جرائم الاحتلال يومية لم تتوقف قبل وبعد “أوسلو”! الصورة: مستوطنون قطعوا مئات أشجار الزيتون في أراضي قرية مخماس، نيسان الماضي (عدسة: بهاء نصر/وفا)
كان اﻹسراع في دخول القيادة الفتحاوية لمنظمة التحرير الى اﻷراضي المحتلة وتشكيل السلطة الفلسطينية، قبل أن يتحرر شبر من اﻷرض تقف عليه نابعا، الى جانب اﻷسباب الواردة أعلاه، من الوهم القاتل بأن خلق جهاز دولة كاف لفرض الدولة، كأمر واقع، على الطرف اﻵخر. تسجّل حنان عشراوي حوارا لها مع عرفات حدّثها فيه عن تصوّره لمسار أوسلو بعد توقيع إعلان المبادئ باﻷحرف اﻷولى، قائلا:" ستبدأ الدولة الفلسطينية من غزة - أريحا، ومن هناك سأفاوض اﻹسرائيليين في إنهاء احتلال بقية المناطق الفلسطينية. كوني واثقة.. سيكون لنا سريعا مفتاح هاتف دولي، وطابع بريد، وقناة تلفزيون. سيكون هذا بداية الدولة الفلسطينية". (منقول من كتاب د. غسان الخطيب سالف الذكر، ص 120).
غني عن القول بأن هذا الوهم يتعارض بشكل صارخ مع جميع تجارب التاريخ التي تؤكد أن اﻷمر الواقع يفرضه القوي على الضعيف وليس العكس، وهو ما أكدته من جديد التجربة الفلسطينية ذاتها. فمن الجانب الواحد، جاء اجتياح شارون بدباباته عام 2002 لمناطق السلطة وتدمير كل ما بنته، حتى حينه، هذه السلطة في هذا المجال؛ ومن الجانب اﻵخر، توسع اﻹستيطان بلا توقف الى حدّ تجاوز فيه عدد المستوطنين في الضفة والقدس العربية المحتلتين، حتى الآن، الستمائة ألف مستوطن.. لقد جاء هذا وذاك ليدحضا هذا الوهم القاتل.
من جانب آخر، فإن قيام هذه السلطة في ظل اﻹحتلال كان ربحا صافيا لهذا اﻹحتلال. فقد أعفاه من مسؤولياته، بموجب القانون الدولي، تجاه الشعب الواقع تحت سيطرته، في مختلف مجاﻻت الحياة المدنية، من صحة وتعليم وشؤون اجتماعية وغيرها. فقد تحوّلت جميع هذه المسؤوليات، بنفقاتها، الى عاتق السلطة الفلسطينية؛ وهكذا، غدونا نتسوّل من العالم لصالح اﻹحتلال اﻹسرائيلي، الذي أصبح احتلالا مجانيا!؛ وهي حالة ربما ﻻ مثيل لها في التاريخ المعاصر.
وﻻ يتوقف "الربح" اﻹسرائيلي في الحدود اﻹقتصادية والمالية، بل ويشمل الجانب اﻷمني والسياسي. فإذا كانت إسرائيل قد تنصّلت من جميع التزاماتها بموجب اتفاقات أوسلو تجاه الطرف الفلسطيني، وبخاصة منذ العام 2002، فإن السلطة الفلسطينية تواصل اﻹلتزام بكل ما عليها بموجب هذه اﻹتفاقات وفي مقدمتها التنسيق اﻷمني الخطير، الذي هو بمثابة إسهام في حراسة اﻹحتلال، وهذا برهان إضافي على أن اﻷمر الواقع يفرضه القوي على الضعيف، وليس العكس. وهكذا،غدا التنسيق اﻷمني "مقدسا!"، ببساطة ﻷنه غدا شرط المموّلين لمواصلة الدعم المالي للسلطة. وهذا ليس القيد الوحيد المفروض ثمنا لفاتورة آخر الشهر. فالسلطة الفلسطينية ﻻ تجرؤ على التوجه لمحكمة الجنايات الدولية لملاحقة حكام إسرائيل على جرائمهم التي ﻻ تتوقف يوما واحدا ضد الشعب الفلسطيني، وآخر مثال على ذلك حين أضرب اسرانا لاكثر من اربعين يوما في سبيل تحسين شروط سجنهم القاسية والمنافية للقوانين الدولية؛ ناهيك عن عدم متابعة هذه السلطة لقرار محكمة العدل الدولية لعام2004 ضد جدار الفصل العنصري واﻹستيطان ولتقرير غولدستون حول جرائم إسرائيل ضد قطاع غزة، وغيرها وغيرها. إن هذا الوضع المؤلم يقلب المعادلة رأسا على عقب. فقد تقدّم هدف ضمان فاتورة آخر الشهر لتأمين رواتب الجهاز البيروقراطي، الذي جرى بناؤه قبل اﻹستقلال، ليغدو هو الهدف اﻷول في حسابات السلطة، متقدما على هدف التحرر من اﻹحتلال، وبهذا حلّت المهادنة محل المواجهة مع اﻹحتلال.
