عن الخيال والواقع: انقطاع الذهن عن الجسد والذات (7)

single

*من المهم الإصغاء للجسد خاصة أثناء القيام بنشاط جسدي كالأكل أو الرياضة. أثناء القيام بهذه النشاطات يفضل الامتناع أو التقليل للحد الممكن من إشغال الذهن بأمور خارجية بعيدة عن نشاط الجسد مثل الاستماع إلى نشرة الأخبار أو قراءة جريدة أو الانغماس بمحادثة تشغلنا عن حال الجسد*


الكائنات الحية البدائية، وإلى حد كبير اللبونة منها أيضا، تعيش بشكل غريزي التجارب التي تلتقطها حواسها في كل لحظة. حين تشعر بخطر تهرب وحين تصادف طعاما تأكل وهكذا. إنها تعيش اللحظة والمكان بكل حواسها. دماغ الإنسان هو دماغ مبدع يستطيع بواسطته إبداع واقع متخيل والعيش فيه. بفضل هذه الموهبة يتذكر الإنسان تجارب مضت ويفكر فيها ويتعلم منها ومن ثم يتخيل سيناريوهات مستقبلية تمكنه من اتخاذ قراراته وتخطيط مستقبله. لقد أدرك البرت إينشتاين أهمية القدرة على التخيل مما جعله يصرح: "الخيال أهم من المعرفة". أي أن نجاعة المعرفة تتعلق بقدرة الإنسان على استخدامها للتخطيط والابتكار وصياغة المستقبل.

يمكن لنعمة التخيل هذه أن تتحول إلى نقمة حين يغرق الإنسان في عالم متخيل يؤدي إلى انقطاعه عن إحساسه باللحظة وبالمكان. تنشغل أذهان معظم الناس يوميا في مراجعة ما حدث لهم في الماضي القريب أو البعيد أو التخطيط للمستقبل وتخيل سيناريوهات مختلفة. أثناء ذلك يمر الوقت دون انتباه للتجربة الآنية ودون إصغاء لحال الجسد وأحاسيسه.

من المفيد خلال نشاطنا اليومي أن ننتبه للزمان والمكان الذي نمر به في كل لحظة كأن ننتبه للمشاهد والأصوات ولبقية الأحاسيس التي تلتقطها حواسنا أثناء انتظار الحافلة أو أثناء مرورنا في الطريق أو أثناء شرب فنجان قهوة. إن لم نفعل هذا تمر الحياة علينا دون أن نعيشها.

انقطاع الذهن عن الجسد والذات ضروري أحيانا من أجل القيام بمهمة ما كقطع شارع أو الإصغاء لنشرة الأخبار أو التخطيط لعمل ما. أما حين يكون هذا الانقطاع هجرا متواصلا عما يجول بأعماق نفوسنا وعن أحاسيس الجسد في تلك اللحظة فتكون عواقبه وخيمة على النفس والجسد. من المهم أن ندرك أنه أثناء انشغالنا في العالم الخارجي وانقطاعنا عن عالمنا الداخلي يبقى هذا العالم الداخلي حيا ينبض ويتأثر بما نمر به وبما نتذكر أو نتخيل.

لنفترض أنه على مدار أيام متواصلة ننشغل بهمّ ما. أثناء ذلك تجري عمليات نفسية داخلية وغير واعية ويقوم الجسم بردود فعل مختلفة مرافقة لهذا الانشغال يتخللها إفراز هرمونات ومواد أخرى في الجسم تؤثر على الأعصاب ونشاط القلب والتنفس وجهاز الهضم وجهاز المناعة وغيرها. من المهم ألا نهجر هذه السيرورات الداخلية ونتجاهلها بل هنالك ضرورة لنصغي لها ونكون هناك. أما إذا لم نفعل ذلك فتبدأ أحاسيس الجسد تظهر كلغة من شأنها أن تشد انتباهنا لحال الجسد. أحاسيس تعب أو أرق أو وجع أو ضيق تنفس. هذه الأحاسيس هي بمثابة إنذارات يجب تدعونا للانتباه لعالمنا الداخلي وأحاسيس جسدنا. أما إذا واصلنا الانقطاع والهجر فتبدأ هذه الأحاسيس بالتصاعد إلى أن تتحول إلى عوارض سايكوسوماتية (عوارض جسدية سببها نفسي).

