نباتات فاسدة في غابات الفتاوى الدينية

single
  • لماذا لا تصدر فتوى ضد الجيش الأمريكي، الذي بول جنوده على جثث الشهداء الأفغان، وعلى الذين يحرقون المساجد والمصحف الشريف، وعلى الذين يصادرون الأراضي ويقيمون المستوطنات، وعلى كل رئيس يستخف بمقدرات الشعب ويحد من مقاومته؟!

 

حين دخلت الشعوب العربية مرحلة الربيع الثوري ونفضت غبار الأنظمة السياسية التي وصلت إلى نخاع الفساد، اعتقدنا أن هناك مرحلة جديدة لربيع الفتاوى الدينية أيضا، لأن بعض الفتاوى كانت تستمد نبضها من الأنظمة والقصور ومراكز القرار، وكانت تتساهل وتتماهى مع الحاكم.
وبما أن العالم اليوم صغير جدا وقريب للمرء أكثر، حيث تخرج الفتوى وتتجول في المواقع الالكترونية والإعلام بسرعة البرق، لا بد أن تراقب جيدا قبل خروجها، حتى لا تقع الفتاوى في فخ السذاجة والغرابة والاستخفاف.
وآخر هذه الفتاوى، التي عكست فوضى الفتاوى، فتوى الشيخ عبد الباري الزمزمي، الذي أباح للرجل ممارسة الجنس مع جثة زوجته..! فالشيخ عبد الباري، رئيس "الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النزول"، أكد ان الدين الإسلامي يبيح ممارسة الجنس على الجثث، شرط وجود عقد قران بين الطرفين قبل الموت. وبدأ الخلاف عبر وسائل الإعلام بين بعض علماء الدين، منهم من قال ان الموت يعادل الطلاق، لذلك ممنوع ممارسة الجنس. لكن المعنى ليس بالفتوى الدينية بقدر الفكرة الدنيئة والحيوانية، التي يفكر فيها هذا "الشيخ" ويعطي الضوء الأخضر للممارسة الوحشية.
نعرف ان الفتاوى الدينية جزء من المنظومة الاجتماعية - الحياتية، وانها من إحدى طرق تقويم المجتمع الذي يفلت ويخرج عن السياج الديني، وأسلوب مساعد لشق حياة المرء دون المس بالركيزة الإيمانية والعقيدة الإسلامية. ومع تطور العصر أصبح هناك حاجة إلى فتاوى تلجم وتتدخل وتحد من الارتباك، الذي يعيشه الإنسان في العصور الراكضة نحو التطور والتكنولوجيا. لكن حسب المثل الشعبي "كل شيء زاد عن حده نقص"، فنجد ان عالم الفتاوى الدينية - الذي كان محدودا وضيقا ومحصورا على علماء الدين المتبحرين في الدين، الذين يخرجون الفتاوى بعد دراسة عميقة والرجوع إلى ظاهر النص، ويعرفون أن هذه الفتاوى ستكون ملزمة وحاسمة ومؤثرة وستغير المفهوم العام، وتجبر الكثيرين على تغيير نهجهم الحياتي اليومي، وقد تصل إلى حد المواجهة في بعض المجتمعات – هذا العالم تغيَّر وأصبح إخراج فتاوى نوعا من التحدي لبعضهم البعض، فتحدد مدى المساحة الرقابية التي يتحرك بها رجال الدين في دولهم وتحت حكم الأنظمة، التي أصبح ساعد رجال الفتاوى يشد من سياستهم.
وفي السنوات الأخيرة دخلت الفتاوى الدينية والسياسية ميدان المزايدات وتحولت إلى أسواق، كل سوق يتبع دولة أو يتبع فئة. ودخلت على الخطوط وجوه دينية لا ترقى إلى فضاء فرض الفتاوى، لأنها شبه أمية وتاجرت ببعض العناوين التي تحفظها، واتخذت من بعض المتدينين المتشددين أبواقا لها. واختلط الحابل بالنابل حتى وصل الكثير من الفتاوى إلى عالم الضحك والاستغراب مثل فتوى "إرضاع الكبير"، وغيرها من الفتاوى التي وضعت الفتاوى الإسلامية في حالات الدفاع والدخول في سجالات دينية لا تليق بتاريخ وثراء الأمة الإسلامية.
