بعد صلاة العشاء والتراويح عرّج على دارنا القريبة من الجامع الصديق حسين الطه ابو علي.
وهو من الذين يؤمنون انه لا تناقض بين الدين الذي يدعو في جوهره الى مقاومة الظلم والظالمين والى العدالة الاجتماعية، وبين الالتزام بالخط الوطني الكفاحي التقدمي المنظم. ومن هذا المنظور فانه لا يخفي موقفه الحازم ضد التعصب الديني والطائفي، ضد الاصولية الدينية السياسية التي تمزق وحدة الصف الوطنية الكفاحية للجماهير العربية في بلادنا وعالميا. ومعروف عن ابي علي انه "نقّاق" ايجابي كثير الانتقادات والتذمر لا تفلت من لسانه لا شاردة ولا واردة سلبية الا ويلسعها بقرصة وبقذيفة مباشرة. ما ان استراح واخذ واجبه من القهوة والقطايف المحشوة بالجوز وبالجبنة حتى اطلق الحرية للسانه قائلا: يا صديقي الله يستر على شعبنا من مظاهر التبذير الفارغة، اصبحنا ضحايا السوق الاستهلاكية وصرنا مثل "بلبع، الواحد بوكل ما بشبع"، يغرق في الدين حتى لا يظن جاره انه افضل حالا منه . حتى نقوم بواجبات شهر رمضان الكريم استلفت من البنك قرضا بستة آلاف شاقل. المستورة حرمتي ام علي تملأ طاولة الفطور باصناف عديدة من المأكولات والمشهيات، دجاج محشي وصينية ستيكات لحمة خروف مطبوخة بالفرن، وبطاطا مقلية ورز مع الجوز واللوز واصناف متعددة من السلَطة، هذا غير الشوربة والتحلاية بالقطايف والكنافة والنمورة، مأكولات من النادر ان يشرّف بعضها سفرة مائدتنا خلال السنة، نساؤنا اصبحن اشطر من قلم المخابرات في استقاء الاخبار عن ماذا تحضر الجارات من عشاء على الفطور، صحيح ان اولادنا الخمسة واحفادنا وانسباءنا يأكلون بشهية حتى تنتلي الحواصل وترتخي المفاصل. قد ما نقّيت على ام علي ان تتقي الله وجيبنا المخزوقة وان المبذرين اخوان للشياطين وان تستر عرضنا، قد ما نقيت حضرت على فطور يوم امس الاول صينية معكرونة بلحمة وطنجرة مجدرة ومهلبية وبحتة الارز مع حليب وسكر" تحلاية، اولادي كل واحد منهم صار بوزه طول شبر، بالغصيبة وبدون نفس اكلوا المعكرونة ولكنهم لم تقرب اياديهم المجدرة. قلت لهم اجبروا بخاطر المجدرة غذاؤنا الشعبي منذ الازمان الغابرة. صحيح قول المثل الدارج عن الناس في ظل المجتمع الانتهازي الاستهلاكي ان "الانسان ان جاع تذلل وان شبع تدلل" فالافراط في التبذير مذمّة وليس مكرمة، " البطر يولد الطفر" فما يبقى من فضلات طعام بعد موائد الافطار ويقذف الى براميل القمامة بثمنه يمكن تجنيد مبالغ هائلة لاغاثة شعبنا المنكوب بالحصار الاقتصادي التجويعي الذي يفرضه المحتل الاسرائيلي الوحشي على اهلنا في قطاع غزة والمناطق المحتلة. لست بخيلا، كما تعلم يا صديقي، ولكن كل شيء ان زاد عن حده نقص. اثقلت عليك يا صديقي بنقّي حتى اني نسيت الهدف من مجيئي، قال ابو علي، فالعاقبة لاولادك وبناتك ابني "سعيد" تشركل بابنة الحلال "عفاف" ابنة "ابو عمر" صديقك، آمل ان تشرفنا بالمشاركة في "تخليص حكيها" اما الخطبة فبعد انتهاء الشهر الفضيل وعيد الفطر السعيد. فقبلت الدعوة شاكرا، وبصورة مفاجئة "نطّ ابو علي من ليوان الدار الى السدّة" وسألني "هل يجبر قادة شعبنا العربي الفلسطيني بخاطر القضية التي يهتك الاحتلال عرضها ويغتصبها عنوة ويشحنها قوة تساعد على تكسير القيود والانطلاق في احتضان نسيم الحرية والاستقلال الوطني"!! قلت، لا يجبر بخاطر نضال شعبنا الوطني العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني والتخلص من نير الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي الا اولا وقبل كل شيء تجاوز حالة الانقسامات الفلسطينية المأساوية وتعزيز اللحمة الوطنية، الوطنية الكفاحية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية وبـ م.ت.ف الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني. ما نأمله ان تستعيد منظمة التحرير الفلسطينية مكانتها ودورها كمرجعية سياسية وتنظيمية كبيت دافئ يحتضن جميع تيارات الشعب الواحد وكرافعة في المعركة المصيرية من اجل الحرية والدولة والقدس والعودة. وصباح الخير لجميع حمَلة مشاعل الكفاح العادل.
