لم تكن ظروف الشعب العربي الفلسطيني في الخمسينيات والستينيات بعد النكبة وأثارها الكارثية على الفلسطينيين، أفضل حالا مما هم عليه الآن، فالجوع والفقر والتمزق وفقدان الهوية لشعب لم يكن لديه رابط واحد سوى المعاناة والقهر وفقدان التوازن والاتزان، ولكن من رحم هذه الكارثة، ومن حجم المعاناة تطلعت أقلية من الشباب الفلسطيني نحو تجارب الشعوب الناهضة في ذلك الزمن نحو الثورة وانتصار حركات التحرر، وساروا على الدرب الشاق فكانت فتح وجبهة التحرير الفلسطينية وأبطال العودة وشباب الثأر وغيرهم من النويات الصغيرة المغامرة التي اندمجت بعد ولادة منظمة التحرير وقفزت الى حضورها النوعي بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، وبعد معركة الكرامة في آذار 1968 التي شكلت محطة نوعية متقدمة على طريق التنظيم والنضال والثورة، مقابل الاغلبية من الشباب، الاكثر نضجًا الذين انخرطوا في صفوف الاحزاب السياسية الاكثر انتشارًا ومقدرة وصفوة المجتمع من خريجي الجامعات، فكانوا مع حركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والشيوعيين، وحركة "الاخوان المسلمون"، وحزب التحرير الاسلامي، والذين انخرطوا بالاحزاب السياسية كانت لديهم حجج قوية كممثلين لتيارات قومية ويسارية واسلامية، اعتمادًا على اقامة الوحدة العربية، أو الاشتراكية، أو الخلافة الاسلامية كمصدر لتحرير فلسطين وأداتها، والاقلية المتواضعة هي التي مالت نحو الهوية الوطنية الفلسطينية والعمل على استعادتها، ونحو وضع برنامج عملها وهدفها المركزي تحرير فلسطين، ولكن الاقلية هي التي نالت الاهتمام الاكبر لدى جموع الفلسطينيين سواء داخل الوطن أو خارجه من أبناء اللاجئين، وبقيت الاحزاب القومية واليسارية والدينية تراوح مكانها، بما فيها التي وصلت الى السلطة، كالبعثيين في سوريا والعراق، والقوميين في اليمن، وحصيلة ذلك أن العوامل الموضوعية المحيطة بفلسطين، لم تكن مؤاتية بالقدر الكافي لتفجير الثورة واستمرارها، ولم يكن العامل الذاتي بالقوة كي يحظى بالالتفاف كما يجب أن يكون، ولكن بعد احتلال 67 ومعركة الكرامة 68 قفز العامل الموضوعي والحوافر النافذة لجعل الاهتمام الجماهيري الفلسطيني بشكل خاص، والعربي المحيط بفلسطين بشكل عام، ليتقدم الى الامام مع تقدم العامل الذاتي وتجذره لدى مخيمات اللجوء والجاليات الفلسطينية المنتشرة، مثلما وفرت الجماهير العربية الاردنية السورية اللبنانية المصرية حاضنة لفعل الثورة الفلسطينية والتضامن معها واسنادها.
لم تكن تلك الظروف أفضل حالا مما هي عليه الآن، بل كانت من السوء والانحدار لجعل الحديث عن تحرير فلسطين والصمود والانتصار نوعًا من العبث أو الحلم أو مرادًا بعيد المنال، مما هي عليه الآن.
والآن لا شك أن تفوق المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، وانحدار الوضع العربي في حروبه البينية، وتشتت العامل الدولي بمهام ومصالح مختلفة لها الاولويات، وفي طليعتها مناهضة الارهاب ومعالجة قضية اللاجئين بما يفوق الاهتمام بالوضع الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي.
ومع ذلك ثمة حقائق بدت خارجة عن الرغبات الذاتية لدى هذا الطرف أو ذاك تشكل عنوانًا للصراع وأداة له، ودوافع لاستمراريته وأبرز هذه الحقائق هي:
أولًا: وجود الاغلبية الفلسطينية المنظمة على أرض وطنها فلسطين، الذين لا وطن لهم غيره، فالعامل الديمغرافي هو العنصر الثاني بعد الارض في تفجير الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فاذا استطاع المشروع الاستعماري الاسرائيلي احتلال كل الارض الفلسطينية بسبب التفوق الذاتي، ودعم الطوائف اليهودية المتنفذة، وتبني الولايات المتحدة القوة الاعظم للمشروع الاسرائيلي، فقد فشل الاسرائيليون ومن يدعمهم تشريد كل الفلسطينيين عن وطنهم، حيث يعيش ويستقر الآن أكثر من ستة ملايين عربي فلسطيني على أرضهم وفي بلدهم، في مواجهة ما يقارب سبعة ملايين يهودي اسرائيلي، وبهذا العامل الديمغرافي الاساس، تم وسيتم احباط استكمال نجاح المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي الصهيوني اليهودي على أرض فلسطين، على كاملها أو على الجزء الاكبر منها.