لكن تفضيل الحفاظ على الجهاز البيروقراطي وتمويله، على قضية تحرير الوطن من اﻹحتلال، يفرض التزامات أخرى، من وجهة نظر الممولين الدوليين، تمسّ أبواب صرف موازنة هذا الجهاز، فالتنسيق اﻷمني، هو السبب اﻷول في أن حصة اﻷمن، في موازنة السلطة الفلسطينية لها أكثر من ثلاثين بالمئة من هذه الموازنة؛ بينما نصيب اﻷرض (الزراعة)، التي هي جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية منذ أكثر من قرن، ﻻ تحظى في موازنة السلطة حتى بواحد في المئة، ناهيك عن غياب مشاريع استصلاح أراض جديدة وزراعتها لتشكل عقبة في وجه عملية اﻹستيلاء على اﻷرض وبناء المستوطنات الكولونيالية فوقها.
وإذا كان صمود سكان اﻷراضي المحتلة يمثل خط الدفاع اﻹستراتيجي اﻷخير في وجه مخططات المحتلين اﻹسرائيليين لضم الضفة الغربية والقدس العربية المحتلة، فإن تجاهل قضية توزيع أعباء المعركة لتعزيز صمود السواد اﻷعظم من سكان المناطق، يكشف عنه تزايد الفوارق اﻹجتماعية عما كانت عليه قبل مجيء السلطة؛ كما يكشف عنه نشوء طبقة من أثرياء اﻹحتلال، وبخاصة من رموز البيروقراطية المدنية والعسكرية، حيث تتحدى ثرواتهم المنتفخة، وقصورهم الفارهة وبذخهم الصارخ، مشاعر الجماهير الفقيرة والمسحوقة، والتي لوﻻ صمودها في أرض الوطن لكان اﻹحتلال قام بضم الضفة والقدس العربية منذ البداية، دون مقاومة تذكر.
إن التراجع المتواصل في سياسة السلطة تجاه قضية اﻹحتلال مكّن اﻷخير أن يلعب في الساحة الداخلية الفلسطينية دون رادع، الى حدّ النجاح في شق وحدة الشعب والقضية. فبعد أن سحق اﻹنتفاضة الثانية بقوة السلاح، أقدم في العام 2005 على اﻹنسحاب، وفق خطة مرسومة، من قطاع غزة، الذي لم يكن ضمّه هدفا للاسرائيليين لكثافته السكانية العالية وضيق مساحته. وفي العام 2006 سمح هذا اﻹحتلال بإجراء انتخابات في الضفة والقطاع، وهو يقدّر بشكل واقعي مقدار تآكل سلطة فتح ﻻعتبارين رئيسيين: اﻷول أنها لم تحقق أي انجاز يذكر على طريق تحرير اﻷرض من اﻹحتلال؛ والثاني المستوى الذي بلغه الفساد والصراع داخل فتح على المغانم والمراكز، مما جعل الرهان على خسارة فتح لتلك اﻹنتخابات رهانا واقعيا؛ وهذا ما كان. لكن لم تكن خسارة فتح في اﻹنتخابات هي الهدف الذي سعى اليه اﻹحتلال، وإنما تفجير الساحة الفلسطينية وشقها من داخلها.
