قيل ورُدَّد كثيراً أن الذاكرة الشعبية قصيرة. وعلى بداهتها، مقولة كهذه وككل مقولة شمولية، تستحضر أحياناً ما ينفيها من التجارب والأحداث وأحياناً ما يؤكدها ويذكِّر بصحتها.
فالسؤال ما إذا حدث انكسار مفصلي منذ أحداث العام 2000 في العلاقات بين العرب واليهود والدولة الإسرائيلية هو من باب الأسئلة التي تستدعي قراءة لتاريخ هذه العلاقة وما اعتراها من أحداث وصفت في حينه على أنها انكسارات مفصليه إحداثياتها وقعت على مثلث الأضلاع ذاته العرب/اليهود/الدولة.
فخطورة الفعل الرسمي الإسرائيلي كما تجلى في أحداث أكتوبر عام 2000 لا تتميز بالجوهر عن توأمه السالف في أحداث يوم الأرض من العام 76، كذلك مسلسل التصريحات العنصرية المتمادية والمتبارزة فيما بينها، كما نطق بها مسؤولون أمنيون أو وزراء أو رجال دين يهود في السنوات الأخيرة، لا تتعدى كونها نصالاً مسمومة، سلت من ذات الجعبة، فقبل أن نوصف بالأفاعي كنا صراصير في زجاجة وقبل أن نبتز باستعراض ولائنا للدولة اليهودية كنا سرطاناً في هذه الدولة، ولن استرسل، فالذاكرة فياضة إن استنشطت، ولكم أن تجربوا ذلك.
أما الإسهال الحاصل لدى المشرِّع الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، وما يفرزه من ما يسمى بقوانين تستهدف المس بنا، نحن المواطنين العرب في هذه الدولة، سبقته كما أشرت في مقالات سابقة، تشريعات مست بوجودنا بشكل خطير ويكفي أن نتذكر قانون العودة، قانون الجنسية، قانون أملاك الغائبين، قانون الإرهاب، وغيرها.
وعليه بنظري ما يحدث منذ العام 2000 وما زال يتفاعل اليوم هو استمرار لما بدأ منذ اليوم الأول للإعلان عن هذه الدولة باختلاف طرق التعبير على الساحتين العربية واليهودية، الشعبية والرسمية على حد سواء. غير أن هذا التفاعل كان وما زال عنوانه مكانة الأقلية العربية في دولة إسرائيل لا سيما مستقبل هذه الأقلية وعلاقتها بالدولة.
من الواضح أن هذه المسألة كان يجب أن تعني الدولة أولاً ومجتمع الأكثرية فيها، ومن الواضح أيضاً أن الدولة تعاملت مع هذه المسألة بعنصريه لم تتغير البتة وهذا على مستوى الممارسة، أما الأخطر فهو المفهوم السائد غير المفصح عنه والمؤدي إلى عدم استساغة وقبول وجودنا كأقلية قومية بقيت على أرضها/وطنها.
لم يكن صعباً علينا أن نشخص قبوع هذا المفهوم في الذهنية الإسرائيلية الحاكمة والمتعاقبة، ولم يكن صعباً علينا، لأننا فهمنا دائماً حقيقة ومبتغى ما ترمي إليه الذهنية والسياسة الإسرائيلية الرسمية تجاهنا، أن نحدد بشكل حكيم وعاقل ووطني سليم أدوات تعاطينا مع هذه المخاطر الحقيقية، لذلك استطعنا أن نصمد ما يقرب العقدين في وجه الحكم العسكري الغاشم وما واكبه وتلاه من ممارسات عنصرية (هل تتذكرون ذلك وأين اليوم منا تلك الأيام!).
أما الأهم فيما أنجز، علاوة على نجاحنا ببقائنا على أرضنا/وطننا، فهو إفشال سياسة العدمية القومية وتثبيت حقيقة كوننا أقلية قومية. اليوم وبعد هذه الإنجازات تواجهنا المخاطر الوجودية ذاتها مما استدعى ويستدعي وقفات إزاءها لنتدارس كيف علينا مواجهتها.
القيادة العربية استشعرت هذه المتغيرات وتدارستها خلال سنوات خلت وأفرزت بعضاً من "الأوراق" مثل وثيقة حيفا ووثيقة "التصورات المستقبلية" وغيرها.
باعتقادي، وعلى أهمية ما كتب في هذه الوثائق، على تباين المواقف بينها، يمكنني القول أنها لم تف بما أنيط بها من أهداف وتبقى أهميتها منحصرة على صعيد المفهوم الإعلاني فقط، دون أن يرافق هذا أي تأثير شعبي/جماهيري، فهي أصلاً لم تعد لتكون أوراقاً للجماهير العريضة التي لم تسأل ولم تستفتَ حولها، هكذا يبدو لي!.
لا اختلف مع ما جاء في هذه الأوراق من تعريفات تاريخية، فيما يخص الرواية والحقيقة وكذلك المواقف القانونية والدستورية الواردة فيها (مع بعض التحفظات هنا وهناك) ولكن باعتقادي أن هذا لا يكفي، فالقضية اليوم لا أن نبرهن أن الأرض تدور، بل كيف نضمن أن يعيش غاليليو، وبهذا المعنى على معدي هذه الأوراق أن يستكملوها بأخرى تتحدث وبشكل عملي وتعطي كل مواطن بسيط جواباً على سؤاله المصيري كيف لي أن اضمن ولأبنائي من بعدي استمرار العيش على أرضي بحرية وكرامة وسلام؟.
وللإجابة على هذا التساؤل والسؤال الأساسي والملح يومياً باعتقادي انه يتوجب علينا أن نستهدف ساحة الأكثرية اليهودية وعلى كل من يؤمن بأهمية هذا العامل أن يعمل ليضع تصوراته حول كيفية وجوب العمل على هذه الساحة (هذا إضافة لكل وسائل النضال الأخرى).
البعض سيعتبر أن ما كتبته هو من باب البديهيات والبعض سيسأل حول دور التيار القومي من جهة والتيار الإسلامي من جهة أخرى وهما موضوعان أساسيان يستوجبان التطرق إليهما ولكن ليس من باب موقف الأكثرية اليهودية تجاههما، فأسلمة المجتمع العربي المحلي وتديين السياسة والصراع مع إسرائيل يهمانني كفرد في هذا المجتمع وأي قيم أحلم أن تسود به.
أما عما يمكن لفكر قومي عربي بمفهومه الملتبس العام أن يأخذ حيزاً فعلياً وعملياً في إطار دولة إسرائيل فهذه مسألة أخرى يجب ملامستها وهذا ما سأفعله في مقال يخص هاتين المسألتين.
قيادات تلك العقود عملت ونجحت لأنها حددت وسائل المقاومة وآليات عملها النضالية وفقاً لمكان تواجدنا وزماننا. تماماً كما استوجب المكان والزمان في حينه شهادة غاليليو، بطل فرد باسم الحقيقة والمعرفة.
وبعد أن أصبحنا، بنضالنا الحكيم والصائب، غاليليو العصر، على قياداتنا أن تكون على قدر المسؤولية وجسامتها لننال ما نستحقه من حياة ومستقبل فالحقيقة والحق واضحان وثمن انتصارهما المستحق قدمه قبل مئات السنين غاليليو، وليبقى حكام إسرائيل وحلفائها متنكرين لما تعلمناه نحن من التاريخ.
