"وأشباح ماركس"

single

إنه عنوان كتاب جان داريدا، الفيلسوف الفرنسي، والذي رأى فيه اعادة تأهيل النظرية في فهم الاوضاع المستجدة بعد زوال اول اختبار في تطبيق الاشتراكية، في الاتحاد السوفييتي السابق وكتلته الاشتراكية . باعادة الاعتبار لماركس ، فالماركسية كمنهج فكري وفلسفي توفّر احدى اهم النوافذ لفهم التحولات الكبرى التي حصلت في الاقتصاد السياسي العالمي . وتنبع اهمية المنهجية الماركسية من كونها وضعت أسسا للبحث في التناقضات الاجتماعية والسياسية التي تولدها صيرورة الرأسمالية، وفي طليعة تلك الاسس، قانون الصراع الطبقي الذي يتمحور حول الملكية الخاصة او عدمها لوسائل الانتاج، والتي بدورها - الملكية الخاصة- تعطي للنظام الرأسمالي أساسه المادي والحقوقي وماهيته المتجسدة في فائض القيمة والربح والمزاحمة والتراكم . ومما ساعد ويساعد على بقاء حيوية هذا المنهج وصلاحيته لدراسة الظروف الراهنة هو جدليته . فكشف روحية هذه الجدلية وحركتها يقع على عاتق الباحثين ، الذين بدورهم يثرونها ، وذلك تبعا لقدراتهم الخلاقة والعلمية .
واشار كتاب امثال جون رولز وروبرت دال ونوربرتو بوبيو، الذين ينتمون الى المدارس الليبرالية،  الى أن صيرورة الرأسمالية كنظام اقتصادي- اجتماعي يصطدم بالضرورة ، مع متطلبات الحريات الديمقراطية والمشاركة الشعبية في السياسة من جهة ، ومن جهة اخرى نبهوا الى العواقب السلبية التي يولدها نظام التفاوت الطبقي الرأسمالي على المساواة السياسية ، احدى الدعائم الاساسية للديمقراطية، لذا تطرح اليوم هذه المسألة مجددا بالحاح كبير واكبر ، ليبقى السؤال : هل يعقل في نظام يتصف بتفاوت طبقي ان يحقق لمواطنيه مساواة سياسية حقيقية  تتخطى المساواة الشكلية القانونية، والتي لا يمارسها الا ابان الانتخابات، والتي بدورها عرضة لنفوذ وسطوة وهيمنة الرأسمال؟  الجواب يأتي بالنفي ، وهذا ما اكده كتاب في المدرسة الليبرالية المشار اليهم، فانه طالما ان النظام الراسمالي يرفض عقلنة العلاقة ما بين الرأسمال والعمل، وبالتالي يصر على العزل التعسفي للاقتصاد عن اللعبة الديمقراطية، بدل  ان تكون  المشاركة الشعبية فعلية في الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية، فان التناقض وجدل الصراع باق . فهذه هي السمة العامة للأزمة التاريخية بين الرأسمالية والديمقراطية ، والخاص فيها احتدام التناقض ما بينهما . فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، نرى بشكل واضح سطوة الرأسمال وتقدمه الى مواقع اكثر هيمنة على المستوى العالمي من خلال ما يسمى "بالنيوليبرالية" التي اضحت البرنامج الجديد للهيمنة، مما خلق وضعا جديدا في توجه الرأسمالية العالمية وفي ظل وعصر المعلوماتية واثر تعزز وضعها وهيمنتها الدوليين، هو افراغ الديمقراطية من اي محتوى اجتماعي واخلاقي وسياسي وقانوني مخالف لصيرورة الرأسمال . لذا نرى مؤخرا، أيضا،  اشتداد الهجمة على المنجزات الكبرى التي حققتها الطبقة العاملة والطبقات الفقيرة في المراحل السابقة والتي توجت ببناء الدولة " الرعاوية" او دولة الرفاه ، حيث يجري في الدول الرأسمالية المتقدمة محاولات تفكيك دعائم العقد الاجتماعي، الذي ارتكز على مساومة ما بين الطبقة العاملة واحزابها ونقاباتها من جهة، ومن جهة اخرى البرجوازية، وممثليها السياسيين واحزابها . ان زوال الدولة الرعاوية او دولة الرفاه او محاولة تقويض ركائزها التاريخية يعزز مجددا التناقض ما بين الديمقراطية والرأسمال ويفتح مجددا الصراع التاريخي الذي دشنته الرأسمالية، ومنذ القرن الماضي، مع الديمقراطية التي اتت بدورها كنتاج لصراع خاضته الطبقات الوسطى والدنيا من اجل المشاركة السياسية التي كانت حصرا على الطبقات المالكة . ومن حينها، اضحى توسيع او تضييق الهامش الديمقراطي خاضعا لتوازن القوى الطبقي ما بين البرجوازية والطبقة العاملة .
صحيح ان الرأسمال حقق انقلابا في توازن القوى لصالحه، وهذا يفسر التدهور والتقهقر في الحريات العامة والمساواة الاجتماعية وحقوق الانسا ، ومزيدا من تخريب البيئة، والعنف الذي يتفجر بصراعات اثنية في شتى انحاء المعمورة. وتشير هذه الظواهر الى تدني نوعية الحياة، والاخطر الى التوجه العام هو انه لا يوجد حل يلوح في الافق . فنرى الملايين من الاطفال والنساء يُدفعون الى سوق العمل وتحت ظروف قاسية للغاية ، تذكرنا بعالم تشارلز ديكنز عندما وصف الاوضاع المزرية لبريطانيا اثر ثورتها الصناعية . فكأن الثورة المعلوماتية العتيدة، اهم تحول نوعي منذ الثورة الصناعية، تولد اقتصادا سياسيا جديدا يمتاز بهيمنة شبه كاملة للرأسمال، وبالتالي اقل خضوعا للعقلنة التي فرضتها ضرورة تاريخية وسياسية سابقة، ولم تعد موجودة في عالم اليوم .