فإذا كانت فتح، من جانبها، قد ارتضت لعبة اﻹنتخابات، لتضفي شرعية على احتكارها للسلطة، فإنها حين خسرت هذه اﻹنتخابات عام 2006 لصالح حماس، لم تكن مستعدة لتسليم مفاتيح السلطة الحقيقية للأخيرة، وبخاصة السيطرة على اﻷجهزة اﻷمنية، وهذا ما فتح الطريق أمام انقلاب حماس في العام التالي، 2007، وكان هذا انجازا استراتيجيا من الدرجة اﻷولى للاحتلال. ومنذئذ، تلجأ إسرائيل للتهديد المكشوف إذا ما جرى الحديث عن استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وإذا كانت إسرائيل قد شنت ثلاثة حروب على قطاع غزة، منذ اغتصبت حماس السلطة في هذا القطاع عام 2007، فإن هذه الحروب لم تستهدف مطلقا إسقاط سلطة حماس، وانما مجرد إضعافها وإبقائها في مستوى محدد من القوة يكفي ﻻستمرار اﻹنفصال.
ومنذ انقلاب حماس في القطاع عام 2007، نشأت في الجانبين، الفتحاوي والحمساوي، شرائح اجتماعية لها مصلحة في بقاء هذا اﻹنقسام وتعمّقه. وهكذا، يقوم في كل من الضفة والقطاع احتكار للسلطة، مصحوب بتهميش للقوى السياسية اﻷخرى. وفي هذه اﻷجواء يتزايد في الموقعين إحساس المواطنين بأنهم أصبحوا يعانون من نير مزدوج، نير اﻹحتلال اﻹسرائيلي وسلطة فتح أو حماس.
**رهانات سلطة فتح بعد خمسين عاما من اﻹحتلال
رحل عرفات شهيدا، ضحية للاحتلال؛ ولكن بإسهام من ذاتياته ونرجسيته في تقرير هذه النهاية المأساوية. أما خليفته عباس، فقد دشن عهده بإعلان الكفاح المسلح ضد اﻹحتلال إرهابا، والتعهد بمنع انتفاضة جديدة ضد هذا اﻹحتلال. وبالمقابل :التمسك بالتنسيق اﻷمني مع اﻹحتلال باعتباره مقدسا!؛ والرهان على المفاوضات الثنائية بالرعاية اﻷميركية، كبديل عن كل أشكال النضال، الى حدّ أن أحد معاونيه الرئيسيين، صائب عريقات، طرّز كتابا بأكمله تحت عنوان: "الحياة مفاوضات"!؛ علما بأن أية مفاوضات غير مدعومة بنضال مؤثر على اﻷرض، هي مجرد استجداء من العدو. لقد راهنت سلطة فتح،ﻷكثر من عقدين من الزمن، على هذا النوع من المفاوضات، وكانت النتيجة ربحا صافيا للاحتلال الذي عزز وجوده في الضفة والقدس العربية تعزيزا خطيرا، بمصادرة المزيد اﻷرض واﻹستيطان فوقها.
ولما كان الرهان على المفاوضات مقرونا بكبح نضال الشعب ضد اﻹحتلال، ومع حالة اﻹنقسام، فقد انعكس هذا في تراجع ملحوظ في مستوى التضامن العربي والدولي مع قضيتنا العادلة. فالذي يحرّك التضامن هو النضال الذي يمثل الصوت المدوي لعدالة قضيتنا، وهذا ما تأكد خلال مختلف مراحل نضال شعبنا ضد اﻹحتلال. ولم يكن صدفة أن بلغ هذا التضامن ذروته أيام اﻹنتفاضة اﻷولى، التي مثلت أوسع مشاركة لشعبنا في المعركة ضد اﻹحتلال.
