"بناء اليسار".. جسام المَهام ودورنا الهُمام..

single

* خواطر أثارتها مقالة الرفيق هشام نفاع "حين تتظاهر الجبهة ضد الاحتلال مع بعض ممارسيه" ونقاشات اخرى على هامش عملنا السياسي.. *


* أول الكلام: مرحبًا..! *


هذه مقالة أفكر بكتابتها من زمن وأتقاعس، من أشهر، حتى جاءنا الرفيق الصديق هشام نفاع مشاكسا مستفزا، كعادته، مسددا بمقالته الأخيرة (الاتحاد، 8.6.2009) لكمة "نيك أوت" لتكاسلي فجاءت هذه المادة لتبدو وكأنها رد على هشام لكنها ليست كذلك. أو للدقة: إنها ليست كذلك بالضبط، فهي في بعض المواقع ترد على ادعاءاته لكنها في معظمها تتطرق إلى نقاشات مع رفاق وخصوم آخرين أثيرت وتثار على هامش عملنا السياسي.. وقد يكون الخلط بينها ظالما لهشام ونهجه المسؤول فمنه المعذرة مسبقا.
أعود وأؤكد: هذه المقالة ليست اكثر من خواطر على هامش نقاشات أخرى وليس الهدف منها أن تحيط تماما بأي من المواضيع أو أن تضع حدا لأي من النقاشات. العكس تماما. ستكون هذه المقالة قد أدت مهمتها بحقّ لو أنها نجحت بإثارة نقاش نقديّ حيوي بنّاء حول أدائنا وعملنا فتعالوا، كل منا يصبّ ما وسعت يداه من اجتهاد، على الرحب والسعة..
وما دمنا في باب المقدمات، أرى واجبا عليّ "تبرئة الذمة" والإشارة من باب الأمانة إلى أنني أكتب عن شيء قريب جدا مني، ما يعني أنني بريء من الحياد براءة الذئب من دم يوسف، ولأقطع الطريق على المتربصين، إن وجدوا، أقول أن علاقتي بمشروع ما اصطلح على تسميته بـ "بناء اليسار"، يرتبط إلى حد كبير بعملي مساعدا برلمانيا للرفيق دوف حنين. وهو ما اقتضى التنويه.

 

* من نحن، أين نحن، أين وجهتنا وكيف نصل؟! *


قبل الولوج في النقاش العيني، أرى من الواجب تأكيد ما نحن متفقون عليه، ما اكدته هيئاتنا في كل مناسبة ومناسبة، حول هويتنا، مكانتنا، وجهتنا ووسائل العمل. 
نحن، الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، نتحمل مسؤولية كبرى في هذه البلاد، وهي مسؤولية مضاعفة، كوننا القوة المركزية الأولى بين الأقلية الفلسطينية، من جهة، والقوة المركزية الأولى في معسكر اليسار. هذه، بالمناسبة، حقيقة تاريخية سجلناها بالنضالات القومية والطبقية، السياسية والاجتماعية المتواصلة، بالدم والدمع والعرق، وليست الانتخابات الأخيرة، المحلية والبرلمانية، إلا محطة هامة في تصعيد موقعينا هذين بين الجماهير العربية واليسار.
وهذان الموقعان لا يحملان شيئا من التناقض كما يحلو للبعض أن يدّعي، فالحزب ومن منطلق إخلاصه للجماهير العربية وقضاياها في البلاد ولأنه رأى بها بالذات امتدادا طبيعيا وتكامليا لشعبها العربي الفلسطيني ومعركته العادلة من أجل التحرر والاستقلال إلى جانب معركتها من أجل المساواة التامة في وطن لا وطن لها سواه، من أجل هذا كلّه عمل حزبنا على تنظيم هذه الأقلية وتحصينها، وتحدى أطواق العزلة عنها فأصرّت بوعي وإدراك على استغلال مكانتها الخاصة ونقاط التقائها بالمجتمع الاسرائيلي للتأثير عليه ومقارعة الفكر العنصري في خط المواجهة الأول- في وكر الذئب، ومن هنا لم يكن من الصدفة أن تترجم هذه الجماهير انتماءها إلى شعبها بعدة أشكال، منها تشكيل النواة الأصلب في معسكر اليسار الحقيقي في اسرائيل، المناضل ضد الاحتلال والعنصرية والاستغلال الطبقي.
هكذا، فإننا لا نغفل دور حزبنا الشيوعي الذي تفرضه عليه ظروفه الموضوعية إذ يعيش وينشط في حدود دولة تمارس الاحتلال والاضطهاد وترزح تحت الفكر الصهويني العنصري، وهو ملتزم بتغيير هذا الوضع لصالح شعبيّ هذه البلاد، لكن مهمته المركزية تكمن بإقناعه للمجتمع هنا بضرورة إحداث التغيير الجذري. فكيف يكون هذا؟!
الإجابة ليست مطلقة ولا هي غيبية ولا في جيب أحد! الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليلا موضوعيا للظروف التي نعيش فيها وتحديد صريح لواقعنا الحالي وما لا يقل أهمية: تحديد نقطة الهدف. وبناء على كل ما جاء نختار أدوات العمل، هكذا هي الحال في نضالنا العام وفي كل حلبة وحلبة: في البلدية ونقابة العمال والخلية الجامعية.
وأما الظروف السياسية الناجمة في اسرائيل في الأعوام الأخيرة والتي تجلت بكل وضوح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة فتنذر، بحق لا بالمجاز، بتدهور البلاد إلى درك الفاشية، ومن هنا فإن واجبنا يكون أولا، بتعزيز بنيتنا التنظيمية والفكرية كنواة لأي تحرك يساري حقيقي وشجاع وثانيا بناء الجبهة الواسعة لصد ما قد تؤول إليه البلاد من ظروف، وهي جبهة لا أستبعد أن تضم في هذه الأيام المجنونة حتى شخصيات يمينية ليبرالية ضد حملة التشريعات الأخيرة.

