// إن ضغوط الحياة وما يرافقها من توتر نفسي هي سمة العصر الذي يعيش فيه الانسان، و ذلك لان هناك كثيرا من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تسبب هذه الضغوط، و يضاف الى ذلك العوامل وأسباب تتعلق بالعمل والحياة العائلية والاسرية، ويزيد من الضغوط أيضا أمور تتعلق بالانسان نفسه من حيث المرض، حوادث السيارات، الفراق، الطلاق، الخلافات الاسرية، الفشل في الدراسة أو العمل.
كل هذه المسببات تجعل الانسان يعيش في دوامة، هي دوامة الضغط النفسي والتوتر، القلق والخوف، والامراض النفسية الأخرى، مما يبرر القول ان عصرنا هو عصر الضغوط و التوترات النفسية.
ضغوط الحياة هي مجموعة أحداث أو تغيرات داخلية أو خارجية يكون من شأنها ان تؤدي الى إثارة التوتر النفسي الحاد او المستمر أو كليهما معا.
والضغط النفسي هو حالة دينامكية يمر بها الانسان مما يجعله يواجه قيودا أو مطالب أو فرصا غير أكيدة و ذات أهمية له، لكن ما نود ان ننوه له، أن ضغوط الحياة في الكثير من الاحيان ليست سلبية بل هي ايجابية، والانسان بحاجة إليها لأنها تحفزه على النشاط والعمل، وايضا تجعل الانسان أكثر تفكيرا واهتماما بما يريد، ويساعد على المزيد من التركيز المطلوب لأداء العمل على نحو جيد، وكذلك يسر للإنسان على التعبير عن انفعالاته و مشاعره، ويجعله يشعر بمتعة عند العمل، الانجاز، الشعور بالسلام النفسي والنوم بشكل مريح عند القيام بانجاز معيّن.
وفي المقابل، فعندما يكون شعور بفشل ما في أداء الاعمال المطلوبة على النحو المرغوب، فإننا نحاول مضاعفة الجهد لتعويض الوقت أو الخسائر التي لحقت بنا، و ندخل في حلقة مفرغة أو دائرة خبيثة من التوتر الذي يشكل في حد ذاته مزيدا من الضغط النفسي، مما يؤدي الى مضاعفة النتائج الضارة ومشكلات الضغط النفسي، وكذلك يعجل الانسان يحاول أن يجد مخرجا من حالته، فيلجأ لإغراء الحلول السهلة والسريعة، فيقبل على شرب الكحول وتناول المهدئات وأساليب الهروب من المشكلات، ولا يلجأ للحلول السليمة لمعالجة المشكلة، مما يضاعف ويزيد من حدتها.
للضغوط النفسية عوامل ومسببات ومصادر عدة، كما ان لها نتائج خطيرة و متعددة، كالصداع، ضغط دم، أمراض قلب، ضيق تنفس، تناقص أو تزايد بالوزن، فقدان الشهية أو تزايدها. وعلى الناحية النفسية يؤدي ذلك الى توتر، قلق، خوف، اكتئاب، نسيان و تشتت الانتباه، قلة تركيز، تصلب التفكير و تطرفه، المبالغة وتهويل الامور. وعلى الناحية السلوكية للفرد: كثرة التغيب والتأخر عن العمل أو تركه، التعرض المتكرر للحوادث، الافراط في التدخين أو شرب الخمر أو تناول المخدرات، تعاطي مهدئات نفسية، سوء استغلال الوقت، الافراط في مشاهدة التلفاز، الميل للمشاجرة والتعارك، التهرب من المسؤوليات الحيوية كالدراسة و العمل.
هذه العوامل أو المصادر يمكن إجمالها بجوانب معينة، منها العوامل الاجتماعية مثل:- ظروف اقتصادية صعبة، اضطراب سياسي. وعوامل خاصة بالعمل نحو: حجم العمل الكبير، أو مسؤولياته المرهقة، علاقات متوترة مع فريق العمل، هيكل تنظيمي جامد أو دكتاتوري، وعوامل يمكن ان تقع على الانسان تتعلق في أمور حياتية مثل: مشاكل عائلية، متاعب مالية، مشكلات صحية، وعوامل تتعلق بشخصية الفرد مثل:- شخصية الفرد فقد تكون منبسطة أو منقبضة ايجابية أو سلبية، إدراك الفرد للأمور الحيايتة، خبرات الحياة التي مر بها، وجود أو عدم وجود دعم اجتماعي يتمثل في الاسرة، والاصدقاء، اعتقادات خاطئة قد يحملها الانسان عن نفسه وعن الآخرين، مدى الايمان بالقدرة الذاتية والثقة بالنفس.
