داء السّلطة وواجب الشعب!

single

*عن جريمة عرقلة تقرير غولدستون والتخريب على تعزيز أثر استخلاصاته سياسيًا، عن تُجار السياسة في سلطتين تحت الاحتلال، وعن خطورة اللحظة الفلسطينية الراهنة*

جريمة عرقلة تقرير غولدستون، وبالتالي التخريب على تعزيز أثر استخلاصاته سياسيًا، كشفت خطورة اللحظة الفلسطينية الراهنة. فسواء أكان القرار "فرديًا" اتخذه المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة، أم كان بمعرفة وتوجيه السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، علينا أن نمتلئ بالقلق والخوف. لأن الأمر يعني في الحالتين ترسّخ ثقافة الرّضوخ المشين والخطير للضغط الأمريكي-الاسرائيلي في الصفوف الفلسطينية الرسمية. وهو رضوخ أقدم عليه من يـُفترض أنهم – ويا للعبث -  ورثة الراحل ياسر عرفات. هذا الذي اجترح عبرة في معنى رفض الرضوخ، وتحمّل مسؤوليته والاستعداد لدفع الثمن حتى لو بلغ حدّ الموت. ولنتذكر مسيرة صموده منذ كامب ديفيد 2000 مرورًا بعدوان "السور الواقي" ومحاصرته في المقاطعة، وحتى وفاته/اغتياله المحتمل. لا يُقال هذا بكائيًا، بل تأشيرًا على نموذج يُحتذى، ي هذا السياق.
يجب الحذر في استخدام المفاهيم بصيغها المبتذلة. مثل ذلك الاستسهال في إلصاق تهمة العمالة جزافًا. مع هذا، يجب التعاطي بحزم وجرأة مع الوضع الفلسطيني الرسمي الراهن الذي باتت تلتقي فيه مصالح أطراف عدة على موائد لئيمة وقذرة. فعندما يتحوّل إلتقاء المصالح الى سمة طاغية، فلا يستغربنّ أحد إن تزايد عدد الاصابع المتّهمة الموجّهة نحو المقاطعة، وإن بات مجرّد ذكر أبو مازن وأعوانه يستجلب الشتيمة! 
لقد نشرت صحف ووسائل اعلام اسرائيلية معلومات يجدر التوقف عندها. هناك روايات اسرائيلية عن ابتزاز مارسته جهات اسرائيلية لجهات فلسطينية، مفادها أن الاصرار الفلسطيني على دفع التقرير قدمًا، سيُقابل بكشف تسجيلات لـ "رموز" في السلطة الفلسطينية دعمت وحثّت على مواصلة العدوان الاسرائيلي الوحشي على غزة مطلع العام الجاري. وأخرى تحدثت عن مقايضات مالية ضخمة يستفيد منها بعض المرتبطين بالسلطة الفلسطينية أو "أقربائهم".. طبعًا، من حق المرء التشكيك في تلك الروايات، ولكن من واجبه أيضًا التساؤل المتشكك: لماذا لم تلق ردًا من جهة المتهمين؟ لماذا ملأوا أفواههم بالماء ولا يزالون؟!
بما أنني صحفي "فقير" بالمعلومات المستقاة من أجهزة المخابرات على أنواعها، وبالتالي بوسائل فحصها (وكلي فخرٌ بهذا الفقر!)، فيتوجب عليّ عدم السلوك كببغاء يردد روايات اسرائيل. بل انني قد اقفز الى الطرف الآخر محاولا التفكير بمنطق نظرية المؤامرة. أي أن هناك مؤامرة اسرائيلية لإذكاء نار العداء وانعدام الثقة في صفوف شعبي. ولكن، لا يمكن حتى لهذا أن يغيّب مسائل أساسية ومنطقية تنشأ حين تتراكم المصالح الضيقة لدى قوم ممارسي السلطة ومتوارثيها.