ما يزيد الأمر تفاقما هو أن صاحب هذه الأحاسيس عادة يرى بها مصدر إزعاج يريد إخماده فيزيدها تفاقما.
قلما ينتبه صاحب هذه الأحاسيس إلى أنها جاءت نتيجة انشغال بهمّ خارجي ونتيجة هجر للذات والجسد. المطلوب في مثل هذا الحال هو تدارك الأمر والإصغاء للذات والجسد.

يمكن تشبيه حال الجسد في مثل هذا الحال بطفل يبكي أو يغضب نتيجة ضائقة ما. عندما تكون الضائقة شديدة لا يؤدي تجاهل الوالدان لهذا الطفل إلا إلى تفاقم بكائه أو غضبه. في مثل هذه الحالة يجب على الوالدان الكف عن انشغالهما بهموم الدنيا والانتباه لذلك الطفل واحتضانه وطمأنته. بعد هذا يكون بإمكانهم العودة لمعالجة همومهم. هذا هو المطلوب منا حين يبدأ جسدنا بإطلاق إنذارات الضائقة. علينا ترك كل انشغال والإصغاء له بتعاطف وتفهم. حين نفعل ذلك نلاحظ على الفور انخفاض صوت هذه الإنذارات وبالتالي تهدئة العوارض الجسدية. بعدها نستطيع العودة لمعالجة هموم الحياة اليومية.

من المفيد لصحتنا النفسية والجسدية أن ننتبه إلى ألا نهجر ذاتنا وأجسادنا لساعات طويلة بل ونخصص بضع دقائق كل بضع ساعات للإصغاء لدقات القلب ولعملية التنفس ولحال العضلات والبطن. وحين نلتقط أي إحساس بالتعب أو الوجع أو الضغط علينا أن نصغي له برفق وتعاطف مما يؤدي فورا إلى تهدئته. هذه عملية "دوزان" نفسية وجسدية مطلوبة كل بضع ساعات. حين نقوم بها إنما نحمي صحتنا من جهة ونضمن أن أداءنا يكون كأداء آله موسيقية بعد عملية "دوزان".   

من المهم الإصغاء للجسد خاصة أثناء القيام بنشاط جسدي كالأكل أو الرياضة. أثناء القيام بهذه النشاطات يفضل الامتناع أو التقليل للحد الممكن من إشغال الذهن بأمور خارجية بعيدة عن نشاط الجسد مثل الاستماع إلى نشرة الأخبار أو قراءة جريدة أو الانغماس بمحادثة تشغلنا عن حال الجسد. حين نصغي لعملية المضغ والبلع والهضم أثناء الأكل أو نصغي لنشاط العضلات ولدقات القلب وللتنفس أثناء الرياضة إنما نجعل هذه العمليات صحية ومفيدة.  

يمكن القول بأن عماد العلاج النفسي هو الإصغاء للعالم الداخلي وتفهمه وترتيبه من جديد. تكون هنالك ضرورة لعلاج كهذا حين يسفر المرء بالانقطاع عن ذاته وجسده ويهجرهما دون رعاية وتفهم. أما حين يبقى المرء متواصلا مع أعماق وأحاسيس جسده إنما يحافظ بذلك على صحته النفسية والجسدية.

// نصائح عينية:
أصغ لبضع دقائق لحال الجسد وأحاسيسه
أنتبه خلال النهار للحظة التي تمر بها وللمكان الذي تكون فيه 
   


يتبع: عن علاقة النفس بالعوارض الجسدية

يمكن مكاتبة الكاتب على: psy@marwandwairy.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف نغسل البشاعة عن وجه الوطن؟

featured

"عاش البلد مات البلد"

featured

النازية وصلت للحكم بالانتخابات ومهدّت لجرائمها بسنوات

featured

مسلم وديمقراطي

featured

جوزيف ستيغليتز - «الرأسماليون المجانين»