نقد علم الاجتماع البرجوازي من وجهة نظر ماركسية

single

قضايا العلوم السياسية والاجتماعية والثقافية في عصرنا الحاضر، تحتاج الى دراسة عميقة، خاصة في السنوات الاخيرة حيث برزت وتبرز مدارس ومذاهب تطرح نفسها على انها فتح جديد، او اكتشاف جديد، ومثال على ذلك، مفاهيم "صراع الحضارات" و"نهاية التاريخ"، ولكي نفهم هذه الظاهرة أي ظاهرة البلبلة الفكرية والايديولوجية لهذه الطروحات علينا ان نضعها في اطرها، أي ضمن البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والايديولوجي كمركبات للبناء القومي للمجتمع الرأسمالي.
في آواخر القرن التاسع عشر، حينها مجموعة من الدول الرأسمالية دخلت مرحلة انتقالها الى حلقة الاستعمار مما ادى في النهاية الى حدوث تغيير في البناء الفوقي للمجتمع من ثقافة وسياسة وايديولوجيا.
وكان من البديهي ان تقوم الثورات البرجوازية، بمقاومة، والغاء، بل تكنيس الايديولوجيا الاقطاعية والمرتبطة بالمفاهيم الرجعية الكنسية للقرون الوسطى.
وفي تلك الفترة كان من الطبيعي ان تبحث الطبقة البرجوازية عن حلفاء، في معركتها ضد الاقطاع، ووجدت بالطبقة العاملة والفقراء والحرفيين حلفاء ايضا، لهم مصلحة بإحداث التغيير الثوري لمجتمع الاقطاع، وكنتيجة موضوعية لهذا التطور التاريخي شاهدنا نشوء مفكرين ماديين وعقلانيين امثال بيكون وديكارت وديدرو وفورباخ وغيرهم. وتلك الفترة كانت في الحقيقة مرحلة الصعود الثوري للطبقة البرجوازية الاوروبية، مرحلة كان على هذه الطبقة أي الطبقة البرجوازية ان تنجز الى جانب ثورتها الاقتصادية المادية، أي الثورة في البناء التحتي، للمجتمع، ان تنجز ايضا ثورة في البناء الفوقي للمجتمع، أي ثورة ثقافية اجتماعية سياسية ايديولوجية. وقد فعلت ذلك.
ولكن بعد ان تم توطيد السلطة السياسية للطبقة البرجوازية، ومع تطور وازدياد عدد وتنظيم الطبقة العاملة، كنتيجة موضوعية للتطور الاقتصادي، والتكنولوجي  ونشوء الصناعة الكبيرة، وتحولت الطبقة البرجوازية لتمارس شتى اشكال الممارسات الاستغلالية، والرجعية، والسيطرة، والهيمنة ضد الطبقة العاملة، وعادت الى التحالف مع الاقطاع والكنيسة. ومع دخول المرحلة الاستعمارية اصبحت هذه الطبقة، أي الطبقة البرجوازية، في مصاف الرجعية التاريخية وخاصة الآن في عصرنا الحالي عصر- اعلى مراحل تطور الرأسمالية أي الامبريالية. وكنتيجة موضوعية لذلك فقدت هذه الطبقة وممثلوها ارتباطها بالفكر التقدمي.
هذا التحول شكل وما يزال يشكل قانونية حتمية في عملية التحول في اطار المجتمع الرأسمالي الامبريالي الحديث، وهذا لا يعني ان كل العلوم الاجتماعية او الفلسفية او الثقافية، اصبحت كليا ضمن ترسانة الفكر الرجعي للمجتمع الرأسمالي الحديث، وتقع في " مربع" او "اطار" خدمته وذلك لان المجتمع الرأسمالي، والذي يتميز موضوعيا بالصراع الطبقي يخلق بالضرورة صراعا ايديولوجيا. فلذلك من الطبيعي ان يكون الى جانب الافكار الرجعية والتي تخدم طبقة رأس المال المسيطرة ان تكون علوم وافكار وايديولوجيا وفلسفة وعلم اجتماعي تحمل فكرا عقلانيا تقدميا، ثوريا ومع ان هذه العقلانية والنقدية تظلان تتحركان في اطار المجتمع البرجوازي الرأسمالي، ولكنها تحدث تغييرات تراكمية، كما وكيفية، من اجل احداث القفزة الثورية الاجتماعية في المستقبل.