ومنذ سنوات طويلة، راح هذا الرهان الواهم يتجدد مع مجيء رئيس أميركي جديد أو انتخابات إسرائيلية دورية. واليوم، يتركز الرهان على الرئيس اﻷميركي الجديد "ترامب"، مع تجاهل لكل تصريحاته خلال معركة انتخابات الرئاسة اﻷميركية وما بعدها، وخلال زيارته للمنطقة التي تجاهل فيها مجرد ذكر القضية الفلسطينية، وكلها تشير الى أنه حالة متطورة عن جميع من سبقه من الرؤساء اﻷميركيين في دعم إسرائيل. وحاليا، يتبلور رهان قيادة السلطة الفلسطينية الفتحاوية على عقد لقاء ثلاثي، يجمع كلا من نتنياهو وعباس برعاية ترامب، بأمل إطلاق جولة جديدة من مفاوضات ثنائية برعاية أميركية، بدون أية شروط وﻻ حتى إيقاف زحف اﻹستيطان المدان بإجماع المجتمع الدولي، كما تجسد مجددا في قرار مجلس اﻷمن اﻷخير 2334. ولن تكون أية جولة جديدة، من هذا القبيل،إﻻّ تكرارا للدوران في الحلقة المفرغة التي لم تفرّخ إﻻ خيبات اﻷمل، مع إيهام العالم بأن هناك عملية سلام تأخذ طريقها، لتخدير التضامن مع قضيتنا العادلة.
وعلى كل حال، ﻻ داعي للذهاب بعيدا، ﻹدراك نتائج الرهان على المفاوضات الثنائية بالرعاية اﻷميركية المتحيزة؛ فأمامنا تجربة مصر، أكبر وأقوى دولة عربية. فحين ارتضت مصر - السادات التسوية والصلح المنفرد مع إسرائيل بالرعاية اﻷميركية، لم تستعد سيناء حرة، بل أسيرة على نحو ﻻ تستطيع الدولة المصرية، اليوم، إدخال رصاصة الى سيناء، للتصدّي للعصابات اﻹرهابية، إﻻّ بموافقة إسرائيلية. فإذا كان هذا حال مصر، فما عسى أن تحقق القيادة الفلسطينية الفتحاوية من تجدد مفاوضات ثنائية بالرعاية اﻷميركية، في أجواء تكبيل نضال الشعب الفلسطيني ضد اﻹحتلال واﻹنقسام الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى تخلّي النظام العربي الرسمي عن التضامن مع القضية الفلسطينية، وتحوّل السعودية نحو السعي للتحالف الرسمي والعلني مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية؟!
إن ما يعني الراعي اﻷمريكي، اليوم، كما بدا جليا في زيارة ترامب للمنطقة، هو السعي لتشكيل تحالف إسرائيلي - "سني" بقيادة السعودية، في المنطقة، موجه ضد إيران؛ على أن تبدأ خطواته بالتطبيع بين إسرائيل والدول "السنية" المعنية، قبل تسوية القضية الفلسطينية، على أساس قرارات الشرعية الدولية، ما يعني تكثيف المساعي لتصفية القضية الفلسطينية وإزاحتها عن طريق عملية إقامة هذا التحالف.
أما نتنياهو، من جانبه، فقد سبق له أن التزم، يومين قبل اﻹقتراع على انتخابات الكنيست اﻷخيرة، عام 2014، أن دولة فلسطينية لن تقوم طالما هو رئيس لوزراء إسرائيل؛ وحينها، لقي هذا اﻹلتزام تجاوبا من الناخب اليهودي الذي زاد من دعمه لحزب نتنياهو. واليوم، تعمد نتنياهو أن يعلن أمام ترامب خلال زيارة اﻷخير ﻹسرائيل قائلا: "إن اﻷمن في هذا البلد - يعني أن الحق في استعمال القوة المسلحة من البحر المتوسط والى نهر اﻷردن - سيبقى حصرا في أيدي إسرائيل"، ويعقب الصحافي اﻹسرائيلي المعروف، أوري أفنيري على هذا القول، بأن هذه الكلمات البسيطة تعني احتلالا أبديا، وتقزيما للكيان الفلسطيني الى مجرد معازل (من المقال اﻷسبوعي ﻷوري أفنيري، 27/5/2017). هذا، وستكون قيادة السلطة الفتحاوية واهمة إذا اعتقدت أن ترامب سيعترض على مثل هذا "الحل".
