يحتضن هذا الكون في صفوفه من مشارق الدنيا الى مغاربها العديد من الانواع والالوان من بني البشر، وكل منهم ينشغل بعمل ما، اما يكون قد ورثه عن والديه، او انه استحدثه بنفسه، او انه قد طرق ابواب دور العلوم والمعاهد العليا بانواعها واختار له موضوعا معينا يختص فيه في حياته اليومية ويستفيد منه، او ربما يفيد الآخرين، ومنهم من يبدأ حياته بالبساطة والعمل المتواصل بشتى دروب الحياة، ذلك ليحصل على لقمة العيش الحرة، ومن ثم يتابع طريقه في الحياة بشكل تدريجي، دؤوبا مثابرا غير مكترث بمن حوله، مصمما على تحقيق الاهداف التي وضعها لنفسه من اجل العيش الكريم ولقمة العيش الحرة، وتراه ايضا متواضعا غير متكبر من منطلق القناعة الذاتية، او الايمان الاقوى، مذللا بذلك كل الصعوبات التي قد تعترض مسار حياته، هذا النوع من الرجال بدون ادنى شك لا يعرف الكبرياء ابدا، ويبقى قريبا من ذويه، من اصدقائه ومن عشيرته ومحيطه ولا يفرق بين نفسه وبين الآخرين اذا صح هذا التعبير حقا.
وفي ناحية اخرى ترى انسانا جادا مثابرا متابعا ومواكبا نهج الآباء والأجداد، ويعيش في طيف الماضي من منطلق الكبرياء والتكبر، وفي معاملاته مع الغير تستشف النوايا والكبرياء وربما الاستهزاء والاستهتار او الاستخفاف بالآخرين،رغم انه هو نفسه على قده وقد تطغى عليه افكاره، ويخطئ الظن كثيرا، وقد لا يلجأ الى الدراسة عن قرب للامور ومعرفة دقائقها كما يجب، تراه متعجرفا، متكبرا ينظر الى القوم من اعلى، ويتابع طريقه على هذا المنوال، ويوما بعد يوم يزداد غرورا بنفسه، ويقوده هذا الغرور الى امور يمكن الاستغناء عنها، الا ان كبرياءه لا تأذن له بالتراجع او محاسبة النفس والعودة الى الجذور، الى الحجم الطبيعي.
وفي هذه الحال يترتب على امثال هؤلاء التروي واخذ الامور كما هي والا ينسى انه انسان كباقي الناس، انسان لا يمكن ان يتميز عن غيره الا بانسانيته وبمدى احترامه لنفسه وللآخرين، كما عليه ان يعلم كل العلم ويتيقن كل اليقين، ويتمشى بموجب القول ( لا تكبر فالله اكبر)، والا فان كبرياءه ستقوده حتما الى الوحدة، الى الضعف والوهن، وربما الى الزوال الاجتماعي المحتوم عاجلا ام آجلا.
واذا اردنا ان ننظر الى ناحية اخرى في المجتمع لوجدنا بيننا الكثيرين من اصحاب المهن الحرة ممن حالفهم الحظ وتيسرت امورهم المادية والاقتصادية، وتغيرت احوالهم رأسا على عقب، فجأة تراهم قد نسوا من اين اتوا ومن هم حقيقة، يصولون ويجولون، يعيشيون على الضوضاء، على العجرفة والكبرياء، ويشعرون الناس البسطاء باحوالهم، وينمّوا عندهم نقمة فيما بعد لتعاليهم وغوغائهم دون رصيد اجتماعي معتمدين بذلك على كثرة مالهم واحوالهم الميسرة والتي في كثير من الاحياء قد تكون آنية.
لهؤلاء اقول ايضا (لا تكبر فالله اكبر) ومن نسي اصله في الامس ويعيش يومه وغده في العبث والتبذير بالثروة التي منحها الله اياها، ومن عليه الخالق بنعمته، وقد يروح بتفكيره الى ابعد ويظن انه هو الوحيد الذي يعيش في هذه الدنيا، ويتكبر على الناس ذلك في حديثه وفي تفوهاته ومعاملاته مع الآخرين، لهذا الصنف من الرجال اقول ايضا: مهلا ايها المرء انت مجرد واحد من المخلوقات ليس اكثر، يمكنك ان تتميز عن الآخرين بتعاملك وبتواضعك لا بكبريائك، لان الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر وان كان عليك فاصبر، نعم يجب الا تبطر لان في ذلك امورًا غير محمودة قد تنعكس عليك سلبيا.
ولا عجب اذا تعمقنا في نظراتنا في الحياة والمجتمع لوجدنا وبدون عناء امثلة لا حصر لها، في الكبرياء، والتواضع والانسانية والعصبية وليونة الجانب والتعامل الحقيقي، كما نرقب ايضا في مجالات عدة في العمل الجماهيري والمهني وفي الوظيفة العادية واية مهنة اخرى، نعم نرقب اناسا يدركون مدى مسؤوليتهم ولا يشعرون احدا بالكبرياء او بالتعالي فهؤلاء يستحقون التقدير والاحترام.
كما اننا وبدون عناء نرقب اناسا مغايرين لهؤلاء يقومون بتأدية واجباتهم في مهامهم المتنوعة بالكبرياء والعنجهية وبالوجه العبوس الذي ينم عن الاستهتار، والامثلة لا حصر لها ابدا، لاحظوا وانظروا بتروِّ تكتشفون الكثير الكثير...
وخلاصة القول ايها المرء مهما تقدمت ومهما تسنمت من مناصب، ومهما علت مراتبك وكثرت اموالك وتعددت مهامك الاجتماعية مثلا او الثقافية او العلمية او السياسية وربما غيرها ايضا، عليك الا تكبر على احد، والا تنسى انك انسان عادي، فالمنصب والوظيفة والمهمة لا يمكنها ان ترفع شأن المرء اذا هو لم يحسن اتقانها ويكون بعيدا عن التكبر حيث لا يكبر الا باخلاقه، باستقامته، بامانته وبنظرته الانسانية والصحيحة للغير دونما تكبر او عنجهية، لان الايام تدور ولا يبقى للمرء سوى طيب اعماله وحسن تصرفاته.
(أبو سنان)