من المقرر ان يعقد المؤتمر السادس لحركة فتح في مدينة بيت لحم المحتلة في الرابع من شهر آب الحالي، اللهم الا اذا ما حدثت مستجدات طارئة تعيق وتعرقل وتؤجل عقد هذا المؤتمر في الموعد المحدد، عوائق مثل لجوء حماس المهجنة بصورة غير شرعية على قطاع غزة الى اجراءات تعسفية بمنع مندوبي فتح الى المؤتمر من مغادرة القطاع الى الضفة الغربية ولجوء المحتل الاسرائيلي الى منع بعض مندوبي ورموز فتح في الخارج، من لبنان والاردن ومصر من المشاركة في المؤتمر.
ويكتسب مؤتمر فتح الذي لم يعقد منذ عشرين سنة اهمية سياسية وتنظيمية تتعدى حدود الكوادر الفتحاوية تشمل اهتمام الشعب العربي الفلسطيني وانصار واعداء الحقوق الوطنية الفلسطينية التي يغتصبها المحتل الاسرائيلي. فلا احد يستطيع انكار حقيقة تاريخية ان فتح "حركة التحرير الفلسطينية" اكبر واوسع فصيل مقاومة فلسطينية يحظى بأوسع شريحة تأييد من الشعب العربي الفلسطيني كان في قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني وحركة المقاومة المسلحة الفلسطينية وفي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والى جانبه فصائل قوى المقاومة الوطنية من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الدمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الفلسطيني الذي اصبح حزب الشعب الفلسطيني وغيرهم من "المستقلين" وقوى اخرى. لا احد يستطيع انكار الكوكبة القيادية الفتحاوية التي وقفت على رأس المعركة الكفاحية للتحرر الوطني الفلسطيني وفي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأس وفي مقدمة هذه الكوكبة خالد الذكر الرئيس ياسر عرفات (ابو عمار) والى جانبه رفاق دربه من فتح ابو جهاد وابو مازن وابو اياد وابو اللطيف والى جانبهم خالدو الذكر بشير البرغوثي وسليمان نجاب وفائق وراد من الشيوعيين وخالد الذكر د. جورج حبش من الجبهة الشعبية واطال الله عمره نايف حواتمة قائد الجبهة الدمقراطية وياسر عبد ربه من الدمقراطية "وفدا" فيما بعد. لا احد يستطيع انكار ان هذه الكوكبة القيادية باستنادها الى تنظيماتها والى جماهير شعبها الفلسطيني في مختلف مواطن الشتات القسري وفي المناطق المحتلة في الضفة والقطاع والقدس الشرقية المحتلة قد حققت خلال عشرات من سنوات الكفاح عنه انجازات هامة من حيث المدلول السياسي للنضال الفلسطيني العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني الفلسطيني، فانفجار الثورة الفلسطينية في مطلع الستينيات والاستعداد لتقديم التضحيات قد اثبت للعالم اجمع، رغم الاخطاء في الممارسات ان الشعب الفلسطيني حي لا يموت. وردا على المتنكرين لوجوده ولحقوقه الوطنية امثال رئيسة الحكومة الاسرائيلية السابقة غولدا مئير التي كانت تردد بلكنتها الصهيونية العنصرية: اين هو الشعب الفلسطيني؟ وكان قيام منظمة التحرير الفلسطينية كاطار جبهوي يوحد قوى وفصائل المقاومة الوطنية رغم ان العصمة في حسم القرارات كانت بأيدي فتح التي كان لها الاكثرية العددية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي مؤتمر الرباط للقمة العربية في الرابع والسبعين من القرن الماضي ونتيجة للكفاح الفلسطيني المدعوم من الانظمة التقدمية في مصر برئاسة خالد الذكر جمال عبد الناصر قبل ان تبتلي حركة التحرر القومي والوطني المصرية والعربية بالردة الخيانية للرئيس انور السادات والنظام السوري وغيرهما والدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري من الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية للثورة الفلسطينية وللحقوق الوطنية الفلسطينية، فعلى خلفية هذه العوامل اقرت قمة الرباط ان منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي للشعب العربي الفلسطيني. وقد رسخت انتفاضة الشعب الفلسطيني الاولى في السابعة والثمانين وحدانية م.ت.ف في تمثيل الشعب الفلسطيني وانها العنوان الوحيد للتفاوض معه في الشأن الفلسطيني وعدم التفتيش عن عنوان آخر في القاهرة او دمشق او عمان او بيروت. كما اسهمت الانتفاضة الاولى اضافة الى عوامل اخرى لا مجال للخوض في غمارها الآن، الى اتخاذ موقف سياسي حكيم في الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في الجزائر في تشرين الثاني 1988، الذي اقر استنادا الى قرار الامم المتحدة رقم 181 بالاعلان عن قيام دولة فلسطينية لتجسيد لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، كما اقر برنامجا سياسيا باقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع. في حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين حسب قرار الامم المتحدة رقم 194. ويعتبر هذا القرار انجازا سياسيا للحق الفلسطيني اذ ان عدد الدول التي اعترفت بحق قيام هذه الدولة حسب قرار المجلس الوطني كان اكثر من عدد الدول التي تعترف باسرائيل.
