هنالك من ينتفع – على صعيد دول وزعامات وأفراد – من الردَّة الدينية
يبقى الاقتصاد والثروة المحرك الرئيسي للصراعات عامَّة، حسب المنظور الديالكتيكي، وتطور المادَّة وعجلة الحياة التي لا تتوقف. فكما ورد في "رأس المال" ان الرأسمال يبيض بيضة من ذهب، بمعنى ان صاحب الثروة تزداد ثروته، أما الفقير فيزداد فقرًا. وفي خضم هذه الفوقية والتحتية تنتج الصراعات - من دون ان نعي النظرية الماركسية – ُونلبس هذه الصراعات حُللا مختلفة وتحت شعارات منها دينية مذهبية (سنة وشيعة، كاثوليك وأرثوذكس)، أو عرقية (البوسنة وصربيا.. حيث النفط)، وكل فئة تستأثر بالثروة وحدها. وهنالك أمريكا صانعة الأسلحة تقيم فئة على أخرى لسببين: الأول تسويق أسلحتها القديمة والحديثة منها، والثاني عملية التفتيت للوطن الواحد، لأنه من السهل السيطرة على دويلات صغيرة، تكون في جيبها في المؤسسات العالمية مثل الجمعية العامة، ومجلس الأمن واليونسكو وغيرها..
* "اللعنة لا تأتي الا من الجنوب"
يقول بنو إسرائيل "اللعنة لا تأتي الا من الجنوب" لان انهيار مملكة إسرائيل، ومملكة يهودا. كان من نقطة الضعف الجنوبية. ان إحقاق الدستور الاخواني في مصر بعد الاستفتاء هو خطوة أساس في حصر الثروة المصرية الموجودة على الأرض وفي جوفها وبحارها وسمائها وطاقات شعبها في يد فئة اتخذت من الدين سُترة للوصول إلى الثروة عبر السلطة، فالمؤسسة الدينية أعتى وأغنى وأقسى مؤسسة تقتل وتفتك وتأكل اليتيم والحزانى باسم الدين وإرضاءً للمشيئة الإلهية. فصكوك الغفران التي أصدرتها الكنيسة في العصور المظلمة اكبر مثال على ذلك، لان نزع الثروة من هذه الثلّة، عملية انتحارية لهذه الطبقة التي لم تعرق ولم تلفح الشمس الحارقة جلودها في الزرع والقطف وفي بناء الجسور والغوص في مياه المجاري، فمنها الداعية، والمأذون، ورافع الأذان، والشيوخ الذين يصدرون الفتاوى في قضايا اجتماعية وسياسية وكل ذلك لا يصدر من المنطق والواقعية، إنّما بدافع الأهواء والعواطف التي في كثير من الأحيان تتعارض مع قواعد ومفاهيم الوطنية وما يترتب عليها. ان استئثار فئة على مقدرات الوطن والشعوب يتنافى تمامًا مع الديمقراطية، التي تنشدها الشعوب العربية تحت عنوان برّاق هو الربيع العربي.
لقد بات الربيع العربي، عملية تنفيس الضغوط والكبت لعقود طويلة حتى جاء "بوعزيزي" وفجَّر هذه الآبار.
* دور مصر
يتقرر مصير الربيع العربي والأنظمة المستقبلية على مصر لأسباب عدة ومنها:
1. مصر اكبر دولة عربية.
2. مصر انشقت عن العالم العربي في كامب ديفيد وهنالك أمل في عودتها إلى الإجماع العربي بعد الانفرادية.
3. موقعها الجغرافي والمعابر بين الشرق والغرب والشرق الأقصى.
4. الثروة المعنوية والحضارية التي تعود إلى الفراعنة والاسكندر المقدوني وبسط الحضارة اليونانية والرومانية، وحضارة التحنيط والأهرامات فهي شاهد تاريخي وحضاري وسجّل للسابقين وإلهام للقادمين والدارسين.
إنه مثير للسخرية – وفي الألفية الثالثة – ان ترى ان هنالك من حَلَقَ ذقنه وأرخى شاربه كعلامة لفئة دينية، وآخر من حلق شاربه وأرخى لحيته كعلامة لفئة دينية أخرى، وآخر يحلم بإمارة تمتلئ بالجواري الحسان اللواتي يرفلن بثيابهن الحريرية فوق سرير ابيض يتنعم بملامستهن في أوقات القيلولة والاسترخاء. ولكن يبقى السؤال: أيها الأمير، تمتطي الفرس وتصول وتجول في الفيحاء!! لكن من أين تأكل وتشرب وتُطعم جموع الجياع؟!!! والأشد حزنًا على ما آلت إليه بعض الجموع، ان هنالك إعلاما ينفث هذه السموم، انه الغباء بعينه، انه الدجل والتدجيل، ونزع فتيل العقل من رأس هذه الشعوب، لتبقى أسواقًا للصانعين وألعوبة في يد المسيطرين، ويسوّقون هذه البضاعة في سوق الجياع والعطاشى إلى المعرفة والعلم.
هنالك من ينتفع – على صعيد دول وزعامات وأفراد – من هذه الردَّة الدينية ويعللون ذلك بإحباطهم من الحضارة الغربية وتقوقعهم في هذه الكهوف، والبعض المتنور يرى في امّه عمياء ترى الشمعة شموسًا تنير عالمهم. فالأموال تنهال على المسوِّقين للأفكار المتخاذلة، لان الدينار والدولار الذهبي يطلق ألسنة ويخرس أخرى كما تتطلب المصالح.
إن العالم العربي لم يُحدث بعد ثورة اجتماعية اقتصادية ثقافية وسياسية حقيقية، تضع الفرد في مركز الأحداث كما فعلت أوروبا التي ثبتت قواعد الديمقراطية عبر النظام وعبر القوننة والدساتير لتضمن حرية الفرد وحقه ومساواته. وما السلطة الا يد تعمل لتحقيق ذلك، ولا يمكن للشرق النهوض الحقيقي العلمي والثقافي والديمقراطي ما دام هنالك أشباح تهدد كيانات هذه الشعوب، وشعوب راضية بقهرها وجوعها.
ولله في خلقه شؤون (قول الغلبان).
