السياسية.
طريق الحرية والكرامة مليء بالأوجاع والأذى، ولكنه أقل خطورة من استمرار العبودية والاستعمار وفقدان الكرامة.

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

تمييز وامتيازات تعمّق الأبرتهايد

featured

وبعد.. بإنتظار "البدائل التاريخية"

featured

نحوَ توحيد النِّضال لهذه الصُّروح التربويَّة

featured

هل تستعد غزة الصمود والتصدي لتسطير ملحمة البطولة بهزيمة المعتدين !؟

featured

حول "المشهد الاباحي" في فيلم "عمر" والمشهد الأخلاقي لمجتمعنا

featured

مدن عربية في أسفل القائمة والغيتو ينطق والمخيم ينتحب

featured

تهديد أمني أخطر من "الإرهاب"