ولا مفر في هذا السياق من تأكيد حقيقة انه في عز الانتفاضة الاولى لجأت حركة الاخوان المسلمين الى تأسيس "حركة التحرير الاسلامية" – حماس التي قوبلت بالترحاب والتشجيع وغض الطرف عن نشاطها من قبل المحتل الاسرائيلي واذرعه الامنية والمخابراتية وذلك لان المحتل رأى في حماس، كما هي ترى في نفسها، بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينية وتتبنى برنامجا سياسيا مغايرا لبرنامج م.ت.ف الوطني التحرري، برنامج غير واقعي لا يستفيد منه سوى المحتل الاسرائيلي لانه يشوه حقيقة وهدف النظام الفلسطيني العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني.
لقد واجه الشعب الفلسطيني ونضاله العادل ضربتين قاسيتين، الاولى، بحصار وموت قائده الرمز ياسر عرفات، الذي يرجح انه قتل مسموما، والذي قال "لا" مجلجلة للرئيس الامريكي بيل كلينتون ولبراك في كامب ديفيد ولم يحن هامته ويفرط باي ثابتة من ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية وبقي صامدا مرفوع الهامة الوطنية حتى وفاته واستشهاده. والضربة الثانية ان الفساد الفتحاوي المستشري في مختلف الاجهزة الادارية والامنية والسياسية السلطوية من جهة وجرائم ومجازر وعقوبات المحتل الاسرائيلي في عهد جنرال المجازر والاستيطان اريئيل شارون قد اسهمت في اجتياح حماس للاكثرية في المجلس التشريعي ولاقامة حكومة من رجالها. انقلاب دمقراطي جاء كهدية من السماء للمحتل الاسرائيلي ولسندهم الامريكي لتشويه النضال الفلسطيني وتبرئة ذمة الاحتلال وان الصراع هو ضد الارهاب الفلسطيني وحكومة حماس الارهابية!
* تحديات مؤتمر فتح السادس
ما يميز حركة فتح انها تنظيم اشبه ما يكون "بالسوبر ماركيت" الفكري – السياسي والتنظيمي، فهذه الحركة لا تلتزم ولا تبنى على اساس هوية فكرية ايديولوجية محددة، فهي خليط عجيب غريب من ميولات انتمائية متعددة، البعض يميل الى اليسار السياسي الماركسي الى حد ما، البعض من قوى محافظة عواطفها قريبة من حركة الاخوان المسلمين، قوى ليبرالية وقومية شوفينية، اوساط دينية واخرى علمانية، يوحد فيما بينها الحق الفلسطيني المغتصب واهمية انجاز حق التحرر القومي الوطني بالدولة والقدس والعودة. يتوحد وصول الهدف وتبرز الاختلافات في وجهات النظر عند تحديد حدود الحق الفلسطيني ووسائل تحقيق هذا الهدف. وبسبب هذا الخليط في البقية السياسية الهيكلية وغياب نظام تنظيمي صارم وآليات انضباطية ناجعة، خاصة في ظروف التشتت الفلسطيني ومواطن وجوده المختلفة فقد عانت فتح من عدة انقسامات بخروج قادة ومجموعات منها، كما عانت من التسيب التنظيمي وفوضى "حارة كل ايدو الو" كما في مسرحية غوار. وعقد مؤتمر بعد عشرين سنة يعكس الحالة التنظيمية السياسية الهشة لحركة فتح. وبالرغم من ذلك فاننا نرى من الاهمية الكبيرة من حيث المدلول السياسي لعقد مؤتمر فتح السادس ونجاحه، خاصة وانه يعقد في مرحلة مصيرية بالنسبة لحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني وطابع هويته المرتقبة، وخاصة مواجهة التحديات الكبيرة التي يتوقف عليها اتجاه بوصلة تطور القضية الفلسطينية. وبرأينا ان مؤتمر فتح السادس يواجه ثلاثة تحديات اساسية، لطابع الموقف منها اسقاطاته وتأثيراته على مجمل الكفاح الفلسطيني من اجل التحرر والاستقلال الوطني. ويمكن ايجاز هذه التحديات بما يلي:
