مرت 65 عامًا على إسرائيل اليوم / فلسطين الماضي والحاضر والمستقبل، لتأتي إسرائيل اليوم، وتحتفل بمجيء المنقذ المسمى "الاستقلال"، وكأنه نقلهم من حافة النهر من الضياع، إلى حافة القهر إلى الصراع والانتصار الموهوم بإعلان الاستقلال.
كيف لا وقد بنوا مجدهم ونموهم و"ديمقراطيتهم" على سلب حقوق وامتيازات غيرهم، في الحرية والسيادة في الوطن والأرض، طمسوا وقتلوا شمس وقمر غيرهم، كسروا أحلام أطفال من ولدوا في ارض آبائهم وأجدادهم.
"هنيئًا يا حكام إسرائيل ومبروك لكم"، بعد خمسة وستين عامًا، هذا الاستقلال المشين.. الذي بنيتموه على أنقاض هدم ومسح وتدمير (530) قرية ومدينة عربية فلسطينية، وجعلتموه وطنًا ورمزًا لتخليد تاريخكم وأمجادكم في الظلم والطغيان. هنيئًا لكم حين أقمتم دولتكم الجبارة وفتحتم حدودها برها وبحرها وسماءها لعبور وتشريد مئات الألوف من أصحاب الحق الشرعيين في الأرض والوطن، الشعب العربي الفلسطيني، هنيئًا لكم يوم أسميتم أنفسكم بواحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، بعد العمر المديد في "الحرية والاستقلال والرخاء والازدهار"، وانتم تشرعنون القوانين وتصدرونها من اجل المزيد من التنكر لحقوق ذلك الشعب الذي عاش قرونا طويلة على هذه الأرض الشعب الفلسطيني صاحب التضحيات، فكان القانون الجائر الحاضر غائب، هذا القانون الذي باسم ديمقراطيتكم العنصرية والشوفينية سرقتم واستوليتم على ما ليس لكم في البيت والأرض والوطن، وكل الممتلكات لشعب اعزل مسالم كان بالإمكان العيش معه والى جانبه بكل فخر ومحبة.
"مبروك" عليكم يا حكام بلادنا الجدد استقلالكم المزعوم، الذي حققتموه وشيدتم أساساته على انقاض الجماجم الفلسطينية من دير ياسين وقبية وكفرقاسم ونحالين وعيلبون، حين لم تتورع عصاباتكم الإرهابية في ارتكاب أبشع المجازر في أغلبية مدن وقرى فلسطين، لحمل أصحاب الديار على الرحيل وترك الوطن لعصاباتكم تنهش في الأرض والبيت والعرض وتطلقون مقولتكم الكاذبة: ان فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض.
"مبروك" يا حكام صهيون مجدكم العالي، استقلالكم المزعوم والسادي، وقد بنيتموه حين زرعتم الكراهية والحقد الدفين في نفسية شعبكم وحولتموه لشعب متعالٍ وباسم الله عز وجل اصطفاه ربنا العالي عن كل الشعوب الأخرى. ربيتم أطفالكم وشبابكم على العنصرية والعربدة واستباحة دم الآخرين من العرب والفلسطينيين، وحققتم في شوارع القدس وتل أبيب وبني براك وفي ساحات مدارس أطفالكم وملاعب رياضييكم وجعلتم من الهتاف والشعار الموت للعرب نهجًا وأغنية ودليلا فاضحًا على انكم بعيدون كل البُعد عن الاستقلال الحقيقي المبني على التفاهم والاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق الآخرين. فكم بالحري وانتم تعيشون في دولة لم تحظَ بالاعتراف لغاية الآن من كثير من دول العالم، وفي شرق أوسط وأمة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج.
"بوركتم يا جبابرة إسرائيل"، عسكريين وسياسيين مؤرخين وباحثين، حكومات وأحزابا، حركات ومنظمات جيش وشرطة، حرس حدود وكل المجتمع، على هذا الانتصار الموهوم في العيد الخامس والستين لكيانكم، وقد أعلنتموه استقلالا، يوم سرقتم البسمة من شفاه ووجوه أطفال جيرانكم الفلسطينيين، وزرعتم الغضب والشر الذي سيلاحقكم إلى آخر الدنيا في قاموس الأجيال الفلسطينية المتعاقبة من الاستقلال الأول إلى الاستقلال الخامس والستين، كان ذلك في القدس وحيفا وعكا واللد والرملة، في المثلث والجليل والنقب، يوم زوّرتم التاريخ والهوية واستبدلتم الأسماء في مئات المواقع الفلسطينية والأثرية والتاريخية لتمحو وتطمسوا معالم الجريمة وتغيروا مسيرة التاريخ والجغرافيا واللغة من العربية الفلسطينية إلى العبرية الغريبة عن البشر والحجر والشجر، كيف يكون الاستقلال في مفهوم الصهيونية العنصرية وفي قاموس احتلالكم؟ يوم حولتم المساجد والكنائس وأماكن العبادة المقدسة وانتهكتم عرضها وحولتموها إلى حظائر وإسطبلات لمواشيكم ولأبقاركم وخمارات ومراقص ونواد ليلية لشياطين نشوتكم وشواذ مجتمعكم القائم على دولة الاستقلال، وانتم تشوّهون بسياستكم وجبروت قوتكم واحتلالكم وغطرستكم التي بنيتموها على دعم ومساندة أعداء الشعوب، ممن سبقوكم في درب الاضطهاد والبطش والقمع والحروب وارتكاب المجازر من المستعمرين الانجليز والفرنسيين والآن جاء دور الأمريكيين الذين تحالفتم معهم، لتشكلوا سدًّا أمام تحرر الشعوب واستقلالها من وحشيتكم حين أخذتم على أنفسكم ان تلعبوا وتكونوا خدمًا وطابورًا خامسًا للاستعمار الأمريكي الجديد في المنطقة لحماية مصالحه والحيلولة دون تحقيق تطلعات الشعوب في الحرية والاستقلال والتطور والازدهار.
