مبادرة الرئيس محمود عباس أمام المجلس المركزي الفلسطيني يوم 16 آذار، سواء كانت جادة او تكتيكية ، فهي ضرورية وهامة ، من رأس الشرعية الفلسطينية ، في رام الله ، نحو قادة الانقلاب في غزة ، لإحراجهم وحشرهم في زاوية العزلة والانحسار ، بعد أن فقد سلاح الانقلاب مبرر إدانتهم ورفض التعامل معهم .
فالولاية الدستورية للرئيس المنتخب ، انتهت ، والولاية الدستورية للمجلس التشريعي انتهت كذلك ، والذي أمد الرئيس والمجلس التشريعي ، فرصة تمديد ولايتهما هو المجلس المركزي الفلسطيني نفسه في دورة أعماله السابقة ، حيمنا مدد للولايتين بعد نقاش قانوني وسياسي وبرجماتي ، أقر المجلس بعده مرغماً على تمديد الولايتين للرئيس وللمجلس التشريعي معاً ، رغم تحفظ بعض أعضاء المجلس المركزي وعدم رغبة البعض الآخر .
مبادرة الرئيس محمود عباس تستجيب للمصالح الوطنية العليا للشعب العربي الفلسطيني ، أولاً . وتستجيب لمنطق العصر والديمقراطية في الاحتكام لصناديق الاقتراع عند الخلاف والصراع والتباين ، ثانياً . وتستجيب لروح الثورة الشعبية العربية كما حصل في تونس ومصر وليبيا ، في أنها ضد الحزب الواحد واللون الواحد والقائد الواحد ، وأنها تنتصر للتعددية وتداول السلطة ونتائج صناديق الاقتراع ، ثالثاً .
مبادرة الرئيس ، لزيارة قطاع غزة والاتفاق على تشكيل حكومة من المستقلين تعمل على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ، قافزاً عن مسألة الحسابات الأمنية ودمج مؤسساتها ، ليبقى الحال على حاله ، بعد إجراء الانتخابات ، وتعميق التعاون والثقة والقفز عن مخلفات الانقلاب باتجاه التعامل الواقعي مع تداعياته وآثاره تحاشياً للتعطيل والإعاقة .
حركة حماس استجابت بحذر للمبادرة ، وبخجل رحبت بخطوة الرئيس لزيارة غزة، وتوقفت عند الشكليات والإجراءات ، وكأن مضمون المبادرة وجوهرها القائمة على التراجع عن الانقلاب وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة لا يعنيها .
حركة حماس لديها من الأوراق والأوهام والرهانات ما يجعلها ترفض مضمون مبادرة الرئيس الفلسطيني بدون تردد ، وبدون ندم .
فعلى الصعيد الفلسطيني ، تملك ورقتين لا تملكهما حركة فتح وهما :
1- نتائج الانتخابات التي أعطتها الأغلبية البرلمانية ، ولذلك ستواصل التمسك بها ولن تتنازل عنا .
2- نتائج الانقلاب الذي أعطاها فرصة التحكم منفردة بإدارة غزة ، ولذلك إذا لم تحصل على نتائج من الوحدة يوازي ما أعطاها الانقلاب فلماذا تقبل التراجع بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة ؟؟
وعلى الصعيد العربي تملك حركة حماس ، دعم وسند أكبر وأهم حركة سياسية عربية ، عابرة للحدود، هي حركة الإخوان المسلمين ، تشارك في الحكم في أربعة بلدان عربية هي الصومال والسودان والجزائر والعراق ، وتقود المعارضة من موقع القوة في عدة بلدان عربية ولو جرت انتخابات نزيهة في هذه البلدان قد تحصل على الاغلبية البرلمانية وفي مصر والأردن وسوريا واليمن ، إضافة إلى الكويت والمغرب .
وبعد الثورة الشعبية ، تعزز دور الإخوان المسلمين ، ففي مصر كانت حركة مطاردة، وبعد انتصار الحركة الشعبية وإسقاط نظام حسني مبارك ، تم الإقرار بوجودها، وسيصار إلى الإعتراف بها كحزب سياسي شرعي بعد إقرار التعديلات الدستورية ، وفي الأردن ، قاطع جلالة الملك الإخوان المسلمين عشر سنوات ، وها هو يدعوهم إلى الجلوس على طاولته ، وسيكون لهم شأن في الحياة السياسية الرسمية الأردنية خلال المرحلة المقبلة ، وهذا ما تراه حماس أنه رصيد إضافي لها ولشرعيتها وقوة نفوذها ، باعتبار حركة الإخوان المسلمين المرجعية الفكرية والسياسية والحزبية لها .
