الاستعمار الصهيوني تحول الى شكل ابشع وأخطر بكثير عندما اضيفت اليه ممارسة التطهير العرقي
تجمع القوى الوطنية الفلسطينية على مناهضتها للاحتلال ولما سببته اقامة اسرائيل من نكبة لشعبنا الفلسطيني. نختلف من جهة أخرى على اساليب النضال، اجندتنا للبديل المستقبلي (ان وجدت بوضوح)، وموضوع تعاوننا مع قوى اليسار اليهودي في مسيرة نضالنا من أجل التحرر.
قد يكون الموضوع الأخير المتعلق بقوى اليسار اليهودية، أحد أكثر المواضيع اثارة للجدل على مر تاريخ هذا الصراع. لا غرابة في ذلك كون صراعنا صراعا قوميا هُجر واضطهد خلاله الفلسطيني كونه فلسطينيا وحجر عثرة في الطريق لاقامة وطن قومي لليهود، ذي أغلبية قومية صرفة.
قد يكون هذا الموضوع جامعا ومشتركا لأمثلة عديدة من الصراعات بين مجموعات اضطهدت واستغلت مجموعات أخرى. مكان الأبيض في نضال السود ضد التفرقة العنصرية في امريكا كان محل جدل، كما كان مكان الفرنسي اليساري المناهض للاستعمار محل جدل داخل حركة التحرر الجزائرية.
سأحاول في هذا المقال معالجة هذا الموضوع عن طريق مقارنة ادبيات أحد المفكرين من أصل تونسي في سياق الاستعمار الفرنسي وموقفه من الموضوع، مع حالتنا هنا.
البير مامي هو مثقف تونسي كتب بالفرنسية كتابا بعنوان "شخصية الواقع تحت الاحتلال، وقبل ذلك، شخصية المحتل". أحد المواضيع التي يتطرق اليها الكتاب هي التناقضات والتحديات التي تواجه اليساري الفرنسي القاطن في الجزائر خلال مسيرة التحرر من الاستعمار الفرنسي. هو مناهض للاستعمار وقد يكون ولد في الجزائر من جهة، ولكنه جزء من الشعب الذي يمارس الاستعمار ويعامل كفرنسي من قبل النظام الحاكم. يتطرق مامي الى دوافع اليساري الفرنسي لدعم تحرر الجزائر ويرى بها جزءا من نظرة فكرية تصبو الى بناء عالم افضل وأكثر عدالة. هو ضد استغلال الشعوب واحتلالها، ويحلم بثورة تحرر الجزائر وتحولها الى دولة علمانية ديموقراطية واشتراكية تسودها العدالة الاجتماعية. لكن مشاكل اليساري الفرنسي تبدأ ولا تنتهي. هو يجد نفسه في موقف حرج عندما يستعمل المقاومون السلاح وينتج عن ذلك مقتل مدنيين، فيعزو ذلك الى مجموعات متطرفة لا سيطرة للقيادة عليها، ولكنه لا يستطيع أن يفسر لنفسه صمت القيادة عن ادانة هذه الأعمال. يجد نفسه في مأزق شبيه عندما يلاحظ أن نضال التحرر يأخذ منحى دينيا أو قوميا متزمتا، فكلا الأمرين يتناقضان مع تصوره للمجتمع العادل، ويتعارضان مع الفكر اليساري الذي اعتاد عليه ومع اهداف هذا الفكر لما بعد انهاء الاستعمار. يستمر لاحقا بوصف مكان اليساري الفرنسي قائلا: "علينا أن نأخذ بالحسبان ماهية الاحتلال: هو علاقة بين شعب وشعب آخر. وهو ابن الشعب الممارس للاحتلال، وان رغب ام ابى، سيتوجب عليه تقاسم مصير شعبه كما تمتع بتقاسم غناه". لاحقا يصف حلم اليساري الفرنسي كما يتخيله قائلا "عندما تواتيه الفرصة ليحلم بغد معين، غد لمجتمع جديد متحرر من الاحتلال، فخياله لا يشمل الأخذ بعين الاعتبار أي تغيير جدي بشخصيته أو وضعه الاقتصادي والاجتماعي".
يخلص مامي الى الاستنتاج بأن لا مكان لليساري الفرنسي في نضال الجزائريين للتحرر، وأن من الأفضل له أن يغادر ويستمر بالدعم من داخل بلده الأم فرنسا، أو انتظار ما سيؤول اليه وضع ما بعد التحرير بما يخص امكانية استمرار عيشه هناك.
قادتني قراءة هذا النص الذي كتب قبل أكثر من نصف قرن الى التفكير بما يعنيه ذلك بالنسبة لحالتنا هنا. التفكير بما هو مشترك وما هو مختلف عند مقارنة كلا الحالتين.
