تابع الرأي العام العالمي والعربي باهتمام شديد الاضراب العام الذي نفذه الفلسطينيون داخل إسرائيل يوم الخميس الماضي في الذكرى التاسعة للمذبحة التي ارتكبتها السلطات الإسرائيلية بحقهم عام 2000 وراح ضحيتها 13 شابا شكلوا دفعة إضافية من ضريبة الدم، التي دفعتها خلال العقود الستة الماضية هذه المجموعة من الفلسطينيين الذين نجحوا في البقاء على أرضهم وداخل وطنهم بعد نكبة عام 1948. وساهمت مؤسسات وجمعيات عالمية عديدة في نشر دعوة للرأي العام العالمي وُجِّهت بواسطة الإنترنت في الأيام التي سبقت الإضراب من أجل التضامن مع الفلسطينيين داخل إسرائيل ودعم نضالهم ومطالبهم العادلة في وجه الاضطهاد الذي يعانون منه على يد السلطات الإسرائيلية. لم يكن الفلسطينيون داخل إسرائيل في عزلة عن محيطهم أو عن العالم في إضرابهم يوم الخميس، بل كانوا محاطين برعاية شديدة من مختلف الجهات التي تقدّر وضعهم الصعب وتتعاطف معهم ومع مطالبهم العادلة، من جهة ومن الجهة الأخرى كانوا في الجليل والمثلث والنقب بمدنهم وقراهم موضع إعجاب شديد من جانب الرأي العام العالمي والعربي بنضالهم وقدرتهم على مواصلة التحدي وتقديم الدروس والعبر لغيرهم وظهروا منارة مضيئة في بحر من الظلمات لفَتَ إشعاعها انتباه الجميع.
واهتمت الأوساط السياسية كافة بنجاح الإضراب لما في هذا النجاح من أبعاد ومعان ليس فقط بالنسبة للساحة داخل إسرائيل، بل تعدتها إلى الساحات الأخرى في الأراضي الفلسطينية وإلى العالم العربي. فنجاح الاضراب يعني ما يلي:
أولاً: أن الفلسطينيين داخل إسرائيل ليسوا قطيعا من الخراف ولن يستكينوا ولن يتنازلوا عن حقوقهم وانهم مستعدون لتقديم التضحيات، بلا توقف، وأنهم مجموعة واعية سياسيا تعرف جيدا ماذا تريد وتتمتع بمسؤولية عالية لدى اتخاذها قرارات خوض النضال ويفعلون ذلك بانضباط شديد. وأنهم مجموعة موحدة في معركة الدفاع عن حقوقهم.
ثانيا: أن قيادة الفلسطينيين داخل إسرائيل، بغض النظر عن المواقف والانتماءات السياسية لأطراف هذه القيادة، هي قيادة حكيمة وتدرك جيدا نبض الشارع العربي داخل إسرائيل. فاتخاذ قرار بإعلان إضراب شامل ليس مسألة سهلة، وهو يحتاج إلى جرأة وقراءة جيدة لنفسية الشارع ومدى استعداده للتجاوب مع الدعوة للإضراب، ولا شك أن هناك الكثيرين الذين كانوا يتمنون له أن يفشل، في المقابل كانت هناك قيادة واعية مدركة لهذا الخطر وتعرف جيدا متى يستجيب الشارع لها ووراء أي شعار. فنجاح الإضراب هو إثبات على التحام القيادة بالشارع في هذا الخصوص، وهي مسألة ذات أبعاد كثيرة ومهمة، أبرزها أن هذه القيادة لا تتلقى شرعيتها من أي جهة، بل من جمهورها وثقته بها وهي عندما تتخذ قرارا مثل الدعوة للإضراب، تتحمل مسؤولية اخلاقية وسياسية، بل مسؤولية أبوية من الدرجة الأولى تجاه أبناء وبنات هذا الجمهور الذين يعرف الجميع مدى الخطر الذي يواجهونه أمام جلاديهم، مثلما علمتهم ذلك تجارب سابقة في كفر قاسم ويوم الأرض الأول وعام 2000 وغيرها من المناسبات الراسخة في الذاكرة. فالقيادة الحكيمة هي التي تحافظ على أبنائها حفاظها على بؤبؤ العين ولا تستهتر بتضحياتهم وتسعى بكل ما تملك لمنع الحيف عنهم أو تُعرِّضهم لأي ضرر في المستقبل.