وبعيدا عن الفتاوى، التي تتصدر يوميا العناوين حتى تحولت إلى عمل من لا عمل له، غرقنا في قضايا دينية لا يصلح تضخيمها وتحويلها إلى حلبات مصارعة بين علماء الأمة الإسلامية، فهناك من يؤيد وهناك من يرفض، ويكون السقوط مدويا حين نكتشف ان هؤلاء العلماء في واد والأمة الإسلامية في واد، ولتتسع الفجوة بين الناس والعلماء. والأمر محزن حين يقع احد رجال الدين أو احد مصدري الفتاوى في بئر الساسة والسياسيين، ويدخل الحاشية التي تكون مجرد الدفاع عن - الزعيم والملك والرئيس. ويستميت في إخراج الفتاوى، التي توافق الرغبات السياسية للرئيس أو الملك، ويصل أحيانا إلى ان يكون ناطقا دينيا لمخططاتهم وتصوراتهم التي يعرف أنها تخالف الشرع والدين والواقع. وتغيب عن باله "كلمة حق في سلطان جائر". نعترف اننا نعيش في فوضى الفتاوى، وعشوائية الوجوه التي تجد في الفضائيات ووسائل الإعلام مجالات لفتح المزيد من أبواب الفتاوى. ولا توجد رقابة على هؤلاء الا إذا دخلوا في محظور السياسات المخالفة للحكومات، وحاولوا السير فوق ألغام الممنوع. أطلقوا فتاوى ضد لاعبي كرة القدم الذين يسجدون على الأرض عند الانتصار. وقد فسر احدهم ان للسجود شروطا مثل الطهارة وستر العورة والاتجاه نحو القبلة. ان لحظة متألقة، تخرج عن انفعال، قد تتحول إلى جريمة في نظر البعض. وماذا يقول هذا المفتي للعائد إلى وطنه ويركع ويغمر وجهه في التراب؟! ولماذا لا يخرج فتاوى ضد الذين يسلبون اعرق المقدسات الإسلامية، وهو مسجد الأقصى، الذي بارك الله حوله، ويتعرض يوميا إلى انتهاكات لدرجة التبول في زواياه وتدنيس بلاطه؟!
آن الأوان أن يخرج علماء الأمة، الذين يحرصون على انضباط الأمة، ويغربلوا الفتاوى ووضع "حجر ديني" على كل من تسول له نفسه إصدار فتاوى وترويجها كما تروج السلع التجارية. فلماذا لا تصدر فتوى ضد الجيش الأمريكي، الذي بول جنوده على جثث الشهداء الأفغان، وعلى الذين يحرقون المساجد والمصحف الشريف، وعلى الذين يصادرون الأراضي ويقيمون المستوطنات، وعلى كل رئيس يستخف بمقدرات الشعب ويحد من مقاومته؟!
نريد من رجال الدين ان يعرفوا ان المسلم الحقيقي هو من ينتصر لأمته، ويرفع من شأنها، ويبرز تفوقها، ويجعل من وجودها ارض كبرياء وكرامة وعزة. فالإسلام يعتز بالرفعة والشموخ، وليس بوضع فتاوى تهين وتذل أمته. والآن نحن في غابات الفتاوى، فهل هناك من يقلع ويقطع نباتات الفساد وينقذنا حتى نصل إلى شاطئ الهدوء النفسي والديني؟! ان الفتاوى الحقيقية هي بمثابة قوانين دينية واجتماعية، وهي جزء من الفقه الإسلامي، لذلك يجب على كل مفتٍ ان لا يعبث بإصدارها ويحولها ميادين للسخرية..!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الرد على قانون الكنيست: نبذ التشرذم حالًا

featured

يوم عالمي للمصافحة..

featured

الغاز الزمان غير المحلولة كثيرة!!

featured

يوم استقلالهم.. يوم مأساتنا المستمرة

featured

عن الخيال والواقع: انقطاع الذهن عن الجسد والذات (7)

featured

دوافــــع تـرامــــب فـــي اتـخــــاذ القــــــرار حــــرّك الــشــــــارع ووحــــــد الشـــعــــــــب