كل هذه العوامل والمصادر وما ينتج عنها تشكّل عمليا الدوامة التي نعيشها، وتكوِّن لنا دائما شعورًا بعدم الرضا والارتياح عن حياتنا وهي تعكس على من حولنا، إن كان على صعيد الأسرة والاصدقاء، وعدم التمتع بالحياة في جميع جوانبها، والتركيز دائما عن النواحي السلبية فيها، و تشكل عدم القدرة على الكفاءة الذاتية لدينا.
الجميل هنا ان طرق التغلب عليها سهلة و بسيطة، ما دامت ان الدافعية في التغلب موجودة و قوية، و يمكن إجمالها في:
1. جانب الثقة بالنفس: فهو جانب شامل يتناول جميع جوانب حياة الانسان الروحية، العقلية والعاطفية، وهذا المفهوم إذا تغلغل في الحياة فسيشعره بالسعادة والرضا النفسي، ويحقق له النجاح في تلك الحياة، ومن يفقدها سيترتب عليها تحقير الذات، اللوم و الشكوى، تجنب الموقف و إبداء العجز وعدم المسؤولية.
2. الجانب الروحي: على الانسان هنا ان يوجد معنًى لحياته، وان يقوي صلته بالله و يعمق وجدانه الروحي، ويكون ذلك عن طريق: التمعن في امور الدين، الصلاة، الدعاء الخالص لوجه الله.
3. الجانب العقلي: يعتمد هذا المجال على تغيير الاحاديث الذاتية، من أحاديث سلبية الى أحاديث إيجابية، فبدلا من القول "انا لا أستطيع فعل شيء ما" الى " انا أستطيع فعل شيء ما "
4. الجانب العاطفي و الانفعالي: يعتمد التقليل بقدر الإمكان من الانفعالات والمشاعر السلبية كالعدوانية والغيرة، وتعلم طرق جديدة للتغلب على الغضب والانفعال، تعلم الانسان ان يتقبل ما لا يستطيع تغييره والا سيظل يعاني من الشعور بأنه تعيس و غاضب و ناقم (منزعج دوما).
5. الجانب السلوكي للإنسان:- يعتمد هذا الجانب على التخطيط للمستقبل ووضع أهداف معقولة، فليس من الواقعي ان يتخلص الانسان من كل الضغوط و الأعباء في الحياة. ايضا الادارة الجيده للوقت، وإعطاء صلاحيات لمن حوله بها، و تعلم اتخاذ القرارات الرشيدة والعقلانية.
6. الجانب الاجتماعي تكوين دائرة من الاصدقاء و المعارف الذين يتميزون بالود واللطف. و تجنب الاشخاص الذين يميلون الى النقد و التهكم و إثارة المنازعات. محاولة حل صراعات العمل و الأسرة و تعلم مهارات التفاوض وتبادل وجهات النظر الأخرى، و تعلم ان يقول "لا للطلبات غير المعقولة من الآخرين ".
7. الجانب الصحي: يعتمد هذا الجانب على توسيع الاهتمامات في الحياة و مجالات المتعة البريئة كالاستماع الى الموسيقى و المطالعة و السفر. والرياضة و اللياقة البدنية، نظام غذائي متوازن و مناسب لظروف الانسان الصحية و لعمره. أخذ قسط من الراحة و قسط كافٍ من النوم. الابتعاد عن شرب الخمر و السجائر و التبغ.
8. جانب مقاومة الغضب: كثيرا ما يتعرض الانسان لمواقف تثير غضبه. وتجعله متوترا. مقاومة ذلك الغضب عند طريق تعلم أسلوب يعبر به عن غضبه للآخرين بطريقة إيجابية غير عدوانية. التيقن ان الآخرين لا يثيرون غضبك بل تفسيرك للأحداث أو الانفعال هو الذي يجعلك غاضبا، التنفيس بممارسة الرياضة أو العمل في الحديقة.
هذه المهارات أو الطرق للنجاة من الضغوطات ما يترتب عليها من مصاعب على الصعد المختلفة، فهي إحدى العلاجات الجذرية لهذه الضغوطات، حاول أن توظفها في حياتك اليومية و ستلاحظ التغير.
(طالب علم نفس / جامعة عمان الاهلية)
(عرابة البطوف)
