يستخلص تشومسكي أن أوباما وافق على "رؤية بوش"، لذا تشير كل الدلائل إلى انه حتى لو انتهى "النمو الطبيعي للمستوطنات" فان النزعة الرفضية الأمريكية - الإسرائيلية ستستمر وتواصل عرقلة الإجماع الدولي
عندما قال اوباما كلمتي "الدولة الفلسطينية" كان يردد عبارة بوش. وعلى النقيض فان حكومة نتنياهو كانت أعلنت عام 1999 عن خطتها التي لم تتغير القائلة برفض "دولة عربية غربي نهر الأردن"
نشرت "المستقبل العربي" في عدد آذار / مارس الجاري ترجمة مقال كتبه تشومسكي في حزيران / يونيو 2009 بعنوان "نقطة تحول"متسائلا إن كان ثمة تحول في عهد اوباما تجاه الشرق الاوسط؟.
ولأن المقال يلقي الضوء على استراتيجية الرئيس الامريكي تجاه الصراع العربي - الصهيوني، ويعري تماما الممارسات الصهيونية في الضفة والقطاع المحتلين، ويفضح خطورة ما يرسم لحاضر ومستقبل الشعب العربي الفلسطيني. ولأنه شهادة مفكر امريكي مرموق معروف بمواقفه الانسانية، وغير مصنف كمعاد لاسرائيل او "يهودي كاره نفسه" حسب المصطلح الصهيوني لاصحاب الضمائر الحية من اليهود، ولان الامة العربية على موعد مع قمة تعتبر فارقة في نظر غالبية المحللين السياسيين، رأيت أن اقتطف بعض ما تضمنه المقال.
يقول تشومسكي: عندما قال اوباما كلمتي "الدولة الفلسطينية" كان يردد عبارة بوش. وعلى النقيض فان حكومة الليكود بزعامة نتنياهو كانت قد اعلنت عام 1999 عن خطتها التي لم تتغير القائلة بـ "الرفض الصريح لاقامة دولة عربية - فلسطينية غرب نهر الاردن " مع ان اول من استخدم عبارة "دولة فلسطينية " كانت حكومة نتنياهو عام 1996. فقد وافقت على ان بامكان الفلسطينيين تسمية الاجزاء المتبقية لهم من فلسطين بـ "دولة" إذا كانوا يرغبون في ذلك او يسمونها " دجاجا مقليا ".
ويمضي تشومسكي موضحا: "إن الخطط التي تنفذ الآن مخصصة لابقاء اسرائيل مسيطرة على معظم الاراضي الباهظة الثمن في الضفة الغربية، وزج الفلسطينيين في معازل غير قابلة للحياة، مفصولة جميعا عن القدس، المركز التقليدي للحياة الفلسطينية. كما ان "جدار الفصل " يؤسس لسيطرة اسرائيلية على طبقة المياه الجوفية للضفة الغربية، ومن ثم فان اسرائيل ستكون قادرة على الاستمرار في ضمان ان يحصل الفلسطينيون على ربع ما يستهلكه الاسرائيليون من مياه، وفق ما افاد البنك الدولي في نيسان / ابريل (2009). وفي بعض الحالات اقل من الحد الادنى من المستويات الموصى بها. وفي الجزء الاخير من فلسطين، وهو غزة، يتولى القصف الاسرائيلي، والحصار القاسي، التقليل من الاستهلاك الى حد بعيد. فيما يواصل اوباما جميع هذه البرامج، حتى إنه دعا الى زيادة كبيرة في المساعدات العسكرية لاسرائيل خلال السنوات العشر القادمة، وبشكل لم يسبق له مثيل. ويبدو إذن أن الفلسطينيين يمكن ان يكون لهم "الدجاج المقلي" لكن لا شيء اكثر من ذلك.
وحول العدوان على قطاع غزة يقول: إن اسرائيل لا تمتلك اية ذريعة يمكن تصديقها عن سبب شنها للهجوم على غزة في كانون أول / ديسمبر (2008) بدعم من الولايات المتحدة، واستخدام غير قانوني للاسلحة الامريكية، وهي تؤكد للراي العام العالمي العكس مدعية انها كانت تقوم بذلك دفاعا عن النفس. وهذا ما لا يمكن تحمله ابدا في ضوء رفض اسرائيل الصريح للوسائل السلمية التي كانت متوفرة بسهولة. وهذا الى جانب ان حصار اسرائيل لغزة هو عمل حربي بحد ذاته، في الوقت الذي تعترف فيه بقوة إنها تشن حروبا كبرى بسبب القيود الجزئية المفروضة عليها وتمنعها من الوصول الى العالم الخارجي.