 

* معركتنا أهي على المجتمع الاسرائيلي أم معه؟ *


انطلاقا من الظروف السياسية الراهنة، وامتدادا لتطوير الجبهة وأدائها في المجتمع العربي، فإننا نشهد مؤخرا نهضة حقيقية في عملنا في الشارع اليهودي، خاصة بعد ما أفرزته الانتخابات الأخيرة من انهيار لما اصطلح على تسميته بـ "اليسار الصهيوني" وهو مزيج غريب بين مصطلحين متناقضين، اليسارية والصهيونية، أطلق على كل من حمل موقفا "معتدلا" بشأن القضية الفلسطينية حتى إن كانت منطلقاته عنصرية بحتة، ولا يرى أمامه "إلا دولة اليهود" بأكثر مفاهيمها انغلاقا وعرقية، وبغض النظر في أغلب الأحيان عمّا يتطلبه لقب "اليسار" من حامليه على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي.
مقتنا لـ "اليسار الصهيوني" ليس إلا بعضا من مقتنا للحركة الصهيونية وإن التقينا وإياه في إحدى المحطات مقتنا عنده "أنصاف المواقف" ونحن عززنا لدينا الحصانة من أحزابه وحذّرنا المواطنين من الوقوع في شركها، خاصة في زمن "الدو-كيوم" الحمّص-فوليّ الزائف!.. ولكن، هل يعني هذا رفض التعامل مع كل من يعرّف نفسه على أنه صهيوني؟!


هنا سأورد قصة، قد يستغلها البعض للتهرب من النقاش الموضوعي للتهجم على فكرة مقارنة الضحية العربية بالجلاد اليهودي، ورغم إدراكي للفروق ولحساسية المقارنة، أرى أن هنالك الكثير مما نتعلمه من هذه القصة:
القصة تقول: أحد رؤساء السلطات المحلية العربية، كان قد عربد في الجلسة التاريخية لرؤساء السلطات المحلية العربية، عشية يوم الأرض، وحاول بالبلطجة إثناء قائدنا الراحل توفيق زياد عن المبادرة لاعلان الاضراب، كل هذا لا لشيء إلا لعمالته للسلطة، لكنه وبعد الثلاثين من آذار وقف أمام الجمهور وأعلن عن ندمه على الملأ. اعترف بعمالته وتوبته وطلب الانتساب إلى الجبهة، وبعد أشهر جاء إلى قيادة الحزب يقول لها إنه يعرف منتخَب جمهور يرغب بالانضمام إلى الجبهة فرحبت القيادة بالأمر، لكنه أضاف "بسّ هاظ الزلمة وسخ شوي، زلمة سلطة يعني" فضحك الراحل إميل حبيبي وقال له: الغسالة اللي نظفتك ما رح تعجز عنه!"
موقف قيادة الحزب هذا لم يأت من باب التملق لرجال السلطة ولا من باب الحسابات الانتخابية الضيقة، إنما من تحليل صحيح للواقع، فهي التي حاربت بلا هوادة العملاء وعمالتهم لسلطة التمييز العنصري، بل والتي دفعت ثمنا باهظا لما لحقها من اعتداءات هؤلاء العملاء، أدركت أن الكثر من أبناء شعبنا ممن ظلوا أيتاما على موائد اللئام بعد النكبة انجرّوا إلى مستنقع العمالة، بتأثير آلة القمع وغسيل الأدمغة الصهيونية التي أقنعتهم أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لرضا السلطان عنهم ومنع تهجيرهم عن الوطن.. إسألوا سعيد ابن أبي النحس المتشائل عن الثمن الذي دفعه لئلا يطرده "الأدونان" يعقوب وسفسارشك من وطنه. هكذا ظلت الحال عموما إلى أن جاء يوم الأرض فقلب المعادلة وانقلبت مواقفهم معها. هكذا تتطور الشعوب جدليا، تتفولذ في ساحات النضال جيلا بعد جيل وهذا ما أدركه حزبنا الشيوعي في حينها، فيما يروق للبعض أن يروّج عبر الفضائيات أن "الجيل الثالث منتصب القامة" نتاج فكره الأثيري، من خلال تنكر وقح لجيل الآباء ممن واجهوا الحكم العسكري وفرضوا المعادلة الصح: الكف قادرة على ملاطمة المخرز.
الحركة الصهيونية تشغّل نفس آلة غسيل الأدمغة في الوسط اليهودي أيضا، وتعمل على إرضاع الطفل اليهودي من يومه الأول بقيم العسكرة والكراهية للعرب، وتحذره من طرح الأسئلة والخروج عن الإجماع القومي-القبليّ محذرة إياه أنه "إن خرج من الفيللا فسيأكله الجونغل" حسب قاموس وزير الأمن إيهود براك!
وهذا يعيدني إلى مقالة الرفيق هشام، إذ يحذّر من "الانفتاح المبتذل" قائلا "جميعنا في هذا البيت السياسي التقدّميّ الثوريّ العريق نسعى لأوسع جبهة سياسية مناهضة لسياسة الاحتلال والاستعلاء والعنصرية الاسرائيلية. لكن هذا السعي سيصبح انكفاءً خطيرًا في العُمق، حين لا نطالب من يريد مشاركتنا الموقف بحسم موقفه هو: فإما أن ترفض الاحتلال بالقول كما بالفعل فتدعو مؤيديك وأنصارك الى رفض الخدمة في صفوفه، وإما أن تواصل نفاقك، ولكن ابقَ بعيدًا عنّا.. لأنه لا يمكنك الدخول الى خندقنا ببندقيتك، حتى لو كنت تركتها مؤقتًا في البيت، أو المعسكر أو المستودع الى حين يجرّونك ضمن القطيع المحارِب الى الحرب القادمة!"
هذه الفقرة تتجاهل، برأيي، دورنا نحن بجعل "من يريد مشاركتنا الموقف" يحسم موقفه بالاتجاه الصحيح الذي نريده. أحد الحكماء قال ذات مرة "يقولون لي إذا رأيتَ عبدا نائما فلا توقظه علّه يحلم بالحرية وأقول إذا رأيتُ عبدا نائما أيقظته وحدثته عن الحرية.."
الرفيق هشام، يدرك أن "خنادقنا" ليست صالونات مرهفة بالغة الإغراء وأن وصول الجندي إلينا يكون بالنسبة له وللمجتمع تجاوزا للحدود، وهو في الغالب قد يأتينا من نقطة التقاء ضيقة، فهل نقول له إما أن نتفق على كل شيء وإما أن نتنازل حتى عن نقطة اللقاء هذه، أم نتصرف بما يميزنا كشيوعيين من ثقة بالنفس، أن ليست هذه إلا نقطة لقائنا الأول، إلا نقطة الانطلاق ونقول له أنك إن فتحت عيونك جيدا فستلقي ببندقيتك جانبا وتنضم إلينا؟! أعرف، هذه المعركة على المجتمع الاسرائيلي بالغة التعقيد لكنني أعرف ايضا أنها لأنها بهذه الصعوبة، لنا ونحن لها.. إذ من نحن وما هو دورنا إن لم نكن أهلا للمهام الجسام؟! لمقارعة الاجماع وشق جدرانه الصلبة، معززين بما يملكه أصحاب الحق من عناد ومواظبة ونفس طويل؟!

