مشاركة عمر عبد الرازق في برنامج ماهر شلبي الناجح "عالمكشوف" على شاشة التلفزيون الفلسطيني، ومن قبله محمد نزال من قيادات حركة حماس، ظاهرة تستحق التوقف والاحترام والمباهاة، فحضورهم ليس تلويناً أو لاستكمال الديكور، بل هو رؤية إعلامية تعكس قراراً سياسياً في الحفاظ على التعددية السياسية والفكرية في المجتمع والشارع الفلسطينيين.
مشاركة وإظهار قادة "حماس" على شاشة التلفزيون الفلسطيني، لا تقتصر دوافعها على الثقة بالنفس لدى صاحب القرار السياسي، وليست انفعالاً ديمقراطياً طارئاً لدى ياسر عبد ربه باعتباره مشرفاً على الإعلام الرسمي الفلسطيني، بل هي ثقافة وتقاليد ونهج تم اكتسابه من واقع الحياة والتجربة الدالة على أهمية تعميق مفاهيم التعددية والحفاظ عليها وتطويرها، لأنها سلاح قوي مجرب لدى الشعب الفلسطيني طوال الأربعين سنة الماضية التي قادت فيها حركة فتح، وياسر عرفات بالذات، منظمة التحرير ومؤسساتها، وحافظ عليها محمود عباس واحترمها وسعى لتطويرها، فسلم بنتائج الانتخابات البرلمانية العام 2006، وكلف "حماس" تشكيل الحكومة قبل انقلابها العسكري على السلطة وعلى الشرعية وتفردها الحزبي بإدارة قطاع غزة على غير وجه حق.
منظمة التحرير، مؤسسة تعددية ديمقراطية، في مجلسها الوطني ومجلسها المركزي ولجنتها التنفيذية، وكذلك حكومتها، حكومة سلام فياض التي تقوم على التعددية الحزبية وقاعدة الشراكة، وهذا سر نجاحها ومفتاح قوتها، وهذا ما يجب الحفاظ عليه وتطويره لتكون منظمة التحرير عن حق ودراية مؤسسة ائتلافية واسعة الشراكة مبنية على قاعدة متينة من التحالف، وتمثل القاعدة العريضة من التعددية الحزبية والسياسية الحية من بين صفوف الفلسطينيين، ويجب أن ينعكس ذلك على حكومة سلام فياض لتكون انعكاساً للتحالف السياسي الذي يقود منظمة التحرير وأداتها التنفيذية على الأرض، ورافعة الشعب في تقديم الخدمات وبناء مؤسسات الدولة المنشودة، في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، وفي مواجهة الانقلاب الحمساوي الحزبي المنفرد.
إظهار ومشاركة قادة "حماس" في النقاش الوطني على شاشة التلفزيون الفلسطيني، حق للشعب الفلسطيني كي يسمع ويرى قياداته ويدقق في مضامينها، فإذا كان مفيداً يجب الاستفادة منه، وإذا كان ضاراً يجب تعريته وكشفه بالوسائل والأساليب العصرية الديمقراطية، فحماس فصيل فلسطيني قائم وموجود ويعبر عن التيار الأصولي لدى الفلسطينيين، وهو امتداد لحركة الإخوان المسلمين الأصولية العابرة للحدود، ولذلك لن يتغير، لا سياسياً ولا فكرياً، بل ما يجب الرهان عليه هو الشعب الفلسطيني نفسه التواق للمعرفة كما هو تواق للحرية، ولذلك يجب تغذية روح التعددية الخلاقة لدى الفلسطينيين بفتح كافة النوافذ السياسية والإعلامية والفكرية حتى يجيد الاختيار لدى عملية الحسم والاختيار في صناديق الاقتراع، فقد عاقب الشعب الفلسطيني حركة فتح في انتخابات 2006 وانحازت أغلبيته لصالح "حماس"، ولا شك أن قراره في الانتخابات المقبلة سيعكس وعيه وخبرته وتجربته، وهذا ما يجب أن يتم في الانتخابات البرلمانية والانتخابات البلدية للمجالس المحلية المقبلة.
ما قام به التلفزيون الفلسطيني باستضافة قادة "حماس"، يجب أن يتكرر ويتواصل، ويجب إبراز التحدي في مواجهة إعلام حركة حماس الحزبي المقتصر على شيوخهم وأتباعهم الذين يبثون السموم والأحقاد ضد منظمة التحرير وسلطتها الوطنية وقياداتها، وذلك لإظهار الفرق الجوهري بين أداء وسلوك السلطة الوطنية كمؤسسة ائتلافية تعددية ديمقراطية، وبين سلطة الانقلاب الحزبية الأحادية الضيقة، هذا هو الفرق، وهذا ما يجب الانحياز له والانتصار به، وذاك ما يجب هزيمته وعزله أمام الرأي العام الفلسطيني وبإرادته ووعيه.