وفي عالمنا العربي بدأ الكثير من المثقفين ينحازون الى الخيار " النيوليبرالي" . فالعديد منهم يحلم بنوع من الديمقراطية للحفاظ على سلامته الشخصية، وخاصة بعد مراحل طويلة من القمع والقتل على ايدي الانظمة العسكرية . فبات السقف الاعلى، ضمان حد ادنى من  الحياة السياسية وحد ادنى من حقوق الانسان، لذا نجد قبل" الثورات" العربية الاخيرة ربط العديد منهم العلاقات مع حكوماتهم " المنتخبة" والدولة . ولكن ما لبث ان تبدد الحلم . ومكانه حلت وقائع الاقتصاد السياسي الجديد، الذي اول ما فرضه اخضاع هذه البلدان الى البرنامج " النيوليبرالي" الداعي  للخصخصة وتقزيم دور الدولة في الاقتصاد، وفتح الاسواق امام المزاحمة الدولية ، وذلك من اجل تأمين دخول هذه الدول الى الاقتصاد العالمي . فاضحت الديمقراطية السياسية صعبة التحقيق في ظل الظرف الاقتصادي الجديد، ولا سيما عندما تتضاعف البطالة التي تولدها الخصخصة، وتتفاقم الفروقات الطبقية في ظل سياسة مالية داعية الى خفض الاجور وتقليص الدولة لنفقاتها في المجالات الاجتماعية، الصحية، والتربوية الثقافية، وهذا ما ولد معارضة في العالم العربي وبدرجات متفاوتة، شهدت مقاومة للبرنامج النيوليبرالي الاقتصادي، والذي بدوره اما انه ساهم في تأخير ادخال حد ادنى من الديمقراطية السياسية (انتخابات دورية ، تعددية حزبية واحترام حقوق الانسان)، واما انه قد تم ادخال جزء منها في انتخابات دورية دون احترام الحقوق الاساسية للبشر وحتى في الاطار البرجوازي الليبرالي . ويمكن ان يعزى ضعف الحياة السياسية في العالم العربي قبل " الثورات" الى ضعف الحركة العمالية ( حيث ان النقابات تساوقت مع مواقف الحكام الطغاة وبهرت في الاغراءات وفسدت طبقيا ) والطبقات الوسطى واحزابها ، مما حصر الدعوة الى التغيير في بعض اوساط المثقفين ولم تنتقل  الى صلب الحركة العمالية، الا متأخرا، والى الطبقات الوسطى المستعدة لقفزة التغيير متخلية عن تحالفاتها التي نسجتها مع الانظمة الحاكمة والتي لم تفد بشيء عملية التحول الديمقراطي .  فانضمام الحركة العمالية الى انتفاضات الدمقرطة في العالم العربي ادى الى نجاحها اينما الطبقة العاملة منظمة وقوية، والى تعثرها اينما لم يقو عودها بعد،  وما زالت اسيرة العصبيات القبلية والعشائرية والدينية المتوارثة . ولن يعود عالمنا العربي الى حالة الخداع السابقة،  انظمة جوهرها تسلطي ومظهرها ديمقراطي – انتخابي . ولاضفاء نوع من الشرعية للاقتصاد السياسي الجديد ، بشقيه المحلي والعربي، يتفتق عقل رواد " النيوليبرالية" الى تعديل مسار الرأسمالية وتلطيفها واعادة نوع من العقلنة الى السوق، التي اتت النيوليبرالية لنفي العقلنة عنه، اي تدخل الدولة في السوق، كي تخفف حدة التناقضات الطبقية من اجل توفير الشروط الاجتماعية والسياسية الى حد ادنى من الديمقراطية السياسية للحفاظ على الحريات العامة والفردية وحقوق الانسان ،وهذا الغش الكبير ويمكننا التحذير من نشوء دكتاتورية جديدة عسكرية ( كما المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية، المدرب والمثقف امريكيا بعد تصفية القطاع العسكري العام كليا لدوره في انتصار اكتوبر 1973) لتأمين ديمومة عملية العولمة . فهنا، موازين القوى مهمة وحاسمة  لاننا لا نرى في الافق اتجاه مسار " الثورة " المصرية  او التونسية الى تغيير جوهر النظام، لذا يجب البحث سريعا عن معادلة موازين القوى بين العمل والرأسمال وقدرة الطبقات المتناحرة على التفاوض لايجاد قواعد جديدة لعقد اجتماعي جديد كما حصل في بريطانيا  في  القرن الثامن عشر، وفرنسا في القرن التاسع عشر، وفي امريكا بعد الحرب العالمية الاولى .  وسيبقى شبح ماركس متربصا من جديد والآن بالذات في مرحلة التحول الكبرى من عصر الصناعة الكلاسيكية  الى الصناعة المعلوماتية والنانو ، مما يفرض ارساء قواعد جديدة، متجددة، للصراع ما بين العمل والرأسمال ودون ان يحول جوهره . فالديمقراطية تبقى عملية تاريخية مترابطة مع عملية الصراع تلك ومستقبلها يتحدد على ضوء طبيعة العلاقة ما بين قطبي الصراع وتعبيراته الطبقية والسياسية . فالمسألة منذ آدام سميث والى كارل ماركس تبقى، عقلنة الرأسمال وتجسد هذه العقلنة الديمقراطية بمفهومها المطلق .