حقا، ظهر في اﻵونة اﻷخيرة تباين معيّن بين حكام إسرائيل وواشنطن بخصوص النزاع اﻹسرائيلي - الفلسطيني؛ إذ بينما يندفع حكام إسرائيل الحاليين الذين يمثلون أقصى التطرف اليميني، نحو ضم الضفة الغربية أو أقسام أساسية منها الى دولة إسرائيل، بخاصة بعد أن قطعت عملية اﻹستيطان الكولونيالي فيها شوطا بعيدا، جنبا الى جنب مع التطوير الجاري لنظام اﻷبارتهايد، على سكان الضفة والقدس العريبة المحتلتين؛ فإن واشنطن من جانبها، بغض النظر عن ساكن البيت اﻷبيض، ترى أن الرهان على فرض نظام اﻷبارتهايد دعامة لهذا الضم، محفوف بالمخاطر، وﻻ يمكن اﻹعتماد على رسوخه طويلا، وبخاصة في القرن الحادي والعشرين حيث يتنامى باطراد دور وتأثير الرأي العام العالمي، المعادي لمثل هذا النظام؛ وتجربة جنوب إفريقيا، في هذا المجال، ماثلة للعيان. وحين ينهار نظام اﻷبارتهايد سيغدو من غير السهل إعادة فصل المجتمعين الفلسطيني واﻹسرائيلي عن بعضهما، بعد أن وحدهما الضم. وحينها، ستفرض الدولة الديموقراطية أو الثنائية القومية نفسها كأمر واقع. ويومها، فإن واشنطن، بنتيجة هذه المغامرة بضم اﻷراضي الفلسطينية، ستفقد إسرائيل الصهيونية، التي تتولّى حراسة المصالح اﻷميركية في المنطقة، في وقت تزداد فيه حاجة الوﻻيات المتحدة اليها بمقدار ما تتراجع قوة اﻷخيرة، النسبية والمطلقة، إقليميا وعالميا. ومعلوم، في هذا السياق، أن المليارات التي تدفعها واشنطن ﻹسرائيل سنويا، هي مقابل هذه الخدمات، وعلى قاعدة تجارية بحتة: مبالغ وحماية في اﻷمم المتحدة وتسليح مقابل خدمات محددة.
كان أكثر من تحدث بوضوح حول هذه المسألة، هو جون كيري، وزير الخارجية اﻷميركي السابق، في آخر خطاب سياسي له حول الشرق اﻷوسط، حيث حذر اﻹسرائيليين من أنهم يقدمون على اﻹنتحار، وتعمّد أن يشير، في هذا السياق الى التساوي الديموغرافي بين الفلسطينيين واليهود اﻹسرائيليين، بين النهر والبحر. وذلك في مجال التحذير من احتماﻻت الدولة الديموقراطية أو الثنائية القومية، والتأكيد على ضرورة اﻹنفصال بدل الضم.
وإذا كانت واشنطن تتحفظ على ضم الضفة الغربية الى إسرائيل، فهذا ﻻ يعني وﻻ بحال أنها مع المطالب الفلسطينية المشروعة والمدعومة بالشرعية الدولية. كل ما يعنيها الحفاظ على انفصال المجتمعين الفلسطيني واﻹسرائيلي اليهودي عن بعضهما البعض، وعدم السماح باندماجهما، حرصا على يهودية إسرائيل، التي بدون هذه اليهودية لن تستطيع مواصلة دورها الفعال في خدمة المصالح والمخططات اﻷميركية في المنطقة والعالم، والدليل القاطع على ذلك أن واشنطن كانت تعبّر عن معارضة لفظية لعمليات اﻹستيطان الصهيوني في اﻷراضي الفلسطينية، بينما تتصدى بالفيتو لكل محاولة ﻷدانة هذا اﻹستيطان، أو إدانة الاحتلال وجرائمه المتصاعدة ضد السكان الفلسطينيين. وإذا كانت إدارة أوباما، في أواخر ايامها، قد امتنعت عن التصويت في مجلس اﻷمن، مما أتاح إدانة عملية اﻹستيطان المتفاقمة في اﻷراضي الفلسطينية المحتلة، فلم يكن ذلك أكثر من تحذير من واشنطن من مشروع ضم الضفة الغربية، الذي لم يعد حكام إسرائيل يتحفظون في الحديث العلني عنه.