هنالك عدة أوجه تشابه بين الحالتين، وبالمقابل هناك عدة فروق جوهرية لها اسقاطات مباشرة على اساليب النضال وموضوع العمل المشترك. ما هو مشترك بين الحالتين هو كونهما شكلا من أشكال الاستعمار الذي يشمل دائما سيطرة مجموعة على مجموعة أخرى، احتلال ارضها، استغلال مواردها الطبيعية والبشرية والنظر الى ثقافة ممارس الاستعمار كثقافة متحضرة والى ثقافة الواقع تحت الاستعمار كثقافة متخلفة يجب التخلص منها وتبنى حضارة ممارس الاستعمار. الى جانب ذلك، هناك فرق جذري في نوعية ممارس الاستعمار في كلتا الحالتين. المستعمر الأوروبي في فترة الاستعمار هو دولة قومية ارسلت بجيوشها عبر البحار لاستغلال خيرات وموارد شعوب أخرى أضعف منها، بينما شكلت الحركة الصهيونية خليطا غريبا ما بين حركة تحرر وطني ومستعمر أوروبي. اضطهاد اليهود في أوروبا شكل أحد الاسباب المركزية لتأسيس الحركة الصهيونية وبحثها عن حل لما سمته "المشكلة اليهودية"، وهي بهذا حركة تمثل شريحة مضطهدة تصبو الى تحرير ذاتها. من جهة أخرى، حولت الحركة الصهيونية نفسها الى حركة استعمارية عندما قررت ترجمة حق اليهود في تقرير مصيرهم الى اقامة وطن قومي في فلسطين باطار نفس الفكر الاستعماري السائد في تلك الفترة- النظر الى الفلسطينيين كشعب بدائي تصنع له الحركة الصهيونية معروفا كونها تجلب له الحضارة والتقدم، ويمكن رؤية انعكاس ذلك على الطريقة التي تم فيها التعامل مع اليهود العرب (الشرقيين) باعتبار موروثهم الثقافي العربي شيئا يجب التخلص منه. هذا النوع من الاستعمار تحول الى شكل ابشع وأكثر خطورة بكثير عندما اضيف اليه ممارسة التطهير العرقي عن طريق التهجير القسري للشعب الفلسطيني الاصلاني لاستبداله بمهاجرين يهود يبنون لنفسهم وطنا قوميا خاليا أو شبه خال من العرب. غالبا ما اتى المستعمرون لاستغلال خيرات شعوب أخرى ولكنهم لم يفرغوا المكان من سكانه ليستوطنوا مكانهم..
الا أن هناك فرقا جذريا عند الانتقال من مرحلة تعريف وتحليل ما حدث في الماضي الى مرحلة طرح مطلب النضال المستقبلي ونوعية الحل، فهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحالة الجزائرية والحالة الفلسطينية. في الحالة الجزائرية شكلت شمال افريقيا منطقة مستعمرات لدول أوروبية، وكان مطلب حركات التحرر هو اجلاء المحتل عن ارضها ورجوعه الى دول الأم في أوروبا. اما في الحالة الفلسطينية فان الوضع القائم اليوم هو وضع أصبحت فيه المنطقة المستعمرة وطنا وحيدا للكثير من اليهود الاسرائيليين (خصوصا من لا يحملون جوازي سفر)، ولا وجود لدولة أم ولمطلب لجلاء المستعمر اليها. لذا فنحن نتحدث اليوم عن تصور مستقبلي لحياة مشتركة للفلسطينيين (في شتى مواقع تواجدهم اليوم) واليهود الاسرائيليين (وليس يهود العالم). يمكن أن يتخذ المطلب السياسي شكل حياة مشتركة في دولة واحدة بعد عودة اللاجئين، أو زوال الاحتلال وقيام دولة فلسطينية في حدود ال67 ودولة ثنائية القومية في مناطق ال 48، أو شكلا آخر لمطلب سياسي شرط أن يشمل حق العودة وحق المهجرين، اخلاء المستوطنات وتقاسما عادلا للأرض والسلطة. لسنا هنا بصدد تقييم المطلب السياسي الأجدى والأنسب للمرحلة، الظروف وعلاقات القوى الموجودة، الا اننا نتحدث عن واقع مشترك، ثنائي القومية في كل الحالات (بما يشمل داخل اسرائيل في سيناريو الدولتين). هذا الفرق المركزي بين مطلب باجلاء المحتل وعودته الى أوروبا، وبين مستقبل مشترك للمحتل والواقع تحت الاحتلال )بشرط اصلاح غبن الماضي وتحويل العلاقة الاستعمارية الى علاقة مبنية على المساواة والعدالة( يعني ضرورة تعاون حاملي هذه الأجندة على تحديد شكل هذا الواقع وسبل النضال من أجل الوصول اليه.
