ككل حروب إسرائيل على الشعب الفلسطيني، حملت حربها الثالثة اسماً توراتياً تلمودياً، "الجرف الصامد"، أو "الجرف الصلد" في محاولة من دولة الاحتلال لضمان التفاف كل اليهود أينما كانوا وراء هذه الحروب التي تخلط الدين بالحرب وكجزء من الحرب النفسية التي بحاجة إلى تأكيد انتصار مزعوم، طالما هذه الحروب ما هي إلاّ جزء من الوحي الإلهي التوراتي، نبوءة لانتصار يعتمد على النص بتفسيراته الحالية.
ومع أن ذلك كله لم يوفر لإسرائيل نصراً حاسماً في حروبها تلك، إلاّ أنها لا تزال تنتقي عبارات وأفكارا توراتية لحروبها على الشعب الفلسطيني، وربما لهذا السبب ادعى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عدم معرفته الدقيقة بكيفية اختيار الأسماء لحروب إسرائيل، بما في ذلك "الجرف الصامد" رغم أنه كان أول من أعلن عن هذا الاسم، عندما أعلنت إسرائيل نشوب حربها الثالثة على قطاع غزة. لكن "أدرعي" أشار إلى أن الأمر اقتضى ترجمة هذا الاسم بالإنجليزية إلى شيء مغاير تماماً، وهو اسم "الحافة الواقية" لم يقل أدرعي سبب ذلك، غير أن الأمر لا يخلو من محاولة إسرائيل للإشارة إلى أن حربها الثالثة على قطاع غزة، إنما هي حرب "دفاعية وقائية" وعلى الغالب أن ذلك بهدف الإيحاء بأن إسرائيل لم تبدأ الحرب، كما أنها مضطرة للدفاع، في محاولة لالتفاف الرأي العام الخارجي وراء حربها "الدفاعية الوقائية" تلك!!
غير أن التوراة والتلمود، وخلط الدين بالحرب، لا يتوقف عند أسماء الحروب، بل ان قوات الاحتلال تستمد أسفارها للاستعانة بنصوصها لتبرير اللجوء إلى أشد أنواع الإرهاب في المواجهة مع المقاومة الفلسطينية، قائد قوات "جفعاتي" في جيش الاحتلال العقيد عوفر فنتر، وفي أول رسالة موجهة إلى قواته مع بداية الحرب، أشار إلى أن هذه الحرب تقوم باسم "إله إسرائيل" وقال لاحقًا "يجب التأكيد مجدداً على أن أشد ما يحتاجه شعب إسرائيل هو أن يجلس أبناء التوراة ويتعلموا التوراة بالمزيد من القوة والشجاعة، ان تعلم التوراة يحمي شعب إسرائيل أكثر من أي شيء آخر". وأضاف فنتر انه دائماً ما يصلي قبل وبعد كل معركة رغم الإنهاك والتعب والرغبة الشديدة بالنوم.
بعد نشر رسالته ومقابلته في إحدى الصحف الدينية، ثارت ثائرة العديد من القوى اللادينية في إسرائيل، على أساس أن هناك "أقليات غير يهودية" وعلمانيين في الجيش الإسرائيلي، وان مثل هذه الرسالة إنما تؤدي إلى تفكك لدى قوات الاحتلال التي تواجه مقاومة فلسطينية متماسكة وموحدة، كما أن خلط الدين بالسياسة من قبل قادة جيش الاحتلال، يجعل من هؤلاء حاخامات أكثر منهم قادة ميدانيين، والاعتماد على المعجزات الدينية ليس له أساس في الحروب المعاصرة.. لكن هذه الانتقادات لم تثن فنتر عن الاصرار على رأيه والمضي قدماً في توجيهاته الحاخامية وهو يقود إرهابه في مواجهة مع المقاومة الفلسطينية.
مع ذلك، فإنه ليس هناك غرابة في مضمون رسالة فنتر التوراتية إلى جنوده، ذلك أن قادة معظم ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي هم من اليهود المتدينين، كقادة سرية وحدة الأركان و"ايغوز" و"دفدفان" وجفعاتي. والمتدينون عموماً يتحولون الى غالبية في هذه الوحدات والألوية المختارة. ولعلّ في ذلك، ما يفسر تلك القوة التدميرية الفظيعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، وهو الأمر الذي يلغي أي ادعاء مهزوز بأخلاقيات جيش الاحتلال الذي اعتبر الأطفال والنساء محور بنك أهداف طائراته وقواته البرية والبحرية.
المتدينون اليمينيون في الجيش الإسرائيلي، هم الأكثر تطرفاً وولعاً بحرب إبادة ضد الفلسطينيين، وهم أيضاً، يشكلون رأياً عاماً لدى عموم المتدينين في إسرائيل، وفي الغالب، فإنهم يشكلون مشكلة حقيقية لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، الذي من المفترض أن يأخذ قراراته وفقاً لمعطيات ميدان القتال، وليس وفقاً لمعجزات يعتقد هؤلاء المتدينون أنها التي ستحدد الكيفية التي ستنتهي بها الحرب، ومرة أخرى، فإن اعتماد المعجزات التوراتية في حروب إسرائيل، لم تكفل وتضمن أي انتصار لإسرائيل في حروبها على الشعب الفلسطيني، رغم كل ما أريق من دماء.
إنها حرب سياسية بامتياز، حرب الاحتلال ضد مقاومة لهذا الاحتلال، والاستدلال بالرموز الدينية، لا يلغي القيمة السياسية لهذه الحروب، فالزمن زمن الحريات ونهاية الاحتلالات، والميدان هو الشاهد!
*كاتب فلسطيني، "الأيام"، رام الله