لكن لهاث القيادة الفتحاوية وراء هذا الوهم المتجدد وبعد تجارب فاشلة على مدى أكثرمن عقدين، إنما هو تعبير صارخ عن إفلاس هذه القيادة، التي ترفض بعناد العودة الى طريق المواجهة مع اﻹحتلال وتأمين مطلبات هذه المواجهة وأولها استعادة الوحدة الوطنية، وإطلاق طاقات شعبنا المكبوتة في المعركة مع اﻹحتلال، وإيقاف كل أشكال التنسيق والتعاون مع اﻹحتلال، بخاصة وهو يتنكر ﻹلتزاماته بموجب اﻹتفاقات الموقعة.
وعلى كل حال، فإفلاس القيادة الفتحاوية، التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1968، ﻻ يعني وﻻ بحال، موت القضية الوطنية الفلسطينية، وﻻ تغييب الشعب الفلسطيني عن الخريطة. والدليل القاطع على ذلك، أن افلاس قيادة الحاج أمين الحسيني من قبلها، الذي ترافق مع تدمير المجتمع الفلسطيني، وطمس متعمد حتى ﻹسم فلسطين الى حد كاد هذا اﻹسم يختفي، وتنبؤ علماء اﻹجتماع اﻹسرائيليين، حينها، بأن القضية الفلسطينية سيطويها النسيان اﻷبدي مع رحيل جيل النكبة.. برغم كل هذا، نهض هذا الشعب من تحت الرماد وتكاثر كالفطر؛ واليوم، يلعلع صوته من أروقة اﻷمم المتحدة وحتى داخل إسرائيل ذاتها، كما ترفرف أعلامه في كل مكان. إن صمود هذا الشعب فوق أرض وطنه يمثل عقبة كأداء تعترض مخططات حكام إسرائيل ﻻبتلاع بقية اﻷرض الفلسطينية، وذلك الى أن تفرز التطورات العاصفة في المنطقة نظاما عربيا جديدا، يلتزم بمسؤولياته القومية تجاه القضية الفلسطينية والتصدي الفاعل، مع المشاركة النشطة من الشعب الفلسطيني، لمشاريع إسرائيل الصهيونية، التي لم تنحصر يوما ضد الشعب الفلسطيني وقضيته.
والمفارقة المؤلمة أن يأتي هذا اﻹفلاس السياسي للقيادة الفلسطينية الفتحاوية في وقت تتسارع فيه التطورات على الصعيدين اﻹقليمي والدولي، مبشرة بموازين جديدة للقوى، ليست لصالح إسرائيل والرجعية العربية في المنطقة، كما ليست لصالح الوﻻيات المتحدة على النطاق العالمي. فقلعة الرجعية العربية، السعودية، يتراجع نفوذها في المنطقة بشكل مرئي للعين، في سورية والعراق ولبنان وغيرها، بل وحتى داخل "مجلس التعاون الخليجي"، حيث تنفجر الخلافات الى العلن وتتصاعد بينها وبين منافستها قطر؛ بينما تتحاشى كل من عُمان والكويت الوقوف الى صفها في هذا النزاع وفي عدائها الموتورﻹيران، وتغرق في تراب اليمن الذي يتصدى ببسالة لعدوانها الظالم. أما مدخراتها المالية، فتتبخر بسرعة، نتيجة اﻹنفاق المتهور على المؤامرات في المنطقة وعلى حربها العدوانية على اليمن، ومن اﻹبتزاز اﻷميركي المفرط، ثمنا لمجرد دعم واشنطن لحكم عائلة آل سعود، كما بدا خلال زيارة ترامب، مؤخرا، للسعودية. ومقابل هذا اﻹهدار المجنون لثروات البلد، يتحوّل حكام السعودية الى الهجوم على معيشة الشعب السعودي، بإلغاء الدعم الحكومي لعدد من الخدمات والسلع اﻷساسية، وفرض ضرائب جديدة، ﻷول مرة، على المواطن السعودي، لسدّ العجز المتفاقم في موازنة الدولة.