//كيف يمكن للمحتل والواقع تحت الاحتلال العمل معا؟
ان كل فلسطيني أو يهودي اسرائيلي ولد هنا كابن لأحد الشعبين، لم تتم استشارته بذلك مسبقا، ومن هنا يمكنه فقط اختيار كيفية تعامله مع الواقع الذي ولد لداخله. ليس السؤال برأيي هل نحن مستعدون للعمل مع اليسار اليهودي أم لا، بل السؤال هو مع أي يسار وبناء على اي اساس مشترك بالفكر والممارسة.
اولا- نقطة الانطلاق الاولية هي عدم اعتبارنا كلنا يساريين ومتفقين، لذا لا أهمية لكونك عربيا أو يهوديا. ليست القومية هدفا، ولكن لا يمكن لأحد القفز من فوقها في خضم صراع قومي. الفلسطيني هو جزء من شعب واقع تحت الاضطهاد القومي ويناضل لتحرير نفسه ليعيش بكرامة ومساواة الى جانب من هو جلاده اليوم، بينما اليهودي اليساري هو جزء من شعب يمارس القوة لاضطهاد شعب آخر، وهو يناضل لتحرير نفسه وشعبه من ممارسة الاضطهاد على الآخرين من منطلق قيمه الانسانية وغيرته على مصلحة شعبه للمدى البعيد على حد سواء. هناك فرق شاسع بين "التضامن مع الضحية" وبين أخذ مسؤولية من منطلق كونك جزئا من نظام الجلاد ومتمتعا بالامتيازات التي يمنحها ذلك لك (حتى لو لم تختار ذلك).
ثانيا- هناك نضالات داخل المجتمع الفلسطيني، يجب على الفلسطيني خوضها، وأحيانا لا مكان لرفيق الدرب اليهودي فيها. مثلا، محاربة العائلية السياسية، أو محاربة جريمة القتل على "شرف العائلة"، وغيرها من الأمثلة التي قد تتطابق وجهات نظرنا فيها، ولكن لكل دورا مختلفا. بالمقابل هناك مواضيع داخل المجتمع اليهودي، لا مكان للفلسطيني فيها.
ثالثا- موضوع الأولويات في الأجندة. من الطبيعي أن يحمل اليساري الحقيقي أجندة شمولية لبناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية، المساواة بين الرجال والنساء، الحفاظ على البيئة، احترام تعدد الثقافات الخ... الا ان موضوع الأولويات التي أختار استثمار جل طاقاتي ووقتي بها في وضعية استعمارية كحالتنا هو موضوع مصيري. يصعب تخيل شراكة سياسية بين فلسطينيين ويهود دون أن يكون مركز هذه الشراكة هو العمل على انهاء العلاقات الاستعمارية بين الطرفين كرأس سلم الأولويات وأكثرها الحاحا. ليس معنى ذلك بأن مسيرة النضال للتحرر يجب أن تتجاهل كل المواضيع الطبقية والداخل مجتمعية أو تأجيلها الى حين ينجز التحرر، بل تجدر مناقشتها والعمل عليها بالتوازي دائما، وايجاد السبل لربطها وتجييرها لدعم هدف التحرر القومي. لن يكون للواقع تحت الاضطهاد اي رغبة أو مصلحة بالعمل على بناء مجتمع عادل مع ابناء الشعب الممارس للاضطهاد ان لم يكن واضحا ان كل عمل كهذا على الأرض يدعم مسيرة تحرره. هنا تكمن المشكلة في ما يسمى بالعمل من أجل التغيير الاجتماعي في المجتمع الاسرائيلي (تسمية تختزل الفلسطيني مواطن اسرائيل)، دون ربط ذلك بكون التغيير الاجتماعي متعلقا بمجتمعين بينهما علاقة كولونيالية يجب أن يشملها هذا التغيير.
أخيرا، يمكننا القول بانه لا بد للعمل المشترك أن يبدأ من الانتماء القومي الذي يحدد مكان ومكانة كل فرد ومجموعة في المجتمع (ولا يرى بوجود القومية مشكلة هدفنا الغائها)، وبنفس الوقت لا بد أن نكون قادرين على تخيل مستقبل غير محدد بالانتماءات القومية كتعريف لحدود الهوية. هذا كان مفهوم "حق الشعوب بتقرير مصيرها" في الفلسفة الماركسية وغيرها، كخطوة ضرورية في الطريق لبناء عالم جديد، ويجب أن يحذر كل يساري من الدوران في حلقة مفرغة تتجاهل حق الشعب الفلسطيني في الداخل بتقرير مصيره في دولة مشتركة كخطوة ضرورية في الطريق لبناء واقع جديد.