 

* شعاراتنا بين الصحة والحكمة *


قلنا إذن أن معركتنا هي على المجتمع الاسرائيلي ووعيه أمام قبضة الحركة الصهيونية، وأن علينا الحذر من الوقوع في المعركة الخاسرة مع المجتمع، وهذا يتطلب منا الكثير لدى صياغة خطابنا السياسي، ويتطلب منا الأكثر لدى محاولتنا اختزال هذا الموقف بالشعارات، والتي تحتل مكانة خاصة في العمل السياسي.
نحن كشيوعيين، نؤمن أن على الشعار السياسي أن يستوفي شرطين أساسيين: أولا، الصحة والدقة السياسية فمن الخطأ أن نرفع شعارا لرنينه أو شعبيته إن كان يتناقض ورؤيتنا السياسية والفكرية، وثانيا، قدرة هذا الشعار على تحريض الجمهور وتجنيده في المسار الذي نراه صحيحا، وفي كل مرة علينا أن ننظر بنقدية إلى شعاراتنا إن كانت تستوفي هذين الشرطين وفي تاريخ الحركة الشيوعية العديد من الشعارات الصحيحة التي تم التنازل عنها لأنها لم تنجح بتجنيد الجماهير في مرحلة معينة، وهذا مقبول، أما ما لا قبول له فهو تبني شعارات بعيدة عن نهجنا وخطنا، فهذا خط أحمر!
من هذا المنطلق فرأينا أن على شعاراتنا أن تخاطب المجتمع الاسرائيلي وتقنعه بخطاب المصالح، لماذا عليه أن يقول كلمته ضد الاحتلال، العنصرية والفجوات الاجتماعية.
وفي مناهضتنا للحرب على غزة، مثلا، كان هدفنا أن نقود حركة الاحتجاج على الحرب، وأن نوسع هذه الحلقة قدر الإمكان، ليس لنحظى بصورة أزهى في صحف الصباح، إنما لأننا نؤمن حقا أننا قادرون على التأثير، لأننا نؤمن حقا أننا مدينون لأطفال غزة ببذل كل ما نستطيع لوقف العدوان أو حتى لردع قذيفة واحدة!
ومن هذا المنطلق بالذات، لم نكتف في مظاهراتنا ضد العدوان على غزة برفع الشعار المطالب بوقف المجزرة واسقاط الحصار، إنما شققنا سماء تل أبيب بشعارات أخرى، تتحدث إلى المجتمع الاسرائيلي، قلنا "ان الطفلات في غزة وسديروت يردن الحياة"، ليس من باب الرغبة بتخفيف المواجهة، أو الهرولة تحت شعارات "وردية"، إنما لأن هذا الشعار مستخرج من قلب فكرنا الشيوعي. نحن لا نقارن الدمار الهائل في غزة بـ "مصابي الهلع" في سديروت، لكننا ندرك أن مستقبل سديروت مرهون بمستقبل غزة، وكذا مستقبل الطفلات من الطرفين. نحن، كشيوعيين، ندرك أن خطابنا يجب أن يكون مرتكزا على المصالح، علينا أن نخاطب المجتمع الاسرائيلي ونقنعه أنه هو أيضا الضحية، لأننا هذه هي الحقيقةو ولأننا بحاجة إلى صوته بجانبنا ضد العدوان.
الأمر ذاته تكرر وبنجاح في المظاهرة ضد الاحتلال في ذكراه الـ 42 إذ رفعنا شعار "ننهي الاحتلال، نبدأ العيش"، ولعل أبلغ ما في هذا الشعار هو أنه يصح على الفلسطينيين والاسرائيليين، مرة أخرى دون الوقوع في فخ المقارنة، وهو ما تم التأكيد عليه في نص بيان الدعوة للمظاهرة والذي جاء فيه: "الاحتلال وحروبه المتواصلة أدى إلى تبديد ميزانيات هائلة على العسكرة، وفي هذا العام أيضا تخطط الحكومة لتسديد ضربة لميزانيات التربية والتعليم والرفاه لصالح ميزانيات الجيش والمستوطنات، هذه الحقيقة تؤدي إلى الاستنتاج: ننهي الاحتلال- نبدأ بالعيش.