بينما، على الصعيد الدولي، تتفاقم أزمات الوﻻيات المتحدة، من أزمة إقتصادية، الى أزمة حكم، الى أزمة علاقات مع حلفائها، وغيرها من اﻷزمات. وإذا كانت الوﻻيات المتحدة قد بادرت، منذ سبعينات القرن الماضي الى فرض العولمة الرأسمالية وملمحها اﻷساسي فتح أبواب الدول مشرعة، لحركة رأس المال والسلع، دون قيود، فإنها تنقلب، اليوم، نحو الحمائية، في وجه اﻹقتصادات الناشئة، وبخاصة الصيني. في الوقت ذاته، تتردى علاقاتها بحلفائها وأبرز مظاهرها مع اﻷوروبيين. وقد انعكس هذا بجلاء، مؤخرا، بفشل قمة السبعة الكبار واجتماع قادة الناتو في إيطاليا، أواخر أيار المنصرم، واعلان ترامب اﻹنسحاب من اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، وإصراره على إلزام اﻷوروبيين بزيادة مساهمتهم في ميزانية حلف الناتو. وقد جاءت تصريحات مستشارة المانيا - قاطرة اﻹتحاد اﻷوروبي - "ميركل"، لتعكس هذه اﻷزمات مع واشنطن بقولها: "اﻵن هو الوقت لتأخذ أوروبا مصيرها بأيديها"؛ بينما ردّ ترامب بالقول:"سياسة اﻷلمان سيئة وسيئة للغاية". وغني عن القول، أن أقواﻻ كهذه لم تصدر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. على صعيد آخر، وكمعيار على مدى تراجع قوة الوﻻيات المتحدة وهيبتها الدوليين، كان ترامب، عقب دخوله البيت اﻷبيض، قد أطلق التهديدات ضد كوريا الشمالية؛ لكن حين رد عليه حكام اﻷخيرة بالتحدي، تراجع، وعبّر عن ترحيبه بلقاء زعيمها، معتبرا ذلك شرفا له!.
إن النتائج المتوقعة لمجموعة هذه التغيرات، على النطاقين اﻹقليمي والدولي، تصبّ في صالح القضية الفلسطينية، وتبشر بمناخ جديد لصالح هذه القضية وحلفائها، وضد اﻻحتلال وسياسة العدوان والتوسع اﻹسرائيلية، وضد الوﻻيات المتحدة، التي دعّمت وتدعّم سياسات العدوان والتوسع اﻹسرائلية على مدى عشرات السنين.
**
إن أي استعراض، اليوم، لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، تحت قيادة فتح منذ العام 1968، كاف ليبرهن أن سلوكيات وميول وقدرات هذه القيادة ما كان لها أن تؤدي الى تحقيق اﻷهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، من تحرير اﻷرض من رجس اﻹحتلال وتحقيق اﻹستقلال الوطني. وإذا كانت، اليوم، رغم إفلاسها السياسي، ما تزال تمسك بزمام السلطة وتحتكرها، فذلك يعود لسيطرتها على سلاح المال وفقط، بعد أن لم يعد بقاؤها حاجة وطنية.
لكن المفارقة المثيرة، أن بقاء سلطة فتح في الضفة وسلطة حماس في القطاع، ليس فقط غدا مشكلة، بل إن حلّهما، بدوره، أصبح مشكلة، لما يعنيه ذلك من إلقاء أكثر من مئتي ألف موظف في جهاز السلطتين الى الشارع. عدا ذلك، فاحتكار فتح للسلطة وسيطرتها على سلاح المال، على مدى عقود، في مجتمع يعيش تحت اﻹحتلال، أدى الى أفلاس الطبقة السياسية في المجتمع الفلسطيني، بمختلف تلاوينها يمينا ويسارا؛ وكأنها - أي فتح - أرادت بذلك إصابة هذا المجتمع بالعقم السياسي والقيادي لعرقلة وﻻدة البديل. لكن الشعب الفلسطيني، الذي تضاعف، منذ النكبة وبرغم منها برغم برغم برغم برغم برغم برغم برغم برغم برغم، ﻻ أقل من عشر مرات، والذي أنجب أولئك اﻷطفال الذين يندفعون فرادا لمهاجمة الجندي أو المستوطن اﻹسرائيلي، بسكين أو مقص، مع اﻹدراك بدفع حياته ثمنا.. هذا الشعب كفيل بإنجاب البديل للقيادة والطبقة السياسية المفلسة، وبخاصة مع تطور المناخ اﻹقليمي والدولي، لصالح قضيتنا العادلة، والذي ترتسم معالمه، من اﻷن في اﻷفق.
(إنتهى)