كم من الحروب الصغيرة والكبيرة والعمليات العسكرية الخاطفة التي أوجدتموها في قاموسكم العسكري وأطلقتم عليها عدة تسميات، من حرب سلامة الجليل إلى عمود السحاب، وكنتم السباقين في شنها على الشعوب العربية المجاورة بالذات الشعب العربي الفلسطيني الذي سرقتم وطنه واغتصبتم أرضه وشردتم شعبه واستبحتم عرضه وممتلكاته ولوثتم سماءه وفضاءه ومياهه وهواءه، لدرجة منعتم عنه بقوانينكم العنصرية الجائرة من قطف الزعتر والعلت والخبيزة والعكوب وكل الثمار والنباتات الطيبة من أرضه الفلسطينية المعطاءة، وانتم لا تعرفون معنى وفوائد ومكانة وأهمية ارتباط الإنسان الفلسطيني وتجذره وحبه للأرض والطبيعة التي نشأ فيها وترعرع ونما عليها وفي داخلها، لقد عرفتم شيئًا واحدًا (خلال مسيرة استقلالكم)، معنى الحروب ونشأتم في الحروب وسفك الدم والقتل وتبنون مجدكم على تلال من الجماجم، ليس على امتداد الوطن الفلسطيني فحسب وإنما امتدت أيديكم وجبروتكم إلى كل مكان تواجد فيه الإنسان الفلسطيني التواق إلى وطنه وأرضه المحروم منها. فكانت الاغتيالات على امتداد تاريخكم الحافل للكثير من المناضلين الفلسطينيين من ساسة وشعراء وكتاب وعلماء وغيرهم. واليوم تمارسون الاغتيالات بدم بارد في أقبية سجونكم وزنازينكم ومعتقلاتكم لتنالوا من خيرة الأبطال والمناضلين الذين يقاومون سياستكم واحتلالكم دفاعًا عن الحق والشعب، وتفجرون من حيث لا شئتم معركة طويلة لن تنتهي الا بتحرير آلاف السجناء الفلسطينيين من قبضة سجونكم واحتلالكم الزائل لا محالة.
* استقلالك يا إسرائيل غير عادل ومنقوص، منذ بنيتم "الدولة العتيدة" على أنقاض شعب فلسطين وحرمتم أكثر من أربعة ملايين فلسطيني من العودة إلى وطنهم الذي ليس لهم وطن سواه.
* استقلالك يا إسرائيل مرفوض، يوم نسجت خيوط الباطل على ثوابت الحق، وحولتم ايها الحكام الجدد مجرى التاريخ ليصبح الباطل حقا في الأعراف الصهيونية وكتب التوراة ودوائر الاستعمار.
* استقلالك يا إسرائيل ضعيف ومهزوز، ما لم يحظَ بالاعتراف الكامل من الأمة والشعوب العربية المجاورة والعالم اجمع.
* استقلالك يا إسرائيل قائم على الوهم، منذ وضعتم القوة أساسا لشن الحروب وسفك الدم ولغة تتعاملون بها مع الجيران. فالاستقلال الحقيقي يجب ان يكون مبنيا على الاحترام المتبادل وفق القوانين والشرائع الدولية. قائما على الدستور والمبادئ الإنسانية واحترام قرارات الهيئة الدولية التي أقرت واعترفت باستقلالك قبل 65 عامًا، حين أجهض القادة الصهاينة بالتعاون مع الامبريالية والرجعية المذدنبة قرار الأمم المتحدة بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين، واليوم تقفون حجر عثرة أمام مطلب الرأي العام العالمي وقرارات الأمم المتحدة، بقبول فلسطين عضو مراقب. فكان موقفكم الصهيوني قبل أشهر قليلة في أروقة الأمم المتحدة، لا يستند إلى أي شرعية قانونية.
* فاستقلالك غير متكامل يا إسرائيل، منذ عقدت التحالفات الشيطانية مع أعداء الشعوب من المستعمرين الأمريكيين ضد مصالح الشعوب بما فيها مصلحة شعب إسرائيل نفسه. وجعلتم من أنفسكم شحاذين تعتاشون على موائد ودعم وتبرعات الأمريكيين لتكونوا حراسا وشرطيين لمصالحهم في المنطقة، وجعلتم من بناء الأسوار نهجًا للحيلولة دون الانصهار والتداخل والتعايش مع جيرانكم من الشعوب المجاورة.
إن الاستقلال معناه التطور والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإطلاق الحريات والديمقراطية وإشراك الشعب في خلق مبادرات جديدة قائمة على السلم الأهلي والعدل الاجتماعي، وبناء ليس جسور السلام العادل فقط، بل الاعتراف الحقيقي والصريح بحقوق الآخرين والسعي الدائم لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه المشروع بإقامة دولته المستقلة إلى جانبكم وبكل حب واحترام، عندها يكون الاستقلال الحقيقي لشعبين عانيا كثيرًا من الحروب والاضطهاد وقررا ان يكتب التاريخ استقلالهما ليكوّنا مرحلة جديدة في مسيرة البناء والازدهار والتعاون.
(كويكات / أبو سنان)