فعلم الاجتماع والثقافة والايديولوجيا القادر على فهم واستبصار قوانين التطور الاجتماعي التاريخي للمجتمع الرأسمالي، على اساس معطيات العلوم الانسانية ككل، من خلال ممارسة الدور الثوري للطبقة العاملة يمكن حل اشكالية وازمات النظام الرأسمالي الامبريالي من جذورها.
ومن ابرز التشويهات التي يجسدها النظام الرأسمالي، تنعكس في البناء الايديولوجي النظري لعلم الاجتماع البرجوازي المعاصر. وخاصة ان غالبية ممثلي علم الاجتماع البرجوازي، يحيطون بالجزء على حساب الكل، من خلال الابتعاد عن الواقع القائم، كتشكيلة اجتماعية اقتصادية طبقية، ورفضهم لكل محاولة للتطلع الى العلاقات الاجتماعية الناظمة للاجزاء الخاضعة لعلم الاجتماع.
وكذلك من خلال رفض الايديولوجيا او الفلسفة المادية الجدلية التاريخية، فاننا نكون قد مارسنا ايديولوجيا اخرى، تخدم وتعكس مصلحة رأس المال وطبقة رأس المال، وهذا يؤدي الى الابتعاد عن الوصول الى نتائج بحث اجتماعي تقدمي شامل. ولذلك نجد الكثير من علماء الاجتماع البرجوازي المعاصر يلجأ إما الى الآنا، او الى الارادة او الوعي او الدين معتبرا ذلك منطلق الوجود الاجتماعي الانساني الذي يحتم على الباحث الاجتماعي التقيد به، في بحثه وبدون الاخذ بعين الاعتبار الأمر العام او الكل، أي التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية البرجوازية كبناء تحتي للمجتمع، تقوم عليه مركبات البناء الفوقي للمجتمع من ارادة ووعي وادراك وفكر وفن وثقافة وسياسة وايديلوجيا ووعي جماعي.
ولذلك نجد العديد من النظريات الاجتماعية البرجوازية تعتمد بل غطست حتى العظم في تجربة ضحلة وسطحية، ولكن هذا لا يعني بانه لا يوجد علماء اجتماع تميزوا بالطموح في الاستقلال بشكل من الاشكال عن الايديولوجيا البرجوازية في شكلها المعاصر . ولذلك على النقد الذي يوجه لعلم الاجتماع البرجوازي ان يكون فعالا وبناء وثوريا من خلال طرح الوجه العلمي المادي التاريخي لعلم الاجتماع وفي اطار علم الاجتماع المادي التاريخي.
ومن هذا المنطلق أي من منطلق مفاهيم علم الاجتماع المادي التاريخي، علينا ان نمارس نقد علم الاجتماع البرجوازي، وليس رفضه المطلق لأن الرفض المطلق يتعارض بالاصل مع مفاهيم علم الاجتماع المادي التاريخي.
لقد دخلت العالم العربي في الفترة الاخيرة اشكال من علم الاجتماع البرجوازي والتي تركز على الموقف التجريبي في ملاحقة وتفسير ودراسة الظواهر الاجتماعية العامة ومبعدة من حسابها الاطار النظري الشامل الذي يحتويها.
وبما ان العالم العربي يعاني الأمرّين من "بعثرة فكرية" وردة سلفية رجعية، او ما نسميه بـ "النزعة التجريبية او اسلوب الخطأ والصواب " نجد انفسنا مرة اخرى محاطين بابعاد ذلك التفكير الاجتماعي التجريبي الوافد من اوروبا الاستعمارية وامريكا الامبريالية.
فأي علم اجتماع حقيقي في الوطن العربي لا يمكن ان يكون الا ذلك العلم القادر على الاجابة عن مشكلات التحول الثوري في المجتمع العربي، من خلال التوحيد العميق بين الكل والجزء بين الطبقة والمجتمع، وبين الايديولوجيا والعلوم المتخصصة. فتثوير مجتمعنا العربي من خليجه الى محيطه ومن محيطه الى خليجه، وبمؤسساته الثقافية والعلمية ينبغي ان يستنير بالحد الادنى من آفاق البحث العلمي الثوري مخصصين له كل تلك المؤسسات، وذلك من خلال ربط العلم، بالانتاج الاجتماعي الشامل ربطا ماديا جدليا تاريخيا عميقا.