ثانيًا: أما العامل الثاني لفشل المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي فيتمثل بعدم قدرة سياستهم وبرامجهم واجراءاتهم العنصرية العدوانية من كسب حتى ولو شريحة واحدة من بين صفوف الفلسطينيين، لا في مناطق الـ 48، ولا في مناطق الـ 67، على الرغم من وجود عدد من الجواسيس والعملاء والاذناب، ولكنهم لم يتمكنوا من تشكيل شريحة متجانسة تقبل بالاحتلال وترضى به وتتعايش معه، ليس فقط بسبب تعارضها الوطني والقومي والديني مع مشروع الاحتلال، بل لأن مشروع الاحتلال لا يريد شريكًا على أرض فلسطين، ولذلك وعلى الرغم من مشاريع السلطات لتمزيق الفلسطينيين في مناطق الـ 48 بين عرب ومسلمين وبدو ومسيحيين ودروز ولكنه فشل في كسب ود أي شريحة تقسيمية من هؤلاء لصالحه والتجانس معه، حتى ولو كسْب أفراد من بين صفوفهم، ولذلك الحصيلة واضحة صارخة بائنة رفض كل طبقات وشرائح ومكونات الشعب الفلسطيني سواء من عاش تحت الاحتلال منذ سبعين سنة عام 1948، أو منذ خمسين سنة عام 1967، وما حصل في مناطق الـ 48 في قرى أم الحيران والعراقيب ومدينة قلنسوة والعشرات من القرى المماثلة، اضافة الى ما يجري في القدس والغور وقلب الضفة وعزل المناطق عن بعضها البعض، ما يؤدي الى تعميق العداء بين الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني الديمقراطي، في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي، ما يوفر استمرار الارضية الكفاحية لمواصلة النضال حتى يتم دحر الاحتلال وازالة الظلم، واستعادة الفلسطينيين كامل حقوقهم على أرض وطنهم .
ثالثًا: يمتلك الفلسطينيون عوامل التعددية، ما يوفر لهم مناخًا جبهويًا من التفاهم وتوسيع حجم النضال وتعزيزه، فوجود فتح وحماس والشعبية والديمقراطية والجهاد والشيوعيين والقوميين والمستقلين، يمنع التفرد والتسلط والرؤية الاحادية، وهي ملكة يتفوق بها العدو الاسرائيلي وهي أحد مصادر قوته، وتمتلكها الحركة السياسية الفلسطينية ولكنها تقع تحت طائلة التمزق والانقسام مما يستوجب توظيفها لصالح التعددية والتحالف الجبهوي وتوسيع قاعدة الشراكة واسقاط التفرد الفتحاوي أو التفرد الحمساوي، أو الثنائية بينهما.
رابعًا: يمتلك الفلسطينييون السلاح السياسي الاقوى المجسد لحقوقهم والمعبر عن تطلعاتهم وهي قرارات الامم المتحدة، وجميعها مهما بدا من تسجيل ملاحظات عليها، ولكنها منصفة لصالح الشعب الفلسطيني ولهذا ترفضها كل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بدءًا من قرار التقسيم 181، وقرار حق عودة اللاجئين 194، وقرار الانسحاب وعدم الضم 242، الى قرار الاعتراف بالدولة 67/19 عام 2012، الى قرار رفض الاستيطان 2334، ما يدلل على أن مقومات النضال متوفرة وأدواته ودوافعه كذلك، ولكن المشكلة الاساسية والجوهرية تتمثل بالانقسام والتفرد والاحادية وهي مرض الفلسطينيين واستمرار ضعفهم أمام عدوهم المتفوق، فهل من معالجة ؟ هل تستطيع اللجنة التحضيرية بمكوناتها التعددية معالجة هذه المشكلة؟