ثالثاً: أبرز الإضراب أهمية النضال السياسي الذي يُطلِق عليه الكثيرون تسمية النضال السلمي، فالجمهور العربي في إسرائيل قدّم للمجتمع الإسرائيلي نموذجا رائعا للنضال السياسي دفاعا عن الحقوق، نموذجاً يُحتذى من جانب الطبقة العاملة في إسرائيل بيهودها وعربها في نضالاتهم المطلبية ودفاعا عن حقوقهم ضد الاستغلال الذي لا يُفرِّق بين يهودي أو عربي مع أن الاستغلال الذي يتعرض له العمال العرب في واقع الحال أشد وطئا، كما أنه نموذجٌ يُحتذى من جانب حركة السلام الإسرائيلية التي تناضل سلميا من أجل إنهاء الاحتلال الإسرئيلي والاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني. فالعرب في إسرائيل قدّموا للمجتمع الإسرائيلي دليلاً ملموسا على استعدادهم للنضال والتضحية وأنهم سيكونون دائما في مقدمة أي تحرك سياسي خدمة للتعايش المشترك بسلام ومساواة، لا أن يعيش أحد على حساب أحد. فالإضراب دليل على أن العرب داخل إسرائيل قوة ديمقراطية من الدرجة الأولى ينبغي على اليهود الراغبين في حياة دمقراطية وكريمة أن يأخذوا بالحسبان هذه القوة كحليف يمكن الاعتماد عليه على الدوام. فالنضالات السياسية المنظمة مثل الاجتماعات الشعبية والمظاهرات الجماهيرية والإضرابات الواسعة وسائل نضالية مُجَرَّبة وقدّمت لها البشرية وما زالت نماذج لا حصر لها أثبتت نجاعتها وفائدتها خدمة للأهداف السياسية والمطلبية وغيرها من الشعارات التي رُفعت فيها. فالعمال البريطانيون الذين يشلون وسائل المواصلات في لندن، وعمال التنظيف الذين يضربون عن جمع القمامة في باريس، وعمال الموانئ الذين يشلون الحركة في أكثر من ميناء عالمي يقدمون للبشرية جمعاء نماذج مضيئة في كيفية الدفاع عن الحقوق. نماذج تَعلمَ الفلسطينيون داخل إسرائيل منها الكثير ومارسوا هذا الأسلوب لدرجة مثيرة للإعجاب في يوم الأرض وفي الإضراب الأخير، وحتى في معاركهم الانتخابية المتكررة.
رابعا: من جملة الإثباتات التي قدمها الإضراب الأخير، أن الفلسطينيين في إسرائيل فرضوا أنفسهم على الحياة داخل إسرائيل ولم يعد بمقدور الحكومات الإسرائيلية، مهما توغلت في التطرف اليميني الصهيوني أن تتعامل معهم مثلما فعلت في الماضي. فأيام القتل واستعمال الرصاص لإسكات العرب من جانب السلطات الإسرائيلية ولّت إلى غير رجعة، وذلك ليس من حسن أخلاق الحكومة الإسرائيلية الحالية التي أحرق وزير دفاعها إيهود براك بالفوسفور الأبيض أهالي غزة بالأمس القريب فقط أو براك نفسه الذي أمر بإطلاق الرصاص على المضربين العرب في يوم الأرض الأول فقتل من قتل وجرح من جرح، بل لأن هذه اللغة لم تعد هي اللغة الصحيحة لمخاطبة العرب في إسرائيل، بل سيكون استعمالها وبالاً على مستعمليها. فالعرب في إسرائيل ليسوا أقلية بسيطة كما كانوا في الماضي. إنهم مليون ونصف مليون فلسطيني، وعلى المسؤولين الإسرائيليين كافة وحتى الأكثر شراسة منهم أن يدركوا أنهم من الآن فصاعدا عندما يتعاملون مع العرب في إسرائيل أنهم سيتعاملون مع مجموعة تعدادها بالملايين. أجل إنهم قوة عددية وقوة سياسية فعلية يُحسب لها حساب عندما تكون كلمتها موحدة، كما رأينا في الإضراب.