وعلى الصعيد الدولي ، تتطلع حركة حماس ، نحو واشنطن وأوروبا ، وتجد بعض المنافذ للتسلل ، لشرعنة وجودها وتعزيز الاعتراف بها ، سواء عبر تسوية إيرانية أميركية ، أو التحسن في العلاقات السورية الأميركية، أو عبر التفاهم التركي الأميركي، ولذلك تجد حماس أن ما لديها من أوراق ، يمكن تقديمها لواشنطن مباشرة ، أو عبر طهران أو دمشق أو أنقرة أو حتى عبر الدوحة ، وليس عبر أبو مازن و "منظمته " و"سلطته" ولذلك لن تستعجل الخطى للحصول على الشرعية التي تفتقدها ، كي تحصل عليها عبر فتح أو عبر منظمة التحرير ، أو عبر السلطة الوطنية ، خاصة أن هنالك من يقول من داخل المنظمة ومن داخل السلطة " أن لا انتخابات بدون وحدة ، ولا انتخابات بدون غزة " ، فهم بهذا يقدمون ورقة السيادة الفلسطينية ، وورقة القرار الفلسطيني ، هدية مجانية لحركة حماس ولقرار حماس ، تعزيزاً لقوة حماس ، ونفوذها السياسي !!
إذن مادام لا انتخابات رئاسية وتشريعية بدون قرار حماس ، فما هو الحل للتراجع عن الانقلاب وإنهاء الإنقسام واستعادة الوحدة باعتبارها الضرورة والأداة لجلاء الاحتلال ونيل الاستقلال ، حيث لا دولة ولا استقلال ولا هزيمة للمشروع الاستعماري الإسرائيلي المتفوق بدون هذه الوحدة .
لم يعد ممكناً التراجع عن الإنقلاب ، وإنهاء الإنقسام واستعادة الوحدة ، بقرار ذاتي ، سريع وشجاع ، بل هذا يحتاج لخطوات إجرائية ، وتحولات سياسية ومناخات جديدة ، يمكن أن تتم بشكل تدريجي من أجل خلق عوامل الثقة بين الجانبين ، بين الطرفين ، بين السلطتين ، بين الشرعيتين ، بين فتح وحماس ، بين رام الله وغزة ، والفاتحة لذلك هي الانتخابات البلدية ، وليس الانتخابات الرئاسية والتشريعية ، فالانتخابات البلدية يمكن أن تتم برضى الطرفين ، ولدى الطرفين وبدون المساس بمصالح ونفوذ الطرفين والمؤسستين وجهاز الأمن لدى الشرعيتين .
يمكن إجراء الانتخابات البلدية ، بما يسمح لحرية الحركة السياسية والحزبية والجماهيرية لحركة حماس في الضفة ، كما يسمح لحركة فتح أن تتحرك بشكل مماثل في قطاع غزة ، ويمكن أن تنجح وتشارك حماس في بلديات الضفة كما تسمح لفتح بمشاركة مماثلة في بلديات قطاع غزة ، وبالتالي تسمح للشراكة الواقعية بين الطرفين في مؤسسة مدنية واحدة في شطري السلطة الفلسطينية ، مما يوفر فرصاً للثقة والشراكة الواقعية تأذن لتمديدها كي تصل إلى ما هو أبعد وأعمق وأرقى من شراكة المؤسسات البلدية والسلطات المحلية ، بعد أن تصبح الانتخابات البلدية نموذجاً تحتذى في حال نجاحها.
إن أهمية إجراء الانتخابات البلدية في الضفة والقدس والقطاع ليس فقط ، ولادة الشراكة بين الطرفين ، بل يسمح للاتصال الفلسطيني الفلسطيني لأن يكون واقعياً ومباشراً بعد فشل الوساطات العربية والإسلامية في تحقيق شروط التراجع عن الانقلاب وإنهاء الإنقسام واستعادة الوحدة .
h.faraneh@yahoo.com
24/3/2011