وأضاف البيان "انهاء الاحتلال، يمنح أفقا للفلسطينيين والاسرائيليين للعيش بسلام وبلا حروب؛ انهاء الاحتلال هو الوسيلة لعزل العنصريين والفاشيين. وانهاء الاحتلال القادر على توفير السلام المستقر والشامل فهو: قلع كل المستوطنات، إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وحل معضلة اللاجئين وفق قرارات هيئة الأمم."
وجاء فيه أيضا " بإتمام 42 عاما على الاحتلال الاسرائيلي للمناطق العربية والفلسطينية في حزيران 1967، يسيطر على اسرائيل الخطاب العنيف، العنصري، المناهض للعرب والفاشي، ومصدره الاحتلال المتواصل والمستوطنات. "قانون النكبة" و"قانون الولاء" هما انعكاس لدمار الحريات والديمقراطية في اسرائيل وثمرة سلب 3.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حقوق المواطن والانسان. لذا فمن الضروري إنهاء الاحتلال وانقاذ الديمقراطية."
وأنا أعترف أن الشعارات سابقة الذكر كانت وما زالت صحيحة مقنعة للغاية برأيي وتؤدي الهدفين المركزيين المطلوبين من الشعار. أولم نتعلم في صفوف الشبيبة الشيوعية أن المناطق المحتلة مقبرة كبيرة، إن لم تأت في الجنود على أرواحهم أتت على قيمهم وأخلاقهم؟ ألم نتعلم، نحن الشيوعيين الفلسطينيين الشباب، أن نرفض الانحشار في خانة الضحية واحتكارها وألا نستدر عواطف أحد، إنما أن ننظر إلى الشاب اليهودي بندية ونقول له "أنت أيضا ضحية، فإن جئتني متضامنا "فجميلتك ع حالك" وعد إلى دارك أما إن جئتني شريكا حقيقيا فأهلا وسهلا.."
ولا بأس من التذكير هنا أن رغبتنا بمخاطبة الشارع الاسرائيلي لا تعني لنا البتة التنازل عن الموقف السياسي أو التنازل عنه، وهذا ما كان عندما توجهنا إلى المحكمة العليا خلال العدوان على غزة ضد قرار الشرطة بمنعنا من رفع الرايات الفلسطينية في تل أبيب.
كل هذا وأسمع أحيانا من بعض النشطاء اليهود ممن يعدون أنفسهم "إلى اليسار من الحزب والجبهة"  انتقادات حادة بحق حزبنا الشيوعي، وبعضهم أيضا يتهمنا بـ "الأسرلة" ويدعو إلى اتخاذ مصطلحات حادة حراقة، كما أن بعضهم أخذوا على الشعارات المذكورة أنها "وردية" و"لطيفة في مخاطبتها للشارع الاسرائيلي" البعض أردف وقال أن واجب الساعة يكون بوضع شعارات صاخبة، "منفرّة".
وأقولها صراحة أنني في مرحلة ما كنت أؤخذ بـ "جرأتهم"، وأنا إذ ما زلت أؤمن أنهم شركاء حقيقيون رغم خلافاتنا صرت أقل انبهارا بهم، إذ يهمني السؤال: أين نحن وإلى أين نريد الوصول، وتخيفني الشعارات البراقة الأكاديمية المثيرة و"عوصفة الأدمغة" المنعزلة عن الواقع، هذا إلى جانب ما أعانيه من عقدة النفور من استمناء الشعارات الرنانة التي قد تكون صحيحة إلا أنها في الوضع الراهن لا تسمن أو تغني من جوع وهي بعيدة كل البعد عن توجهنا في الحزب والجبهة، فنحن اخترنا دوما –نكرر المرة تلو المرة- أن ندير المعركة مع الحركة الصهيونية على المجتمع الاسرائيلي وليس مع المجتمع الاسرائيلي، وهذا هو النقش في الصخر، عينه. المعركة التي عبّر عنها قائدنا توفيق زياد في إحدى قصائده إذ صدح يقول بحسّ أممي رائع:


أنا لم أكره يهوديا،
 فكره الشعب لم يدخل عروقي
ويدي ممدودة للشعب، للعمّال،
هم صحبي وإخوان طريقي،
إنما أكره، كره الحُر،
حكما جائرا نشّف ريقي..


