"إذا قل ماء الوجه قل حياؤه"

single

هذه عبارة تتردد بين الحين والآخر، بين الناس، وبين مجموعات وعائلات وأفراد وأفراد، وكثيرون من يعون معناها، ويفقهون أبعاد هذا المعنى بجوانبه الكثيرة ومعانيه المتعددة، يقومون بدورهم في المحيط الذي يعيشون فيه، وربما يؤدي أداء هذا الدور إلى تحسن ملموس وملحوظ في عدة نواحٍ في حياتنا اليومية وعلى الغالب تكون نتائج ايجابية وبناءة، فبارك الله في أمثال هؤلاء الذين يستحقون الثناء والتقدير.
وكذلك كثيرون يفهمون معنى هذه العبارة جيدا، إلا أنهم لا يقومون بأداء أي دور في هذا السبيل، وكأن الأمر لا يعنيهم، أو كأنهم خارجون عن محيطهم، أو لا ينتمون إليه، ويتركون الأمور على عواهنها دون اخذ زمام المبادرة في أي مجال للتوجيه أو للتنبيه والتحذير، فيترتب على أمثال هؤلاء إعادة النظر في هذا الموقف، لأنه ينطوي على حيثيات قد تتمخض عنها سلبيات اجتماعية عاجلا أم آجلا، وهنا لا يهم الوقت طالما النتيجة ستكون واحدة.
وقد تصادف أناسا آخرين ومن نوع آخر بعكس ما سلف ذكره، فهم.... نعم هم يفهمون هذه العبارة جيدا، ويعرفون أبعاد معانيها المتنوعة، إلا أنهم يضعون ضمائرهم في ثلاجة، وتخمل جلودهم، وكأنهم في كثير من الأحيان لا ينتمون إلى الأسرة الإنسانية في تصرفاتهم كيف ما نهجوا وأين ما حلوا، في أمر هؤلاء علينا ان نفكر مليًّا، وندقق في الدراسة الذاتية لأمورهم، ونعمل جميعا يدا بيد وبكل صدق وإرادة وتصميم، وبتضافر جميع القوة لكبح جماح هؤلاء ليس لسبب واحد فحسب، وإنما لأسباب يصعب حصرها لكثرتها ولما تحتوي عليه من أخطار هدامة، من تصرفات غير اجتماعية، بعيدة كل البعد عن الواقع وعن الإنسانية وعن حقيقة التعامل الإنساني، في هذا الظرف ينبغي إيقاف هؤلاء عند حدهم لان أمثالهم لا مكان لهم مطلقا في المجتمع الإنساني.
    فالمجموعة الأولى تعرف وتميز وتقدر عاليا احترام النفس واحترام الغير وتتحلى بماء الوجه الذي يتمثل بالحياء، وبالشرف، وبالناموس، وبالذوق السليم والاتزان الإنساني والأخلاقي، وليونة الجانب، وحسن الاستماع والإسماع، وتحتضن هذه المجموعة بين ذراعيها أناسا من ذوي الكرامات، أناسا من ذوي المسؤوليات، أناسا تهمهم مجريات أمور مجتمعهم، يعرفون أين تكمن سلامة ونقاوة محيطهم،  منهم رجال دين ووجهاء دنيويون، ومنهم أصحاب المهن الحرة وذوو المناصب الرسمية والجماهيرية، هؤلاء هم ذخر للمجتمع، يقاومون كل اعوجاج بحنكة وقناعة ذاتية نظيفة وحقيقية، هؤلاء هم الذين تكتنز وجوههم بماء الوجه والحياء ويعرفون حدودهم، ولن يضمحل ماء الوجه في محياهم ابد الدهر.
أما المجموعة الثانية فتختلف كثيرا عن سابقتها، لان الإنسان الذي خلق في هذا الكون، ولا يقوم بدوره كانسان في الدرجة الأولى، ولا ينفع نفسه وبدون ريب لا ينفع غيره، ولا يبادر يوما إلى استغلال إمكانياته أو قدراته للعمل الأفضل ولزرع روح المبادرة والنشاط في نفوس الناس، فتراه راقدا لا فيه ولا منه فائدة، هذا الصنف من بني البشر يجب تحريكه وحثه وبشكل متواصل دونما انقطاع لأنه في ذلك تنم الوجوه عن قلة الماء نوعا ما، وعندها تكون بداية قلة الحياء.
المجموعة الثالثة التي تعتبر معقلا للشر، ومرتعا للانحرافات ومنبعا للشذوذ في قلة الحياء، وفي الوقاحة، والكذب الذي يعتبر اكبر عدو للبشرية بدْءًا من الفرد الواحد انتهاء بالمجتمع الإنساني، هؤلاء لا يعرفون مياه الوجه ولا يخجلون من شيء، وقد يتفاخرون بالسيئات التي يقومون بها، أو بالتصرفات اللااخلاقية، فوقاحتهم قد تستمد في بعض الأحيان من حقدهم وخبثهم واعوجاجاتهم، وقد لا يكترثون بما يسمعون أو بما يصادفون من انتقادات لاذعة فتخمل جلودهم، وقد تتجمد مشاعرهم، وضمائرهم لا محرك لها ولا حول لها ولا قوة، هذا كله نابع من قلة ماء الوجه الذي يعمل على طرد الحياء ودفن المروءة، فلا تهم هؤلاء نتائج أفعالهم السيئة والحاقدة، فهؤلاء هم عالة على المجتمع ومرض خبيث فيه ينبغي اقتلاعه من الأعماق.
وعليه يترتب على المرء بكل آن وفي كل مكان ان يتمثل بالمجموعة الأولى ان يعمل جاهدا على اتباع طريق الإنسانية الخلاقة والتصرف اللائق لتنمية وتقوية وتدعيم الايجابيات والمبادرات لأعمال الخير لما فيه مصلحة المجتمع عامة والا يكون في موضع لا يحسد عليه، ينتقده الكثيرون وقد يتبرأون منه ويرددون "إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ".



(أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عربدة إسرائيلية وتواطؤ عربي

featured

لمنع عزل جماهيرنا

featured

إيّاكم واليأس، فاليأس قاتل

featured

كارل ماركس وترسانته المفاهيمية

featured

نداء من عقلي وقلبي لبنات وأبناء شعبي

featured

نحو مبادرة فلسطينية ناجحة

featured

في المسأَلة العلمانية، كمَنْزِلَةٍ بين مَنْزِلَتَيْن..