لقد دخل مصطلح علم الاجتماع اللغة العلمية في منتصف القرن الماضي على يد الفيلسوف اوغست كانت (1798- 1857) وقد صاغه كانت من كلمتين:  societas  اللاتينية وتعني "مجتمع" و logos الاغريقية وتعني "علم" وقد عنى كانت بهذا المصطلح العلم الذي يدرس المجتمع البشري او العلم الذي يدرس تركيبة ودينامكية المجتمع. ولكن واضح بان كانت لم يخلق علم الاجتماع، فالمشكلة الاجتماعية ظهرت بظهور الفلسفة كجزء لا يتجزأ منها. اما المؤسسان الحقيقيان لعلم الاجتماع وواضعا اسسه العلمية فهما كارل ماركس وفريدريك انجلز، اللذان بسّطا وعمّما المادية لاول مرة وعملا على شرح وتفسير الظواهر الاجتماعية، وقضيا بذلك على المثالية. وكما قال لينين "ان ماركس هو اول من وضع علم الاجتماع على قاعدة علمية، محددا مفهوم التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية كمجموعة العلاقات الانتاجية الحاصلة ومبينا ان تطور مثل هذه التشكيلات عملية حتمية تاريخية" (لينين- المؤلفات الكاملة مجلد واحد- ص 139. الطبعة الروسية). ومن هذا المنظور فان ظهور الفهم المادي للتاريخ، او المادية التاريخية يعني ظهور علم الاجتماع بشكل او بأسس علمية. وكان هذا منعطفا ثوريا في علم الاجتماع ككل.
اما كانت فلم يخلق علم الاجتماع كما يزعم علماء الاجتماع البرجوازيون بل كان مؤسسا للوضعية، ورائدا للاتجاه الوضعي في علم الاجتماع. وقد حسب كانت انه اكتشف " القانون العظيم والرئيسي للتاريخ الانساني". قانون المراحل الثلاث التي يمر بها الفكر الانساني حتما. وبما ان كانت مثالي ويعتبر الوعي الانساني القوة المحركة للتاريخ ورأى بهذه المراحل الحتمية الثلاث للتطور الفكري جوهر العملية التاريخية. والمراحل الثلاث لتطور وعي الانسان حسب كانت هي المرحلة اللاهوتية وتمتاز حسب رأي كانت بسيطرة رجال الدين والكنيسة. اما المرحلة الثانية فهي المرحلة الميتافيزيقية او الفلسفية وفيها يسيطر الفلاسفة محاولين الكشف عن جوهر الاشياء واسباب الظواهر، ولكن بحسب رأي كانت الانسان لا يستطيع الوصول الى الجوهر الحقيقي للاشياء عن طريق حواسه وانطباعاته. وسمى كانت المرحلة الثالثة والاخيرة لتطور الانسانية، المرحلة الوضعية وهي مرحلة العلم والعلماء.
لقد قدر اوغست كانت عالي التقدير دور العلم في حياة المجتمع غير انه في الوقت نفسه دعا الى اللاارادية، وحدد العلم في اطر ضيقة من " التجربة" الذاتية المحضة، وبذلك قلم وعرقل اجنحة الفكر الانساني من الوصول الى الحقيقة الموضوعية وادراك العالم كما هو موجود. وفي هذا يكمن جوهر الوضعية كاتجاه رجعي ذاتي مثالي في الفلسفة وفي علم الاجتماع تُحجب فيه اللاارادية براية العلم المغتصبة. ولكن يبقى عنصر ايجابي في تعليم كانت وهي اقراره بالطابع الحتمي لتطور المجتمع وهذا ما يميزه عن الاجيال اللاحقة لعلماء الاجتماع البرجوازيين، الذين دأبوا بتصميم على اقصاء فكرة الحتمية والمنطقية من علم الاجتماع. غير ان كانت كان بعيدا جدا عن الفهم العلمي لقانون ومنطق التاريخ، فهو لم يعترف بأن قوانين التطور التاريخي ذات طابع موضوعي، وان هذه القوانين قبل كل شيء قوانين تطور العلاقات المادية الاجتماعية التي تحدد كل النواحي المتبقية في حياة المجتمع وبما فيها الايديولوجيا والفلسفة وعلم الاجتماع والثقافة والوعي الجماعي للمجتمع. ووقف كانت موقفا معارضا من الديالكتيك وكان المنهج التاريخي غريبا عنه، فكما يرى كانت- تعتبر المرحلة الوضعية هي المرحلة الاخيرة لتطور المجتمع وخاتمة التاريخ.