خامسا: بكل تواضع شكل الإضراب درسا للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية في أهمية وحدة الصف. فهذه المجموعة من الفسطينيين ما زالت تعيش في الواقع العملي تحت الاحتلال الإسرائيلي، رغم وجود السلطة الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي الشكلي من قطاع غزة أو وجود حكومة اسماعيل هنية في غزة. ويجب علينا جميعا أن نحني رؤوسنا أمام نضالات أبنائها والتضحيات الجسيمة التي قدّموها، بل قدّموا بنضالاتهم دروسا لشعوب العالم في كيفية مواجهة الدبابة والمدفع بالحجارة مثلما فعلوا في الانتفاضة الأولى وغيرها. ومن قبل في عام 1976 قدّم فلسطينيو الضفة الغربية أروع مثال على الوحدة الوطنية عندما هبوا لإفشال مشروع الحكم الذاتي وأوصلوا ممثليهم الوطنيين إلى المجالس البلدية والقروية. لكن وحدة الصف التي ميّزت الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر من مرة لم تعد للأسف موجودة، ودخلت القضية الفلسطينية في نفق مظلم بسبب انعدامها. لذلك فإضراب الفلسطينيين داخل إسرائيل، كان مهما لتذكير الفلسطينيين ليس فقط في الضفة والقطاع، بل أينما وجدوا، بأن وحدة الصف هي الأساس، وينبغي أن تكون مثالاً يُحتذى، من أجل إنهاء النزاعات الحزبية والمصلحية والتوجه صفا واحدا نحو النضال من أجل تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني لبناء الدولة المستقلة. كما أنه كان مثالاً يُحتذى على نطاق أوسع لدى جميع الشعوب التي ترزح تحت حكام طغاة وأنظمة حكم غاشمة وغير دمقراطية.
سادسا: في هذه المناسبة ينبغي أن نتذكر دائما ما فعلته الحكومات الإسرائيلية في الماضي لمواجهة وحدة الصف في الشارع العربي في إسرائيل، بالإسراع في تكثيف العمل على تفتيت وحدة الصف هذه بالترهيب والترغيب تارة وبمختلف الوسائل الخبيثة تارة أخرى، كما جرت العادة منذ عام 1948. لكنها في عام 1976 اكتشفت وسيلة جديدة وذلك بالاستعانة بمساعدات من الخارج أميركية وعربية. ففي أعقاب يوم الأرض الأول الذي تجلت وحدة صف هذا الشارع فيه، مثلما تجلت وحدة الصف في الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد يوم الأرض بأسابيع فقط في انتخابات المجالس البلدية والقروية، شعرت حكومة رئيس الوزراء اسحق رابين في حينه بالخطورة، فبدأت تصرخ محذرة من الخطر الشيوعي. وبإمكان أي شخص العودة إلى أرشيفات الصحف من تلك الفترة للتأكد من هذه الحقيقة. فعلت الحكومة الإسرائيلية ذلك لسببين، على اعتبار أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو الذي بادر إلى تنظيم يوم الأرض في إسرائيل، فيما كان الشيوعيون في الضفة الغربية هم وراء الجبهة الوطنية التي فاز مرشحوها في الانتخابات البلدية والقروية. في تلك الأثناء فوجئ الفلسطينيون بانعقاد مؤتمر قمة عربي مصغر في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، ترأسها ولي العهد آنذاك فهد بن عبدالعزيز نيابة عن أخيه غير الشقيق الملك خالد الذي كان مريضا، وحضرها كل من الملك الأردني الحسين بن طلال، والرئيس المصري أنور السادات، والرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس اللبناني سليمان فرنجية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. فمع أن هذه القمة كانت في ظاهرها محاولة لإنهاء الحرب الأهلية في لبنان، إلا أنه تبين لاحقا أنها عقدت خصيصا لمواجهة الخطر الشيوعي لدى الفلسطينيين الذي لوحت به