ويضيف:


إن يكن حكامه اغتصبوا شعبي وأرضي
فأنا
دائما اوقفت للشعبين،
حتى النصر، قلبي وفمي

 

* بناء على ما جاء: شو مع ميرتس؟! *


في عودة إلى مقال الرفيق هشام نفاع، فإنه يحمل بشدة على تظاهر الجبهة إلى جانب ميرتس، مشددا على أن هذا الحزب الصهيوني يمارس خدمة الاحتلال بمواقفه المخزية خاصة في ساعة الامتحان الحقيقية وتراجعه أمام الإجماع الصهيوني.
اوافق الرفيق هشام في كل ما جاء في مقالته ضد هذا الحزب، ومع ذلك فإنني لا أرى بهذا الموقف ما يعفينا من متابعة ما يعيشه هذا الحزب من تناقضات داخلية لنا دور -إن بشكل مباشر أو ضمنيا- باثارتها وقد يكون لنا دور لا يقل أهمية بحسمها في الاتجاه الصحيح، ولأبدأ بالعودة إلى أحد الأسئلة المركزية التي يطرحها الرفيق هشام، وهو كيف نسمح لأنفسنا بالتظاهر اليوم ضد الاحتلال إلى جانب من ايدوا عدوانيّ غزة ولبنان؟
الجواب بسيط للغاية: في نظرة خاطفة نجد أن قادة ميرتس كأشخاص لم يغيروا من سلوكهم، فمن أيد العدوانين سابقا لم يشارك في هذه المظاهرة، وكل من كان في هذه المظاهرة شاركنا أيضا في المظاهرات ضد العدوانين. فما الجديد؟ الجديد أن التيار الأكثر يسارية في ميرتس صار أقوى بعد أن أدركت الكوادر أن القيادة التقليدية أدت بالحزب إلى الهاوية بسبب التأتأة. فهل نرحب بهم حين يأتوننا متمردين على موقف حزبهم، منعزلين عن كوادرهم ونصدهم حين ينجحون بأن يجروا حزبهم من خلفهم إلى خندقنا؟.. ولا، ليس إلى مظاهرة مائعة المواقف، إنما إلى مظاهرة تخاطب المجتمع الاسرائيلي دون أن تغفل أيا من القضايا الشائكة، من العنصرية والاحتلال إلى الحق بالدولة والعودة..
نجاح يسار ميرتس بجر الحزب كاملا إلى مظاهرتنا هو نجاح لنا. وهنا ربما لا بد من إيضاح قضية هامة: عندما أصدرنا نحن بياننا إلى الحركات السياسية، كانت "شلوم عخشاف" تعد العدة لمظاهرة دعم لخطاب براك أوباما لكنها رفضت ذكر الاحتلال في دعوتها، وأمام تقدم الجبهة بمبادرتها، ونجاحها باستقطاب الحركات اليسارية المختلفة اضطرت هذه الحركة ذات الموارد المالية الهائلة إلى التراجع عن مظاهرتها، ورفضت الانضمام إلينا. هذا، أليس إنجازا ودليلا على أننا نقود اليسار بالاتجاه الصحيح بل ونعزل اليسار الانتهازي؟
وهل هذا النجاح صدفة عابرة أم أنه مشهد بات متكررا، وقد شهدناه أيضا في مظاهرة الأول من أيار الأخيرة، حيث فضّلت ميرتس، مرة أخرى بضغط من كوادرها، وكذلك المئات من نشطاء اليسار غير المحزبين، المشاركة في مظاهرتنا في تل أبيب، تحت راياتنا الحمراء وعلى وقع أوركسترا الشبيبة الشيوعية في أم الفحم، المظاهرة التي انتهت بنشيد الأممية.. هذا علما مظاهرة أخرى انطلقت في نفس الوقت وفي نفس المدينة، بدعوة من حركات الشبيبة الصهيونية، تظللها الأعلام الاسرائيلية وتنتهي بنشيد "هتكفا". مرة أخرى لم يكن هذا تغيرا استراتيجيا في حزبهم إنما هي الكوادر..!
أضيف وأقول: إن فرض هذه الإرادة ليس أمرا عابرا، إنما يندرج ضمن صراع مرير في ميرتس بين ثلاث تيارات: الأول، تيار التملق للإجماع القومي، الراغب بإعادة بناء "اليسار الصهيوني" ولا يستبعد لهذا الهدف أن ينضم حزبه إلى ائتلاف مع "العمل" أو ربما مع متمردي "العمل"، والتيار الثاني ينادي بإبعاد الحزب عن أي تحالف وإعادة بنائه بشكل مستقل وأما التيار الثالث فهو الذي يعمل على زحزحة ميرتس نحو اليسار الحقيقي وتوسيع تعاونها مع اليسار غير الصهيوني وأعتقد أن لنا مصلحة بانتصار التيار الثالث، وأنا لا أقصد انتصارا بمفاهيم "برايميرزية" إنما سياسية، فالتوتر بين هذا التيار وبين حزبه المؤقت ناجم عن خروجهم على الخط التاريخي لميرتس فإما أن ينشقوا عنه وإما أن يجروه إلى موقع آخر، يساري بالفعل.
ومن هنا، فإنني إلى جانب موافقتي مع الرفيق هشام على تهجمه على "ميرتس" أعتقد أن هنالك أهمية لمراقبة ودراسة التحركات الداخلية وإن لسنا نعلم بعد كيف ستحسم الأمور، لكن نشاطنا يسهم حاليا بلا شك بترجيح كفة التيار الأكثر يسارية هناك، وهو تيار، قد يجد له مكانا في جبهتنا، حسبما أفهم الجبهة، وهذا يظل رأيا واجتهادا شخصيا.
بل أزيد وأقول أنني عندما ألتقي بكثر من هؤلاء النشطاء أقول لهم صراحة أنهم موجدون في ميرتس بالخطأ، لكنني اسمع منهم أيضا عن الثمن الذي يدفعونه جراء مشاركتهم لنا بالنشاطات، فالتيار اليميني في ميرتس، والذي يحيا مأزقا جديا اليوم في الحزب يدير حربا شرسة على التيار اليساري، وأعتقد أن قيامنا بصد "يسار ميرتس" بالطريقة التي يقترحها البعض لا تخدم في نهاية المطاف إلا اليمين الذي لا مصلحة لنا بتعزيزه.