* اولا، اعادة ترتيب البيت التنظيمي والسياسي لحركة فتح كمقدمة تساهم في اعادة ترتيب البيت الفلسطيني الكفاحي فاعادة ترتيب البيت الفتحاوي تنظيما يعني حل الخلافات الداخلية بشكل دمقراطي وانتخاب هيئات قديرة ومخلصة وعلى قدر المسؤولية في مواجهة تحديات المرحلة الحالية مع آليات تنظيمية تصون الوحدة الانضباطية في الموقف. وسياسيا، صياغة برنامج كفاحي واضح المعالم دون تأتأة او مغمغة في الموقف من القضايا الجوهرية، موقف يتمسك بالثوابت الاساسية للحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، الدولة في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، اطلاق جميع الاسرى السياسيين من غياهب سجون الاحتلال الاسرائيلي. وتعزيز الحركة بدماء جديدة من الشباب المناضل والكفؤ من الضفة والقطاع والشتات.
* ثانيا: انتهاء حالة الانقسام المأساوي في الضفة الفلسطيني، خاصة بين فتح وحماس، وبين جناحي الوطن، بين الضفة والقطاع وترتكب حماس المهيمنة على السلطة في القطاع بانقلاب على الشرعية الفلسطينية جريمة حمقاء اذا منعت مندوبي فتح من التوجه الى الضفة الغربة للمشاركة في مؤتمر الحركة. فذريعة واهية يا حماس الانتقام من فتح بادعاء ان السلطة الفلسطينية في رام الله تعتقل المئات من رجال حماس في الضفة الغربية. ومصيبة هي الانتقام المتبادل بالرد على منع مشاركة مندوبي فتح من القطاع باعتقال قيادات من حماس في الضفة الغربية. فهذه الممارسات تدفن الامل باعادة اللحمة الى وحدة الصف الوطني والاقليمي الفلسطيني وتجعل الحوار الفلسطيني – الفلسطيني في خبر كان ولا يستفيد من وراء كل ذلك سوى المحتل الاسرائيلي. ان واجب كل من يعز عليه الحق الوطني الفلسطيني ان يمد باع المساعدة لوقف التدهور الحاصل ويضغط على قيادة حماس بالتراجع عن عينها وحماقتها بالسماح لمندوبي فتح من القطاع المشاركة في المؤتمر وان توجه مكابس الضغط من مختلف الفصائل والتيارات الفلسطينية وانصار الحق الفلسطينية عربيا وعالميا لتجاوز مرحلة الانقسام واعادة اللحمة الى الوحدة الوطنية والى جناحي الوطن المستباح – ولقرارات مؤتمر فتح في هذا السياق اهميه كبيرة.
* ثالثا: ان يقر مؤتمر فتح بصريح العبارة انه لا رضوخ للضغوطات الامريكية والعربية "المعتدلة" التي تنشط في اطار محفظ تآمري للانتقاص من ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية ونسج حبال تسوية للانتحار الذاتي الفلسطيني بقيام كيان هش ممزق الاوصال اشبه ما يكون بمحمية استعمارية اسرائيلية يطلق عليه تضليلا اسم "دولة فلسطينية" منقوصة السيادة على القدس الشرقية وضواحيها، على اكثر من نصف مساحة الضفة الغربية اضافة الى التنكر المطلق لحق العودة. ليقل مؤتمر فتح لادارة اوباما والمحتل الاسرائيلي "خيطوا بغير هذه المسلة" ولا سلام اقليمي شامل في المنطقة الا اذا كان مبنيا على العدل وضمان حق الشعوب وفي مقدمتها دولة فلسطينية مستقلة في حدود السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وحق العودة ونأمل لمؤتمر فتح الارتقاء الى مستوى المتطلبات.