إسرائيل. فبعد عودته من الرياض وصف عرفات للمقربين منه، ولاحقا لقيادات من الحزبين الشيوعي الفلسطيني والإسرائيلي على انفراد، كيف انهال عليه الرئيس السادات وولي العهد السعودي فهد والملك حسين، الذي مني مرشحوه في الانتخابات في الضفة الغربية بخسارة فادحة، تأنيبا واتهموه بأنه سلّم الضفة الغربية للشيوعيين، تماما مثلما كانت تقول حكومة إسرائيل. وقال عرفات انه حاول الدفاع عن نفسه وأوضح لهم أنه أصلاً عارض الانتخابات في الضفة الغربية لأن الملك حسين هو الذي كان يريدها، وأنه دعا الفلسطينيين إلى عدم المشاركة فيها، لكن الانتخابات جرت رغما عنه. كان الهجوم شديدا وأشار المهاجمون فيه إلى دور الشيوعيين في تلك الانتخابات وإلى تأثر الشارع في الضفة الغربية بالشارع العربي داخل إسرائيل، خاصة بعد يوم الأرض وفوز القائد الشيوعي توفيق زياد برئاسة بلدية الناصرة وجبهته بغالبية مقاعد البلدية. خلال هذه القمة المصغرة تم على هامشها اتخاذ قرار تاريخي بالنسبة للفلسطينيين داخل إسرائيل، وهو قرار السماح للمسلمين منهم لأول مرة منذ قيام إسرائيل في عام 1948 بأداء فريضة الحج إلى الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة المنورة. وعندما تساءل عرفات عن الكيفية التي سيتم بها ذلك من دون موافقة إسرائيل، تعهد فهد بن عبدالعزيز بإجراء اتصالاته مع الإدارة الأمريكية لإجراء الترتيبات اللازمة مع الإسرائيليين من أجل تسهيل خروج المسلمين في إسرائيل إلى الأردن في موسم الحج لينضموا إلى بعثة الحج الأردنية. وهكذا تم وما زال هذا الترتيب معمولاً به إلى اليوم.
فخطوة السماح للمسلمين في إسرائيل بالحج إلى مكة والمدينة جاءت بناء على ترتيب كان الهدف منه شق وحدة الصف لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل. فأداء فريضة الحج حق مُنع منه المسلمون في داخل إسرائيل لحوالي 30 عاما وأرادوا بإعادته لهم استخدام هذا الحق استخداما باطلاً. لكن ها هم الفلسطينيون داخل إسرائيل بعد حوالي 30 عاما على استعادتهم لحقهم في أداء فريضة الحج يثبتون فشل المخططات الصهيونية والرجعية لشق وحدة صفهم، التي تجلت في الأول من تشرين الأول الجاري. فالصراخ ضد الشيوعية والنقيق المتواصل على رؤوس المتدينين المسلمين والمسيحيين في فلسطين لم يعد ينطلي عليهم وها هم ينهضون من جديد. بل هم يدركون أن حصولهم على حق أداء فريضة الحج ليس منة من أحد، بل انتزع انتزاعا بالنضال ووحدة الصف التي تجلت في يوم الأرض الأول.
بالطبع هذا لا يعني أن السلطات الإسرائيلية ستتوقف عن السعي لشق وحدة الصف هذه، وهي ليست عاجزة عن استخدام أدوات عربية محلية ومن العالم العربي لتنفيذ مآربها، بل هي اليوم، بعد اتفاقات السلام التي وقعتها مع مصر والأردن وغيرها من العلاقات الجيدة التي تربطها مع عدد من حكام الدول العربية، أصبحت ذات قدرة أكبر على توظيف ضغوط لا أول لها ولا آخر من أجل شق وحدة الصف لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل، وحتى في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا ينغرّ أحدٌ بالمساعي التي تبذلها هذه الدولة العربية أو تلك ظاهريا لرأب الصدع بين حماس وفتح. فلإسرائيل التي تخشى وحدة الصف الفلسطينية أصدقاء كثيرون في العالم العربي. وهذا يعني أنه ينبغي على الفلسطينيين داخل إسرائيل أن ينتبهوا جيدا للدور الذي يمكن أن يلعبه هذا الطرف العربي أو ذاك لشق وحدة صفهم تحت أي ستار كان.
(لندن)