 

* "الدعوة إلى التراجع السياسي" ما بين الاجتهاد والخيانة! *


في الحقيقة، ليس النقاش حول صحة عملنا مع ميرتس هو ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة، إنما خروح الرفيق هشام، من الخاص إلى العام، إذ يحذّر من "الانفتاح المبتذل"، ويضيف "من غير المعقول تفهّم الدعوات لتوسيع الصفوف أفقيّا، على حساب التراجع السياسي عموديًا. مَن تغريه اللحظة السياسية الراهنة بوهم "توسيع الصفوف" وبناء "يسار جديد" من خلال ضمّ كل "ما هبّ ودبّ"، إنما يرتكب خطأ سياسيًا جسيمًا. لأنه من السهل دائمًا السير بخفّة في شوارع تل أبيب بشعارات سياسية وردية. لكن الامتحان الحقيقي يحلّ في وقت الشدّة."
إن السؤال حول دورنا وحول الشراكات التي نبنيها هو سؤال استراتيجي من الدرجة الأولى وبحق ويستحق الدراسة والنقاش العميقين، كما تستحق تجربة "بناء اليسار" دراسة نقدية بناءة فهي أمر هام لتطوير عملنا وأدائنا وأعتقد أن مقالة الرفيق هشام تسهم بهذا الصدد إلى حد كبير، وكل تساؤل حول هذه التجربة هو بلا شك في مكانه كون الحديث يدور عن تجربة جديدة، وأما ما لا أطيق الاتفاق عليه مع هشام هو قوله بأنه "من غير المعقول تفهّم الدعوات لتوسيع الصفوف أفقيّا، على حساب التراجع السياسي عموديًا" وذلك لما قد تحمله جملة من هذا النوع من اتهام خطر بالخيانة.
فهل يرى الرفيق هشام وبحق أن هنالك من يدعونا "من النواة الصلبة منّا" إلى التنازل عن مواقفنا السياسية التاريخية لنكون يسيري الهضم؟! هل كان من بيننا من قام وقال أن موقفنا من قضية اللاجئين، مثلا، ليس "جذابا"، فتعالوا نتنازل عنه؟!
إن كان من بيننا من يتصرف بهذه الطريقة ويحاول التلاعب بالمواقف التاريخية لحزبنا وجبهتنا، لا لشيء إلا لتوسيع الصفوف والتملق للإجماع سواء كان الاجماع الصهيوني من جهة أو الرجعي العربي من نفس الجهة، فإنما هو يتلون وينافق ويحاول أن يمسنا بدائه وعلينا فضحه بالمشربح وصريح العبارة قبل فوات الأوان.
ولكن، وقبل هذا، علينا أن نتوقف لحظة عند مفهومنا للعمل الجبهوي، الذي ارتقت به الحركة الشيوعية بشكل فعال وناجع في وجه الفاشية الأوروبية تحت السؤال الكلاسيكي "من يعزل من؟!".
العمل الجبهوي كان دائما مهمة صعبة، فلا أجمل ولا أكثر راحة من العمل مع رفاقك الذين تجمعك بهم وحدة الأفكار والآراء ذاتها، لكن الحالات السياسية المعقدة قد تتطلب منك في بعض الأحيان التعاون حتى مع من كنت تراهم في الأمس القريب أعداء، وجاءكما عدو مشترك أكبر وأخطر، جعلكما تضطران إلى التعاون ولو على مضض. هذه الحاجة إلى التعاون مع الآخرين، أثارت دائما قلق من وقفوا من وراء العمل الجبهوي وحظيت باهتمام جهابذة الفكر الشيوعي ومهندسي العمل الجبهوي وعلى رأسهم ديمتروف ولنين وغيرهما ممن أكدوا أن الحزب بطبيعته، وحزبنا الشيوعي بالذات، يجب أن يعتمد على وحدة فكرية أيديولوجية ثابتة راسخة لا تراجع عنها قيد أنملة، لكن أيضا لا اكتفاء بها على حساب بناء الجبهات السياسية الواسعة.. وهم حاولوا رسم الحدّ ما بين "النقاء الثوري" حتى الإنغلاق من جهة وما بين التنازل عن المواقف الأيديولوجية حتى الانتهازية من جهة أخرى، وهو ما يجب أن نكون متيقظين له دوما خوفا من الانزلاق إلى الانهزامية الرخيصة، وهنا فإنني وبكل الصدق، أدعو الرفيق هشام وسواه: إن كنتم ترون أن بيننا من ينزلق من التراجع المشروع إلى القواسم المشتركة إلى حد التدهور الانتهازي، فتعالوا وارفعوا صوتكم وقولوا الأمور بدقة متناهية وإلا فإيانا وإطلاق التهم غير المؤسسة، ذاك أن هذه التهم الخطرة لا تحتمل الترميز، ذاك أن الفتنة أشد من القتل!
لحظة، لحظة: أأتهم الرفيق هشام بالنميمة؟ حاشا وكلا، فأنا قد هاتفته بعد قراءة مقاله، وككل محادثاتنا كانت محادثة رفاقية ودية وصريحة، هنأته فيها على اللغة المسؤولة في نقاشه الموضوعي الجريء، إلا أنني ما زلت أعتقد أن هذه اللهجة المترفعة عن التعرض الشخصي حتى النبل لا تعفينا من إيضاح كل ما نريد قوله وهو ما وجدته ناقصا في المقالة فلم أجد شرحا صريحا منه لما يسميه بدعوات للتراجع السياسي.
ومع ذلك فإنني ارى لزاما علي التنبيه إلى تكرر ظاهرة مؤلمة مقلقة رغم هامشيتها من محاولات التجريح والتعريض غمزا ولمزا.
أعرف أنه من الظلم لهشام أن أقحم هذه القضية في النقاش معه لكنني أراني مضطرا إلى هذا محذرا من محاولات فرض النقاش من باب التشكيك، وحتى التخوين فهذا تجاوز للخط الأحمر وقد يؤدي إلى المس بالاجتهادات المشروعة ويوصم كل ما هو جديد وخلاق بالبدعة ونحد بهذا من واجب الاجتهاد والاختلاف.