فقد نشأ وضع يتمتع فيه عدد غير قليل من "رموز" السلطة الفلسطينية في رام الله بمصالح وامتيازات خاصة لا يتمتع بها المقموع الفلسطيني في مخيم جنين وبلاطة وبلدة سلفيت وبلعين والظاهرية. مثلا، هؤلاء الأوائل يحملون بطاقات VIP من جهاز الاحتلال، تمكنهم من التنقل بسهولة في الضفة الغربية المحتلة بل حتى الاستجمام على شواطئ تل أبيب.. كذلك، فإنهم يحظون بمكانة دبلوماسية في أعين الامريكان والانجليز وسائر "المجتمع الدولي الرسميّ" المنافق. فتراهم يتبخترون في اللقاءات والاجتماعات والمباحثات الرسمية الفارغة وكأنهم أسياد لكيان سياديّ. هنا، من الطبيعي ان تتطور لديهم مصالح مختلفة عن مصالح ابناء المخيم مثلا. والجميع يعرف انه من الصعب على بعض البشر التنازل عن ترف الامتيازات، إلا اذا كان "الرمز" يشبه ابو عمار، مثلا! وبما انه من الصعب على "رموز" السلطة الحاليين السير على خطى ابو عمار (وإلا لكانوا الآن زملاء للبطل مروان البرغوثي في السجن!)، فمن الواضح ان لديهم ما يخسرونه، وما يجاهدون على عدم خسارته، حتى بثمن تمرير صفقات وضيعة تهدّد مصالح الشعب العليا.
هناك واقع يجب تسميته باسمه البشع؛ هناك التقاء للمصالح بين جهاز الاحتلال الاسرائيلي وبين بعض ممّن يُفترض انهم يمثلون نضال الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال. لأن الاحتكاك المتواصل بين ممثلي الاحتلال وبين ممثلي ضحاياه، بفعل الايمان الغيبي والغبي بأن "الحياة مفاوضات"، كما وصفه الزميل الفلسطيني خالد الحروب، يخلق شبكة مصالح لا تصطاد مكاسب وطنية ولو بحجم سمكة سردين، لكنها تنجح في اقتناص فوائد مصلحية خاصة بالطبقة المخملية السلطوية الفلسطينية. ولنتذكر منها "رموز" بيع الاسمنت لبناء جدار الضم! و"رموز" شراء موجات البث الفضائية من اسرائيل! و "رموز" فرض النظام في غزة بتمويل أمريكي وتوجيه من "المايسترو" الجنرال الأمريكي دايتون! ولنتذكر الوضاعة التي يتحدث بها بعض اولئك "الرموز" الذين يتقنون العبرية مع أيّ "شرشة/ شقفة/ خِلقة" صحفي اسرائيلي منفوخ، وكأنهم رعايا لسيادته! ولنتذكر في الوقت نفسه صرخة ابو عمار في وجه صحفية امريكية تطاولت عليه، بقوله: "تذكري يا ستّ انك تتحدثين مع الجنرال عرفات"، فهدّأت من روع صفاقتها المستعلية وتروّت. ولنتذكر ما قاله لرئيس الـ سي آي إيه في عهد بيل كلينتون بأن يحاذر في الكلام معه وأن يتأدّب! أهؤلاء المتزلفون الرخويّون الراهنون هم مكملو درب ذاك البطل، (مهما اختلفتَ معه)؟ يا للعار!
نحن اليوم في ازاء "رموز" يذدنبون، بفعل الترف المريح ووهم الزعامة ودافع الحفاظ على امتيازاتهم الشخصية، الى درجة فقدان الشعور بوجدان وهمّ وألم وأمل الفلسطيني "العادي" في جنين وسلفيت وبلعين وجباليا والشاطئ وعين الحلوة وشاتيلا والوحدات واليرموك والناصرة وسخنين وأم الفحم وحيفا.. أمامنا ينشأ نظام عربيّ آخر من النوع المعهود والمقيت. لا نحتاج لأكثر من فرك البصر وحكّ البصيرة حتى نرى فداحة الحالة: في رام الله مؤسسات سلطة لو تمعّنتَ في حالتها وأجندتها وسير أمورها ومجرى حياتها، لاستعصى عليك الفهم بأن هذه المؤسسات هي زُبدة قيادة مناهضة الاحتلال، وتقع في منطقة تحت الاحتلال على مبعدة دقائق من مخيمات القهر واللجوء، وساعات قليلة عن القطاع المحاصَر المجوّع الذي يُعامَل كـ غيتو في عهد النازية الألمانية، وساعات أطول بقليل عن بقاع التهجير.
