القاطرة البخارية ... والثورة الصناعية

single

القاطرة البخارية كانت بداية  الثورة الصناعية  التي غيرت وجه العالم وما زالت تغيره  كل يوم الى الآن . نقلت المجتمعات الانسانية  من مجتمعات  مُتخلفة اقطاعية مَلكية  استبدادية  الى أخرى برجوازية عمالية وغيرت كلية البناء الفوقي والبناء التحتي  خصوصا في بدايتها  في القارة العجوز. هذه الثورة الاقتصادية الاجتماعية كانت  الكبرى والأهم من كل الثورات وقد غَيرت الفكر الانساني والفلسفة ومَهدت الطريق للفلسفات  العلمانية المادية  ما قبل ماركس  والماركسية  والوجودية من بعد .
الماركسية التي وجدت وتَطورت على نتاج الثورة الصناعية لم تقف عند فهم العالم فقط بل عملت على تغييره. 
لقد جَرت الماركسية معها  ثورات كبيرة أهمها ثورة أكتوبر 1917  التي غيرت وجه العالم السياسي والاقتصادي والفكري الفلسفي. لا يمكن اليوم حتى لعتاة مفكري الرأسمالية الانكار  أن الماركسية  ساهمت في جعل  المجتمع أكثر انسانية  على الأقل  في أوروبا، حيث أصبحت تعيش  في مجتمع أكثر عدالة وتضامنا وبذلك تدين أوروبا المُتطورة اليوم لماركس ولكل  الحركة الشيوعية عبر التاريخ.
الثورة الصناعية الأوروبية في بدايتها كانت نتاجا وسببا في نفس الوقت للثورات البرجوازية التي حولت أوروبا كلها الى جمهوريات متطورة اقتصاديا وفكريا، وقد تجلى  هذا الحدث عام 1848 الذي سُمي بحق ربيع الشعوب الأوروبية. كان ربيعا  حقيقيا غيّر مسيرة البشرية هناك ومن ثم في العالم كله . في ذلك العام  تخلصت أوروبا من الملكيات والاقطاعيات المُتخلفة وأسست جمهوريات ديمقراطية حقيقية. لا يمكنا أن نقارن الربيع ذاك بما  يحدت  عندنا فالحدث هنا معاكس  لمادية التاريخ وجدليته ويريد أن يعود بمجتمعاتنا المُتخلفة في الأصل الى أخرى أكثر  تَخلفًا ربما الى مرحلة ما قبل الحضارة الانسانية. المثير في الأمر أن الجمهوريات الأوروبية تلك  تساهم في تدمير مجتمعاتنا بحقد استعماري  عنصري  لطخ حركة التاريخ الايجابي للتطور الأوروبي ومساهمته في حداثية العصر الذي نعيشه الآن.
تلك القاطرة غَيرت مَسيرة وصَيرورة البشرية ولكنها للاسف لم تمر في الأرض العربية التي رزحت  تحت الحكم العثماني السلجوقي المتخلف  البغيض.
لم  تقف القاطرة في محطات تاريخنا ولم تتغير مفاهيمنا  الاجتماعية والسياسية والفكرية وبقينا نحن العرب  أشباه دول قبلية طائفية استبدادية اقتصادها كان وما زال ريعيا متخلفًا اعتمد على التجارة وفي الغالب عملية الشراء لا البيع.  تُركت مجتمعاتنا فريسة سهلة للاسلام السياسي التكفيري بكل أشكاله الذي زاد من عزلة مجتمعاتنا وتخلفها وافراغها  من مضمون الحداثة الحاصل في عالم اليوم. ما زلنا لا نصنع غذاءنا وسلاحنا ونعتمد على الغير في  هذه المسائل الوجودية في عالم شرس لا يعرف الا لغة القوة.  أبقينا سوقنا لبضائع الغرب الاستعماري وتدخلاته عبر التاريخ في شؤوننا كلها وواقعنا وحلمنا ومَنعنا من التطورعلى سبيل المثل لا الحصر كالصين ودول جنوب شرق آسيا وايران. في كل هذا المَعمعان علينا أن نستثني سوريا التي صنعت سلاحها وغذاءها وحضارتها التي صدرتها الى العالم  قبل الثورة الصناعية الأوروبية بآلاف السنين.  
عندما كانت سوريا  تصدر الحضارة والبضاعة  الجاهزة والسلاح  وتملك اسطولا  تجاريا كانت  أوروبا ترزخ  في الظلام وتضاء من زيت الحيتان المغدورة. الشعوب مع  الثورة التقنية الحاصلة اليوم قادرة أن تحدث  ثورة صناعية حداثية  تُخرج  الشعوب حقيقة  من الظلمات الى النور.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"إذا قل ماء الوجه قل حياؤه"

featured

نهاركم كنافة.. ومقاومة

featured

السنة الدراسية الجديدة...مشاكل معقدة وحلول مؤجلة

featured

إذا خفت لا تقل وإذا قلت لا تخف

featured

قليل من المعرفة وقليل من المنطق لمعرفة الحقيقة

featured

سميح القاسم: المقيم الابدي في موقع القلب عند ضفة بيت الشعر الفلسطيني

featured

ملاحظات على ميزانية بلدية الناصرة

featured

أجبروا بخاطر المستورة!