* خروج اليسار من الدار.. *


قبل عام ونيّف، وحين كانت اسرائيل تحتفل بذكرى "أبطالها، ضحايا حرب التحرير" كان لي شرف المشاركة في "أمسية بديلة لتكريم الأبطال الحقيقيين"، وكان الرفيق هشام من بينهم، ليس فقط لموقفه الأصيل الشجاع برفض الخدمة في جيش الاحتلال، إنما لما كتبه وقدمه من أجل هذه المعركة ضد فرض الخدمة الاجبارية عن أبناء شعبنا المعروفيين. بعد تلك الأمسية، سهرتُ وهشام في منزل الرفيق يوآف جولدرينغ، سكرتير فرع الحزب الشيوعي في تل أبيب، وكان محور نقاشنا كيف نطور عملنا في المجتمع اليهودي ونحرره من قبضة الحركة الصهيونية..
تذكرت حوارنا هذا وها أنا أذكره هنا، إذ يستفزني تلخيص المظاهرة في تل أبيب بساعتين ونصف من المشي الخفيف في ظل شعارات سياسية وردية، فرأيت من الصحيح الإشارة إلى بعض النقاط المفصلية في تطور عملنا المضني، بعيدا عن خفة المشي.
تحركنا نحو بناء يسار قادر على طرح بديل قوي، حظي بدفعة نوعية هامة في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث وقف رفاقنا في تل أبيب على رأس المبادرة لإقامة حركة بلدية-محلية جديدة، إسمها "المدينة لنا جميعا" والتي خاضت الانتخابات البلدية على أساس برنامج يساري تقدمي راقٍ وانتخبت الرفيق دوف حنين، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي للوقوف على رأسها وخوض الانتخابات لرئاسة البلدية عنها. حنين والذي لم يحظ إلا بدعم قائمتين: "المدينة لنا جميعا" و"يافا" تمكن من جرف 35% من الأصوات، أي ما يعادل 46 ألف صوت، هذا على الرغم من الحرب الشرسة التي شنتها عليه النائبة شيلي يحيموفيتش وغيرها من أهل "اليسار الصهيوني" والـ "سوتسيال ديموكراتيا" إلى جانب: العمل، الليكود، كديما، المتقاعدين وغيرها من الأحزاب المندسّة في جيب حولدائي.
"المدينة لنا جميعا" نموذج للعمل الجبهوي المثالي، إذ حددت الهدف، صاغته بدقة وانطلقت إلى تحقيقه. البعض يدّعون أن نجاح هذه الحركة لا يعني الكثير، كونها لم "تحكِ سياسة" ولكن هذا اجحاف بعيد عن الحقيقة. الحقيقة هي أن اليمين عجز عن منافسة هذه الحركة وبرنامجها الاشتراكي المتقدم فحاول أن يحرف النقاش عن القضايا الحقيقية الملتهبة التي تقلق أبناء المدينة: الفجوة الهائلة بين الجنوب والشمال، إهمال مدينة يافا، النواقص في جهازيّ التربية والتعليم، المواصلات العامة، الحق بالمأوى وما شابه. اما الحركة فقد أدركت أن اليمين يحاول جرها من حلبة الهموم اليومية للناس إلى حلبة المزايدات والرموز القومجية، وفضلت هي عن سبق الاصرار والترصد وعن وعي كامل الالتصاق بهموم الناس مؤكدة أن هذه هي حلبتها، في الظرف الراهن إياه على الأقل..  فراح 35% للتصويت لمرشحها قائلين "المدرسة والعيادة أهم من نشيد التكفا" أوليس في هذا انجاز وإن متواضع، وخطوة ولو صغيرة على الطريق الصحيح؟!
برأيي أهمية تجربة "المدينة لنا جميعا" لا تقتصر على انجازها الانتخابي، إنما على قدرتها بالربط بين النضالات المختلفة وباحتضان كل نضال عادل وتسييسه واطلاعه على النضالات الأخرى. ما يخدم موقفنا السياسي العام في نهاية المطاف. فهكذا صرنا نرى أهالي "كفار شليم" يتظاهرون مع أهالي يافا ضد طردهم من منازلهم وصرنا نرى من أتى إلى العمل معنا من أجل حديقة عامة في حارته -كانت هي كل ما يهمه في العالم- يتظاهر معنا ضد العدوان!