وقد صور كانت النظام والمجتمع البرجوازي الرأسمالي، وكأنه حامل للنظام العقلي وان كل ما يسيء فيه الى التجانس "الهرمونية" الاجتماعي كالنضال الطبقي مثلا هو لا قانوني ولا عقلي كما نشر كانت التعاليم القائلة بان على العمال ان يستكينوا ويذعنوا للرأسماليين وان يطيعوا قساوستهم " الوضعيين". لهذا كانت افكار كانتْ الاجتماعية والسياسية ذات طابع رجعي وكانت موجهة ضد النضال الطبقي التحرري للبروليتارية. وقد نقد مؤسسا الشيوعية العلمية والفلسفة المادية التاريخية ماركس وانجلز نظرية كانت نقدا مريرا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بدأت الروح الرجعية لعلم الاجتماع البرجوازي تزداد قوة وتأثيرا. وهذا راجع لاسباب عميقة ميزت النظام الاقتصادي السياسي البرجوازي حيث غدت الرأسمالية في هذه المرحلة نظاما عالميا.
فبعد ان وصلت البرجوازية الى السلطة السياسية واحكمت سيطرتها الاقتصادية، اصبحت في غنى عن الافكار التقدمية واهتمت في تلك الفترة بالافكار التي تحميها والتي تدعي خلود نظام الاستغلال الرأسمالي وثباته.
وفي هذا الوقت ايضا نضجت واتضحت التناقضات الداخلية لاسلوب الانتاج الرأسمالي وبدأت الازمات الاقتصادية الاولى تهز العالم. وخرجت الى ساحة التاريخ العالمي قوة جديدة هي طبقة البروليتاريا التي وجدت في الماركسية ايديولوجيتها العلمية. لذلك غدت الحرب ضد الماركسية من اكبر مهمات الايديولوجيا البرجوازية، بما فيها علم الاجتماع البرجوازي. وغدت معاداة الماركسية اساسا عاما وعصبا داخليا للفلسفة وعلم الاجتماع البرجوازيين وللاقتصاد السياسي وللتاريخ. بل للايديولوجيا البرجوازية بشكل عام. فعلم الاجتماع البرجوازي المعاصر فقير في جوهره ويعاني من ازمة حادة، رغم تنوع المدارس والاتجاهات ورغم بريقها الخارجي، لان مهمة هذا الفكر ليست دراسة المجتمع والحياة الاجتماعية بشكل موضوعي علمي بل تحريفها وتشويهها.
وما يميز تطور علم الاجتماع البرجوازي في السنوات الاخيرة زيادة دور الابحاث التجريبية والتطبيقية وكثير من هذه الابحاث مهيأ لتقديم التوصيات العملية للاحتكارات والمنظمات السياسية لدولة رأس المال.
لذلك هناك اهمية خاصة للنقد الماركسي للنظريات الاجتماعية البرجوازية الرجعية، ولكن بالاضافة الى ذلك هناك اهمية خاصة للفكر الماركسي في تقرير وحل تلك القضايا التي عرضها ايديولوجيو الطبقة البرجوازية فقرروها وحلوها بشكل خاطئ. ولان علم الاجتماع البرجوازي لا يعتمد التتابع ولا الدقة الفكرية، نجد الكثير من الافكار والاتجاهات والمدارس والنظريات المختلفة والتي لا تشبه انهارا تصب في شاطئ معين، وذلك لان علم الاجتماع البرجوازي لا يعتمد التتابع ولا الدقة الفكرية. واذا اخذنا بالمبدأ التاريخي نجد  بانه ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر والعشرين في علم الاجتماع البرجوازي المدارس والمذاهب الرئيسية التالية: 1- المذهب البيولوجي ويضم هذا المذهب النظريات الاجتماعية التي تحاول شرح وتركيب قوانين تطور المجتمع الانساني بمساعدة المفاهيم المأخوذة من البيولوجيا. وهذا يعني استبدال قوانين الشكل الاجتماعي لحركة المادة بقوانين الشكل البيولوجي لحركة المادة ويخلو المذهب البيولوجي من التجانس ويتألف من عدة مدارس أهمها: 1- المدرسة العضوية يؤول ممثلو هذه المدرسة تركيب المجتمع الانساني بالقياس الى الكائن الحي البيولوجي. حتى ان بعضهم يذهب الى