يُصدِرُ بعض السلفيين بين فترة وأخرى فتاوى غريبة تثير السخرية وتذكرنا بقول أبي الطيّب المتنبيّ "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم" وكان آخرها فتوى الداعية المصري محمد الزغبي الذي اكتشف أن في بطون الإبل شياطين وأجاز أكل الإبل والشياطين والجن الذي في داخلها "فمن الجائز أكلها دون أن يقع ضرر على آكلها".
لماذا يصرّ السلفيون وبعض الجماعات الإسلاميّة على معاداة التقدّم والحريّة والديموقراطيّة والتمدّن؟ ولماذا يفضّلون أن يعيشوا خارج العصر وأن يدعوا المسلمين إلى العودة إلى الماضي السحيق؟ وما الذي يقلقهم من ربيع الشعب العربي في المشرق والمغرب؟
أذهلني محتوى نشرة أنيقة صادرة هذا العام عن "سلسلة بناء عقيدة السلف الصالح - منهج الطائفة المنصورة" والموجهة إلى المسلمين في بيت المقدس وأكنافه وعنوانها "الديموقراطيّة -حقيقتها وحكمها في الإسلام" ويبدو من نص النشرة أنّ كاتبها أو كُتّابها يعرفون معنى الديموقراطيّة فيذكرون "أنّ السيادة حق للشعب الذي ينتخب حكّامه وممثليه وهي مساواة الناس جميعاً في الحقوق والواجبات وتقوم على مبدأ إقرار موقف ورأي الأكثريّة وردّ أيّة نزاع أو اختلاف بين الحاكم والمحكوم إلى صندوق الانتخابات وهي تعني أيضاً فصل الدين عن الدولة ومبدأ الحريّة الشخصيّة للفرد". ويبدو أنّ المعرفة شيء، والخوف منها وتشويهها شيء آخر، فالسادة الكتّاب المشايخ يعلنون بصراحة "أنّ لفظ مسلم ولفظ ديموقراطي متناقضان لا يجتمعان في شخص واحد أبداً" لأنّ الديموقراطيّة "منهج ضال ومنحرف بل أخطر المناهج على المسلمين" وذلك لأنّ هذا المنهج يعني "أنّ السيادة والاحتكام والتشريع حقّ للشعب عن طريق انتخاب الشعب لحكّامه ومن يمثلونه في البرلمانات"، وهذا يتناقض مع نظام حكم الخلافة. فأيّة خلافة يريدون؟ خلافة بني عثمان التي جلبت لنا الجهل والأميّة والتخلّف والاضطهاد والتتريك أم خلافة السفّاح والمنصور، أم خلافة مسرور السيّاف وسيطرة الفرس تارة والترك تارة، أم خلافة يزيد بن معاوية التي دكّت جيوشه المدينة المنوّرة واستباحت أملاك المسلمين وأعراضهم، أم خلافة عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الذي هدم الكعبة وفرض الاحكام العرفيّة والقتل والدمار على أهل العراق وأهل الحجاز، أم هي خلافة الخلفاء الراشدين الصالحين العادلين القصيرة جداً جداً والتي لم تصمد أمام تحديّات عصر الفتوحات والمال الكثير والاقطاعيّات؟
وأمّا عن مبدأ الحريّة الشخصيّة للفرد فيزعمون أنّ هذا المبدأ يعني "أن يفعل المرء ما يشاء من الموبقات والفواحش والمنكرات من غير حسيب ولا رقيب". فهل هناك جهل أكثر من هذا الكلام؟ وهل هناك كذب وتزوير يفوق ذلك؟ كأنّ الدنيا سايبة بدون قوانين وبدون شرطة وبدون محاكم. وأمّا مساواة الناس جميعاً في الحقوق والواجبات فيفهمونها مساواة المجرمين بالصالحين، ومساواة الفاجرين بالخلوقين. كما يعارضون الديموقراطيّة لأنها تعني "حريّة الاعتقاد والتديّن فللانسان أن يعتقد ما يشاء ويتديّن بالدين الذي يشاء "فهم يريدون فرض الدين بالقوّة وبالسيف، مع أنّ الله تعالى قال: "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، وقال أيضاً أنت لا تهدي من أحببت إنّ الله يهدي من يشاء.
الديموقراطيّة تسمح لكم يا أفاضل بدعوة الناس إلى دخول الإسلام وإلى التديّن بالإقناع وبالمجادلة بالتي هي أحسن.
أنا مسلم ديموقراطي، ومؤمن علماني، والعلمانيّة ليست إلحاداً بل هي فصل الدين عن الدولة وعن السياسة. ولن تقدروا أن تعيدوا الشعب العربي إلى أيّام السلاطين، ولن تصمد اراؤكم أمام الربيع العربي الذي ينشد الحريّة والديموقراطيّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة.