وبعد كشفه أن غاية الحصار الاسرائيلي البحري في مياه غزة الاقليمية انما هو السطو على حقول الغاز الطبيعي المكتشفة فيها، وقتل الصناعة السمكية لمواطني القطاع، يضيف قائلا: إن فرض القيود على الحركة التي تستخدم لتدمير غزة مفروضة في الضفة الغربية أيضا، وتلحق اضرارا كبرى في حياة الناس واقتصادهم. لقد أصدر البنك الدولي تقريرا يقول فيه "إن اسرائيل اقامت نظام اغلاق معقدا يمنع وصول الفلسطينيين الى معظم مناطق الضفة الغربية. والاقتصاد الفلسطيني ما زال راكدا بسبب الانهيار الحاد في غزة واستمرار فرض القيود الاسرائيلية على التجارة والحركة في الضفة الغربية ". وقد ذكر تقرير البنك الدولي أن "اغلاق اسرائيل للطرق واقامتها لحواجز التفتيش يمنع حركة التجارة والسفر، ويفرض القيود على حركة البناء الفلسطيني في الضفة الغربية، بينما تسيطر على الوضع حكومة محمود عباس المدعومة من الغرب ".
ويلاحظ تشومسكي ان كل ذلك يؤسس لما يسميه الناشط الاسرائيلي جيف هالبر مناخا للمراقبة، يهدف الى اخضاع السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال. وذلك استمرارا لما اوصى به وزير الدفاع الاسبق موشيه دايان زملاءه، بعد فترة وجيزة من وقوع حرب 1967، بانه يجب على الاسرائيليين ان يقولوا للفلسطينيين في الاراضي المحتلة انه "ليس لدينا حل. يجب عليكم ان تواصلوا العيش كالكلاب، ومن يرغب في المغادرة فليغادر، وسنرى الى اين ستقود هذه العملية ".
ويستخلص تشومسكي أن أوباما قبل "رؤية بوش، وأنه على ما يبدو فان موضوع المستوطنات سينتقل من الخفاء الى العلن. وأن ما أصبح قائما على الارض يكفي للتأكيد انه لم يعد من وجود لحق تقرير مصير الفلسطينيين. من هنا فان كل الدلائل تشير الى انه حتى لو انتهى "النمو الطبيعي للمستوطنات "، وهذا افتراض غير مرجح، فان النزعة الرفضية الامريكية - الاسرائيلية ستستمر، معرقلة الاجماع الدولي، كما كان الحال من قبل.
وألاحظ ان تشومسكي كتب مقاله قَبلَ تسعة شهور من الزوبعة التي ثارت حول اعلان بناء 1600 وحدة سكنية اثناء وجود جو بايدين في القدس المحتلة، ما يعني عدم صحة ما قيل عن صفقة بين اوباما واللوبي الصهيوني، ضمن فيها تمرير مشروعه للضمان الصحي في الكونجرس لقاء ابتلاع ما وصف بانه "اهانة" وجهت لنائبه بالاعلان عن البناء الاستيطاني في وجوده. وان عدم وقوع التحول في سياسة اوباما تجاه الصراع العربي - الصهيوني ليس إلا دلالة على ان الرئيس الامريكي، أيا كان حزبه، أو أصله ولونه، ملتزم بما يخدم مصالح المركب الصناعي - العسكري، الأشد تأثيرا في صناعة القرارات الامريكية، والذي يعتبر اسرائيل احدى ادواته في خدمة مصالحه الكونية.
والسؤال الاخير: هل تأخذ القمة في حسبانها ما أوضحه تشومسكي من التزام اوباما باستراتيجية تمكين اسرائيل من السيطرة على المنطقة، فتعمد الى تصويب المسار الرسمي العربي، أم أنها ستعيد انتاج ما اعتادته برغم غياب البديل؟
* كاتب فلسطيني (القدس العربي)
