السرطان الطائفي (2): الطائفيّة وأحلام الكانتونات

single

كتبتُ في ختام المقالة السابقة عن هذا الموضوع (14.8) ما يلي: "يجب مواجهة مشاريع التقسيم والتفتيت بشراسة، تلك التي ينخرط فيها "أصدقاء الامبريالية" وتلك التي يضطلع بها أيضًا من يسمّون أنفسهم "أعداء الامبريالية" ولكن من دون أدلة. فالطائفيون يلوّثون كافة الخنادق، ويجب محاربتهم في كل الخنادق!
هناك من استغرب الادّعاء بوجود طائفيين يسمّون أنفسهم "أعداء الامبريالية". ولكن يبدو أن زعيم ما يسمى "تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية"، يوافقني الرأي.. هذا شيء مما صرّح به: "أقول لأمة الإسلام إن عدوكم الأول هم الصليبيون من الأمريكان وحلف شمال الأطلسي.. ثم يأتي من بعدهم الخطر القادم.. ألا وهم الروافض" والأخيرة هي التسمية التي تعتمدها القاعدة للشيعة. (مواقع سلفيّة، ايلول 2009). ولن أخوض الآن في مدى عداء "القاعدة" (الحقيقي!) للأمريكان والأطلسي..
مقابل هؤلاء (أو الى جانبهم - في سوريا مثلا) هناك طائفيّون مموَّلون ومسلّحون من الأمريكان و/أو أتباعهم النفطيين وغيرهم. أحد الأمثلة هو ما يسمى "كتيبة الفاروق" التي تنتحل مع آخرين إسم الثورة في سوريا. ففي جميع بياناتها المكتوبة (على قلّتها) والمصوّرة العديدة، فيما يشبه "لازمة" في نشيد قبيح واحد، يصفون الجيش السوري على أنه "جيش الاحتلال النصيري الشيعي". هكذا يتم اغتيال السياسة واستبدالها بحرب طوائف.
الجسمان المذكوران الناطقان بلغة طائفية مقزّزة، يجتمعان في خندق واحد، على الرغم من صداقة الأول المعلنة مع الامبريالية وعداء الثاني المزعوم لها. ولو توغّلنا في تاريخ الثاني قليلا، مجرّد سنوات، سنتذكّر أن مَن موّله أمس هم من يموّلون الأول اليوم. أقصد أيام أفغانستان، حين عملت المخابرات الأمريكية (سي آي إي) ونظام آل سعود على تأليف وتسليح وتمويل من عُرفوا بـ "المجاهدين" ضد الحكم المركزي الأفغاني وضد السوفييت.
في التفاتة سريعة ذات صلة، من المهم التوقّف عند بعض التصريحات الاسرائيلية الأخيرة. قبل أيام كاشفَنا الوزير موشيه يعلون أنه لا يخامره الشك في "أن المعركة في سوريا ستنتهي بأن الأسد لن يكون رئيس سوريا كلها، وهو لا يحكم اليوم في سوريا كلها". ولننتبه الى عبارة "سوريا كلّها" بمفهوم التفكير في نقيضها الذي يُسعِد المسؤول الاسرائيلي بالتأكيد: سوريا المفتّتة.
هذه العبارة الضمنيّة جاءت صريحة لدرجة الفظاظة على لسان ضابط في هيئة الأركان العامة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي قال لـ"فايننشال تايمز" مؤخرًا، طالبًا عدم ذكر اسمه: "لدينا انطباع بأنه يوجد احتمال جيد لنشوء كانتونات في سوريا، وإذا استمر الوضع بشكله الحالي فإنه سيكون هناك إقليم كردي في الشمال وأصبحنا نرى مؤشرات لذلك، وإقليم علوي في منطقة الساحل يشمل مدينتي طرطوس واللاذقية، وإقليم سني، وإقليم درزي في جبل الدروز".
حين يجاهر وزير اسرائيلي بثقته في أن سوريا في طريقها الى التفتّت، وعندما يتحدّث جنرال من خلف الكواليس العسكرية عن "انطباعه" بحدوث الأمر نفسه، وفي فترة زمنية واحدة، فيجب الاشتباه بأن هناك رواية رسمية واحدة، أو محاولة لتأليف سيناريو يخلق رواية يُراد لها أن تُعرف بعد حين بعنوان جديد: "سوريا سابقًا"، ربّما على نمط يوغوسلافيا سابقًا.
بالمناسبة، وعلى الرغم من أن الضابط المجهول أعلاه نفى أن يكون تقسيم سوريا مصلحة إسرائيلية، فيجب التذكير بالتالي، على سبيل المثال:
في أواخر السبعينيات، أدلى يغآل ألون بسلسلة مقابلات لمؤرّخ إسرائيلي شاب، ظلّت قيد السريّة ولم تسمح الرقابة العسكرية بالكشف عنها (جزئيًا) سوى قبل 5 سنوات. كان ألون شخصية مركزية في الحركة الصهيونية وفي مكمّلتها، المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة لاحقًا. تولى قيادة "هبلماح" (كتائب السّحق) وكان مرشحًا لتولي وزارة "الأمن"، وتولى عددًا من الوزارات أبرزها الخارجية. مما قاله ألون: "هناك اربع أقليات أشغلت أفكاري طيلة الوقت، حتى قبل ان أصبح وزيرًا للخارجية: الأكراد في العراق، الدروز في سوريا، المسيحيون في لبنان". وأضاف أنه كانت لديه خطة ضخمة "لمساعدة الدروز على إقامة دولة مستقلة تفصل بين سوريا وبين دولة اسرائيل... لقد كان هذا بمثابة جنوني الخاص". ولم يختلف الأمر بالنسبة للبنان وإقامة دولة طائفية مسيحية، حيث قال: "كانت نصيحتي (للحكومة) بأن نلقي على الموساد هذه المهمة مباشرة". واقترَح "إرسال بعثة دائمة من المستشارين للشؤون التكتيكية، المدفعية والاتصالات والتفجيرات لمساعدتهم على اقامة هيئة عمليات وتدريبهم". (من مقالة سابقة كتبتُها بعنوان "عـن الطائفـيـة وأسـرار يغـآل ألــون!"، تشرين الأول 2007).
نظريات وممارسات التقسيم الطائفي الاسرائيلية هي بعمر دولة اسرائيل وأكبر. الصحافي الاسرائيلي الجريء غدعون ليفي ("هآرتس" قبل أيام) أشار اليها في سياق قريب مسميًا إياها بـ"الفظاظة الإسرائيلية القديمة السيئة"، إذ أشار: "في لبنان أردنا ذات مرة انشاء دولة درزية وأردنا بعد ذلك ان نتوج المسيحيين ملوكا".
هنا بالضبط يلتقي الطائفيون (بمن فيهم مَن سرقوا ثورة الشعب السوري العادلة، المشروعة، ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة الوطنيّتين والشخصيتين) مع تلك "الفظاظة الاسرائيلية القديمة"؛ تلتقي مصالحهم معًا وكذلك مع مصالح أنظمة خليجية نفطية فاسدة، ومع مصالح عواصم غربية لا ترى من الشرق إلا نفطه وثرواته. أما من يصدّق ثرثراتها عن الحرية والديمقراطية فهو غبيّ لا أكثر.
هذه التفاصيل كلها ترتبط بالمصطلح المختلق الذي سبق الاشارة اليه، "الهلال الشيعي". فهو مهم لجميع أصحاب المصالح الملتقية أعلاه، لأنه يشكل المدخل الملوّث لحلم اسرائيل الرسمية وأصدقائها الحكّام النفطيّين بـ"الكانتونات الأربعة"، ولمرحلة "دولة الدويلات، سوريا سابقًا"، التي يشتهي أعداء شعوبنا العربية تحويلها الى مفردة واقعية! ذلك "الهلال" يريده هؤلاء جميعًا حربة في خاصرة الشعوب العربية جميعها لضرب مصالحها الحقيقية وتقطيع أوصالها.
الأكاديمي الفلسطيني جوزيف مسعد يرى أن هذا "الهلال" المختلق "لن يكون هلالاً شيعياً ولا معادياً لأميركا البتة، كما روجت وزعمت الدعاية الأميركية والسعودية وحلفاؤهما لردح من الزمن، بل هو الهلال الأميركي القديم نفسه، بزعامة الأنظمة الاستبدادية القديمة ومعهم جماعة الإخوان المسلمين الظافرة وأتباعها". إنه، كما قال: "المخطط الأميركي الذي يجري تنفيذه في المنطقة" على الرغم من أن "نجاحه يبقى عصياً وغير مضمون". والسؤال: ما هو دور التقدميين العرب كي يكون نجاح هذا المخطط فعلاً عصياً وغير مضمون؟ فالدماغ الكبير صاحب المخطّط الكبير لا يفرّق كثيرًا بين سوريا ولبنان ومصر والمغرب والبحرين. هذه كلها مناجم للثروات والطاقة ورقع جغرافية للهيمنة لا غير. القضية التي يُفترض أن تُشغل عقول وقلوب التقدميين هي: كيف نعيد الإرادة والسلطة والصلاحية للشعوب، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية، بعيدًا عن التقسيمات الطائفية، وبعيدًا عن الاستبداد. ما العمل، لا مكان للمواقف السهلة ولا المسطّحة ولا الضيّقة هنا. لأن القصة اكبر من معركة محددة في رقعة محدودة. هذه هي قضيتنا الجامعة الكبرى في هذه المنطقة، وليس من اليوم. هذه القضيّة سيتم التطرّق اليها بشكل أوسع في حلقات قادمة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

صائب عريقات يهزم الجزيرة

featured

لا تكبر، فالله أكبر

featured

هل أولياء الامور أولياء؟

featured

حروب بالأمر لتدمير سوريا والعراق واليمن وليبيا

featured

عن قانون "دولة يهودية"

featured

جيش الاحتلال: اللجوء إلى المعجزات التوراتية!

featured

التلفون – استعماله ذوق

featured

في فضح التبرير الايديولوجي لحلف الرجعية العربية مع الصهيونية والاستعمار