 

توابل

توبة ابليس
(3)
من قبل خطاياي شردت
الى برية محطمة
أكلوا من شجرة المعرفة
قبلي
أخذوا تفاحة الحب مني
في ارض تفوح كراهية
تكوّن قلبي
كل الوقت
مُرة المعرفة
حُلوة الخطيئة
الف مرة اموت في ظلمتي
الف مرة يحسدني النور
الف مرة اعود الى صحوتي
الف مرة غصتي تفور
الف مرة اتمزق في خطواتي
الف مرة حيرتي تدور
واسقط في نعيم الاجابات مبكرا
وأًلعن 
وابارك
في طقوس النذور
آه ما اصعب الانسان
آه ما اقسى الوحدة وما اطول رحلة الآثام
خطيئة الماضي مصيبة الحاضر مصيدة المستقبل
آه ما اصعب الحرمان
رذاذ روحنا يعفر في ثغر الضوء الساطع
فترعشنا طهارة الآتي
وتمضي اختلاجاتنا نحو التراب
نحو الموج
او نحو وجه الرّب
أيعوي الحرمان في داخلنا
ويشق العطش خطوط شفاهنا
أنغدو مصباحين يرتعشان
أمام لهيب الانسان
آه .. ثم آه ما اصعب الانسان
حنين شقي
ينطفئ بين نهدين
فتحترق بنا الرؤى
ونغرق في بحر الشك  وتأكلنا النيران
ونترمد في جحر الافكار الخالصة
امام العيون الحمر ... الخضر
يأبى اللهيب ان يخبو
أن يكبو وتكبر فينا الامنيات
كالطوفان
آه والف آه ما احمق الانسان
أعود الى روحي الملتهبة بعيون واسعة هادئة ... وشفاه
حلوة ممتلئة بذكرى الحكايا المنسية في جنتي الزائلة
الحكايا السيئة في قصور الامنيات المبتكرة الكاذبة
فصعب ان يبقى طول الوقت
الانسان
انسان ...

قد يهمّكم أيضا..
featured

إقترب بزوغ الفجر يا مروان

featured

المرأة أيضا تفضل أن تشرب من كوب نظيف!

featured

"القدس الشمالية" لنا..!

featured

أم الفحم: حذار من الخفافيش الإستخباراتية

featured

لا تَضْربِ المرأة ولو بزهرة

featured

الممر (المَعفار)

featured

حرية الرأي والتعبير

featured

نساء "داعش " بين فتنة السلاح والنكاح