حاول البعض التقليل من هذه التجربة بادعاء أن ما يحدث في "الفقاعة التل ابيبية" لا يعكس شيئا وان الحديث يدور عن قائمة يهودية بغالبيتها الساحقة، فجاءت حركة "الجامعة لنا جميعا" في الجامعة العبرية لتحمل الكثير من التعديلات بعد تعلم التجربة من "المدينة لنا جميعا" ونجحت بالاثبات أن هذه التجربة ليست عابرة ولا تقتصر على تل أبيب ولا هي أحادية القومية، بل وأثبتت مرة أخرى موقف الجبهة القيادي الرائد في أي عمل مشترك.
نحن من نخرج اليسار من الدار، من ننفض عنه غبار اليأس.. وليس هنالك من يقوم بهذه المهمة سوانا، فنحن القوة اليسارية الأولى في البلاد، ونحن كذلك القوة الأولى بين الجماهير العربية، ونحن من أثبتنا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أننا الوحيدون القادرون على تطوير ادائنا وتوسيع حلقات تأييدنا في الشارعين: العربي واليهودي معا.
تحركاتنا الأخيرة، تثير تخوف وقلق البعض وهو أمر طبيعي، أحد الرفاق سألني خلال احد النقاشات قال "يا أخي ما احنا طول عمرنا نحكي هالحكي، عن الشراكات والجبهات، فلشو التغيير، اليوم؟!" سؤال هذا الرفيق، وإن بدا ساذجا، هام جدا ويضع اليد على الجرح أو بعضه، فبالنسبة للبعض تحولت مواقف حزبنا الكلاسيكية المتكررة في اختتام جلسة كل مؤتمر أو فرع أو حتى خلية، إلى نص ديني يقرأ بطقوس من الرهبة والخشوع ويصير الخروج بها إلى الشارع مع ما يحمل من غبار وضجيج أمرا غير مألوف- لكن هذا لا يعني انه غير صحيح إنما هو عين الصواب..
إنه التعزيز المطلوب لاستراتيجية حزبنا التي رافقته منذ تأسيسه إلا أنه ارتقى بها وطورها بشكل باهر وخلاق، في المؤتمر الـ 18 حيث أعلن عن تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لتضم كل من يوافقون الحزب على النقاط السبع المركزية. وككل الجبهات الحقيقية التي بادرت الحركات الشيوعية إلى بنائها، جاءت هذه الجبهة مبنية على أسس سياسية واضحة بلا حواجز أيديولجية لتكون جبهة المختلفين الملتفّين عند ما يجمعهم من قواسم مشتركة.
وأخيرا، وكمن يرافق التصاعد المبشّر بقوتنا في الشارعين العربي واليهودي، وبالأخص خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بوسعي القول بثقة أن ليس بيننا من يعيش حالة من "الأفوريا" وأن هذه التحركات كلما ازدادت زاد الحرص والحذر وأصبحت الخطوات أكثر دقة وكيلت المواقف بـ "مكيال بيض النمل" ما استطعنا إليه سبيلا!
تفاؤلنا بإحداث شقوق في جدران الفصل العنصري هو تفاؤل حذر عاجز عن إيقاعنا بفخ "الغرور"، فمن لم يطف في الأمس على شبر لن يغرق الساعة في حفنة منه ونحن "المنيبّين" في هذا الحزب، حزب مرج ابن عامر والنصراويات الجآذر، أصبحنا أعصياء على مغريات المظاهر.. لكننا محكومون بالتفاؤل والأمل فحزبنا الشيوعي وجد بالذات من أجل هذه المهام الجسام.. يدنا ثابة ثابتة ويد الظالم مهما ثبتت مرتجفة، وما أنسب مقولة توفيق زياد في هذا الصدد:


"لأني لست كالكبريت
أضيء لمرة وأموت
ولكني كنيران المجوس
أضيء من مهدي إلى لحدي
ومن سلفي إلى نسلي
طويل كالمدى نفسي
وأتقن حرفة النمل
لأن مهمة التاريخ أن يمشي
كما نحن نملي.."

قد يهمّكم أيضا..
featured

قَمْلَةُ التِّيفُوسِ

featured

معركة تستوجب التصعيد

featured

هنيبعل الليبي

featured

لا بدّ مما ليس منه بدّ

featured

مرة أخرى عن المقاطعة

featured

نباتات فاسدة في غابات الفتاوى الدينية

featured

إحصائيات مذهلة حول قتل النساء!!