وحتى تكتمل الصورة، وحتى يتّسع المنظور:
لا يعني هذا أن "رموز" سلطة حماس في غزة هم البديل. لا. إنهم النموذج الآخذ بالتطوّر الحثيث على خطى سلطة المصالح والامتيازات في رام الله، وإن اختلفت الطريقة. صحيح أنه لا تزال في حماس مكامنٌ لمقاومة مجيدة، لكن عقلية ذوي السلطة من المتنفذين فيها هي كعقلية كل ذوي السلطة. وهؤلاء، كنظرائهم في سلطة رام الله، يرقصون معًا رقصة موت؛ بل رقصة إماتة لقضية فلسطين وشعب فلسطين، من خلال تكريس الانقسام.
لقد كنا، حتى قبل فترة وجيزة، نقول إن عارهم جميعًا في الانقسام الذي يفرضونه معًا على قضية شعبنا، على قضيّتنا، ولكن سماكة جلودهم تجعل المرء يقول إنهم لا يشعرون بأي عار! بل إنهم هانئون مُنعمون بهذا الانقسام الذي لا يكشف الا وضاعة جميع المتواطئين المدمنين على السلطة ومناعمها. وقبل أن يتنطّح هواة المراهقة السياسية دفاعًا عن سلطة حماس يجب تذكيرهم بالتالي: كيف تسمّون من رفض "أوسلو" بتسويغات تخوينيّة تمامًا على امتداد سنين لكنه انخرط في انتخابات تحت سقف أوسلو – سقف ما يرفضه مبدئيًا – الى ان فاز بسلطة تحت الاحتلال، فراح يدافع عن التمسك بها بالحديد والنار حتى لو كان في صدور ابناء شعبه؟ هل تكفي كلمة الانتهازية لوصفه؟!
إن كل من يروح الآن في درب التقسيمات الثنائية بين سلطتي الفساد السياسي هاتين، في رام الله وفي غزة، إنما يعلن أنه منتسب وضالع بالتمام والكمال في مشروع الانقسام الفلسطيني – المشروع الأكثر فائدة للاحتلال الاسرائيلي. ومن ينسجم في مشروع يشكل ربحا صافيًا 100% للاحتلال الاسرائيلي فهو يخاطر بنفسه بالوقوع في وحل التواطؤ!
قبل أيام نشر موقع يمثل حركة "الجهاد الاسلامي" تحليلا مفاده ان اسرائيل معنية بالابقاء على قوة حماس وسيطرتها بغية تكريس الانقسام. هذه نقطة جديرة بالتفكير. فمن غير المعقول ان نرقص نحن الفلسطينيين على نشاز أنغام التخطيط التآمري الاسرائيلي لإبقاء قضية فلسطين على هذا الحال المنقسم المؤلم القاتل.
إن سلوك سلطة ابو مازن المشين في قضية تقرير غولدستون، يستوجب مطالبة الرئيس الفلسطيني ومستشاريه واعوانه بالتنحّي الفوري. هذا هو أقلّ المطلوب. وهذا ما يطالب الوجدان الفلسطيني بأن تقوله بجرأة جميع الجهات السياسية الفلسطينية غير الموبوءة بفيروس التمسك بالسلطة ومصالحها تحت سقف الاحتلال. هذا ما يجب ان يطالب به ويرفعه بأعلى صوت اليسار الفلسطيني، وجميع غير الملوثين بالسلطة من مناضلي فتح وحماس نفسيهما خصوصًا، بل أولا، وهؤلاء كثرٌ. وهذا هو المتوقع أيضًا من الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة هنا، فمهما اشتدت لهجة النقد التي لا تفضي الى استنتاج، ستظل خاوية.