ابعد من ذلك فيساوي بين التركيب العضوي الاجتماعي ( المجتمع) وبين التركيب العضوي للكائن الحي. ويعتبر العالم الانجليزي سبنسر (1820- 1903) مؤسسًا للمدرسة العضوية في علم الاجتماع البرجوازي. وقد قارن البنية العضوية الاجتماعية بالبنية العضوية الحية للانسان، واكد سبنسر ان الكائن العضوي الحي والمجتمع هما في البداية عبارة عن وحدة آليات. واعلن سبنسر ان المجتمع الانساني كالجهاز العضوي الحي له غطاء جلدي هو الجيش وله نظام الاوعية الدموية وهي طرق المواصلات والاتصالات، وله جهازه الغذائي، وهي دورة البضائع الخ... واعتبر سبنسر الرأسماليين كمنظمين للانتاج يؤدون دورا حساسا وتنظيميا في المجتمع يشبه دور الجهاز العصبي في الكائن الحي العضوي.
صحيح ان سبنسر لم يساوِ بشكل كامل بين البنية الاجتماعية والبيولوجية واعتبر الفرق الرئيسي بينهما ان الناس لا يفقدون فرديتهم، ولا يمكن لكل المجتمع ان يبتلعها اي ان يبتلع الفردية. وكان سبنسر من انصار التطورية لكنه فهم التطويرية بشكل ميتافيزيقي، فالتطور- كما يراه سبنسر- عملية كمية فقط خالية من القفزات والثورات، واكد سبنسر ان الوضع الطبيعي لأي نظام او جهاز بما فيه البنيان الاجتماعي- هو التوازن، وان اختلال التوازن هو وضع مؤقت وشاذ لا يلبث التوازن ان يحل محله. وانطلاقا من هذه النظرة اعتبر سبنسر الصراع الطبقي والثوري خروجا عن الوضع الطبيعي او مرضا في البنية الاجتماعية.
اما من الناحية الفلسفية فهو وضعي ولاارادي ونفى سبنسر امكانية معرفة الاشياء واعترف بوجود قوى سرية لا يمكن معرفتها وادراكها الا في حالة دينية. وعلماء الاجتماع البرجوازيون المعاصرون يستخدمون بعض افكار سبنسر وخاصة مدرسة التحليل البنيوي الوظيفي.
ومن النظريات " العلمية" الاجتماعية البرجوازية ذات الاتجاه البيولوجي النظرية الداروينية الاجتماعية والتي تنقل بشكل آلي الى المجتمع بعض قوانين التطور البيولوجي التي اكتشفها داروين ويعتبر الداروينيون الاجتماعيون الصراع الطبقي نوعا من انواع "الصراع من اجل الوجود". واما الظلم الاجتماعي والطبقي واللامساواة في المجتمع البرجوازي فهي- برأيهم- نتيجة " للاصطفاء" الطبيعي ووضع طبيعي ودائم في المجتمع وينتج عن ذلك ان اللامساواة الاجتماعية واستغلال الانسان للانسان ظاهرة طبيعية وابدية.
ولعل العرقية من اكثر المدارس ذات الاتجاه البيولوجي رجعية في علم الاجتماع البرجوازي، وتنطلق هذه النظرية العرقية من فرضية غير علمية تدعي عدم تكافؤ الاجناس وتفوق بعضها على بعض من الناحية العقلية والسيكولوجية. وتعتبر الصراع الخالد بين الاجناس الجوهر الرئيسي للتاريخ الانساني. كما تحاول العرقية وضع الاسس لاثبات ضرورة سيطرة الجنس " الاعلى" على الاجناس "الدنيا"، وقد لعبت النظرية العرقية دور المبرر الايديولوجي للسياسة الاستعمارية للدول البرجوازية والتي تطمح الى اخضاع الشعوب الضعيفة والمستغَلة وكذلك لعبت هذه النظرية دور المبرر الايديولوجي للفاشية والنازية.

 

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وحدة الصف لدى الفلسطينيين في إسرائيل تتجلى من جديد

featured

عن العنف في المدارس

featured

"الدبلومافيا"

featured

مؤتمر «فتح» وإهمال القضايا الأساسية

featured

وضع سياسي مأزوم.. وسلام عليك يا أبا سلام!!

featured

في تقلبات الزمن والناس

featured

عندما يعينون القط حارسًا على اللبن