لا يمكن للفرز الأفقي ما بين سلطة فتح وسلطة حماس أن يؤدي الى شيء. الفرز الوحيد الممكن والقادر على اخراجنا من هذا الوحل السياسي القذر، هو الفرز العمودي، أي التقاء المناضلين المحصنين من موبقات وقذارة السلطة والتسلط والمصالح المترتبة عليها، في جميع الفصائل الفلسطينية، وأولها كوادر وقواعد فتح وحماس. فالاحتلال لم ينته، واللجوء لا يزال يخنق الملايين منا، والقهر والقتل والقمع والاذلال لا يزال يمسّ كرامات كل شعب فلسطين.. وهذه القضية الفلسطينية العادلة المشرّفة ليست بورصة! فليكفّ ممتهنو السلطة عنها شرّ أسهمهم القاتلة! فليغرب عن وجه هذا الشعب كلّ من يقتصر اهتمامه على كرسي وثير لمؤخرته السلطوية. هذه هي الخطوة الاولى الواجبة لاستعادة النفس الوطني المناضل المقاوم الواعد. هذا هو الطريق لاستعادة وزن ووقع وأثر منظمة التحرير الفلسطينية. هذا هو السبيل لاعادة لملمة التضامن الاممي من شعوب العالم مع قضية شعبنا التحررية العادلة.
إن دحر تجار السياسة الناطقين والفاعلين باسم قضية شعب لا يزال يمزقه الاحتلال والتهجير والقمع، هو واجب الساعة الفلسطينية. فجريمة إرجاء تجسيد تقرير غولدستون سياسيًا، لم يكن سوى مؤشر فاضح على استشراء الداء السلطويّ التفريطي المتأصّل. وهو داء لا يزال يتفشى بجريرة المستفيدين من الاحتلال والمتعاونين معه في سلطة رام الله، ومعهم المراهنون على فوائد ومصالح لا تختلف في وضاعتها، في سلطة غزة. وفي خاتمة المطاف هما شريكان كاملان في الجريمة الأكبر، جريمة تقسيم طاقات شعبنا النضالية المقاومة لأجل مصالح فئوية.
إن هذه القضية الفلسطينية العادلة تستحق قيادات أرقى وأكبر وأشمّ من جميع المتاجرين بالسياسة، سواء عبر التعاون اللامباشر مع جهاز الاحتلال الاسرائيلي، أو عبر المراهنة على الانقسام في سلطة نالوها تحت سقف سياسي يزعمون رفضه. إنّ من حق شعب فلسطين أن يستعيد الامساك بزمام أمور قضيته. والأهم: إن هذا هو واجبه الملحّ في هذه الفترة القاتمة. ولا شكّ أن الاجيال الفلسطينية الرائعة التي خلقت الثورة الفسطينية، والمقاومة المنيرة، والانتفاضتين الباسلتين، سوف تستعيد أنفاسها وسوف تنعش أنفاسنا لتنظّف ساحة شعبنا من الاحتلال والتهجير والقمع والاذلال، وكذلك من تجّار السياسة المارقين جميعًا. فلا يوجد لدى شعبنا سلاح أقوى من الأمل ومن "الحربة المعنوية الفلسطينية". وهذه الحربة لن تسقط أبدًا، مهما تكدّرت الحال وساءت الأحوال.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارب المَمْعـوط

featured

واشنطن مع الاحتلال ضد الأسرى!

featured

لماذا كان الفشل حصيلة صراعنا، على مدى خمسين عاما، مع الاحتلال الاسرائيلي؟ (4-4)

featured

أمريكا وعملاؤهاأعداء فلسطين وشعبها!

featured

عاد غولدستون الى اصله الصهيوني !

featured

لإخراس نعيق براك العدواني

featured

اليمين المتطرّف وظاهرة "راجح"