حديث الروح

single

أما وقد توّجتني ارواح الاميلين توما و حبيبي، توفيق زياد و بعدهم عايدة توما، رئيسة تحرير الاتحاد الحيفاوية، وقبلهم قراء الاتحاد كاتبا لأجل لوطن واهله فهذه ليست الا امانة فوق امانة. الامانة الاولى زرعها في نفسي و جسدي مَن مِن صلبهم نبت و ترعرعت فسكنوا روحي و ان باعدت بينهم الحدود و الاصقاع. ففي كل قرية، بلدة و مدينة من وطن التضحية الف  الف حكاية تحدٍّ و شموخ، و في كل مخيم من مخيمات اللجوء الف الف شهيد جندي مجهول، وفي بلدان الشتات البعيد من اليابان، كوريا، فيتنام، نيوزيلاندا، استراليا، الاميركيتين، كندا روسيا مرورا بعواصم الغرب مجتمعة ومتفرقة مليون مليون فلسطيني حلمهم واحد؛ فلسطين امنا، ام الدنيا،  عاصمة العالم و نقطة ارتكازها، فلسطين اطهر ارض و اقدسها، اليها  و الى اهلها العيون ترنو والفؤاد بتلابيبها متعلق مأسور. كلمات ذلك الكهل الساكن في مخيم برج الشمالي  مطلع ستينيات القرن الماضي معلنا انه لن يحلق لحيته الا في فلسطين تسكن الروح كأنها مناجاة مُسحر رمضاني لا يتوقف عن العودة كل فجر والى حين ان يحين القدر فيأتي من يحمل نفس الطبلة لينشد نفس الالحان و العبارات.
في مسيرة تقدم العمر جمعتنا الاقدار و قد جمعت اهلنا من قبل في ديشوم و الجاعونة مع الصديق الصدوق ابو علي -  سليمان خليل شمالي. مبادئ الحق و قيم العدالة و الوفاء تدثر صداقتنا ومودتنا تنقلب خنجرا في صدور الفاسدين سارقي اموال الفقراء و زبانيتهم من المخبرين. عملنا في وكالة غوث الاونروا وأد اضغاث احلام الخائبين باموال الفقراء متلذذين. اعتدنا اثناء توجهنا في زيارات عمل ميدانية  منتظمة الى مخيمات صور ان ينتظرنا اشباه زملاء مفسدون و متعهدون محتالون و فقراء بسطاء محتاجون. قال ابو علي "يا حسين؛ ليس بمقدورنا منع السرقة من برنامجنا، فهذه آفة عمرها من عمر الانسان، عملنا يقتضي ان نبقي المرتشين والمتطاولين في حالة خوف وحذر دائم، فيسرقون اقل... هذا جل ما بامكاننا فعله". في فيافي الرفقة الطويلة  قدمني ابو علي  الى  الحاج عبدالله الطايع - ابو خالد، محمود ابو الهيجا - ابو نبيل، و شريف الحسين -  ابو محمد،  و كل من هؤلاء الرجال الرجال كانوا يروون العطشى بمآثر اهلهم في عكا و حيفا و الناصرة و نابلس و الخليل و القدس و كل ربوع الاهل فوق ارض فلسطين. حكايات ابطلت مفعول اضاليل من قالوا "الكبار يموتون و الصغار ينسون"، فلا الكبار ماتوا و لا الصغار نسوا (اللي خَلّف ما مات) بل مات ندما و حنقا من كانوا لحق اهل فلسطين متنكرين سارقين. اللجوء البغيض والتشتيت المعلب في حصص تموين (اعاشة) وكالة الاونروا و خدماتها المعدة في اقبية وزارة الخارجية البريطانية و الولايات المتحدة بلغت طريقا شبه مسدود و الدهاقنة في امر اهل فلسطين حائرون ولخيبتهم  بملوك قطر و السعودية و الخليج العربي و شرق الاردن مستعينون.
 ابو نبيل – المهزوم  عسكريا (هزمه جيش الانقاذ) من قريته شعب  - قضاء عكا أيار 1948، استقر به اللجوء في مخيم تل الزعتر قبل ان يضمه الحزب القومي السوري الى صفوفه و كان اذ ذاك لا يقبل في عضويته الا من عرف فيهم اكتمال الشجاعة والجبروت.  بعد انطلاق الثورة انضم ابو نبيل الى حركة فتح ليتقاسم ابناؤه الخمسة فصائل منظمة التحرير. خمسة شباب في عمر الورود قدمهم ابو نبيل على مذبح الوطن و الكرامة دفاعا عن تل الزعتر و اهله. كلل عقد العطاء و الشهادة جبين ابو نبيل نهاية 1982  حين استدرجت خداعا عصابات اليمين الارهابي زوجته الى  كمين محكم في بيروت الشرقية فقتلتها عن سابق اصرار و ترصد. لم يبق لأبي نبيل  الا كرامته  و حلمه بماء الصبر معجون وقد فاض بها محياه على جسدي و روحي حين قدمه ابو علي، سليمان ربيع 1994، فكان ما كان بيننا و ابنه سهيل في مخيم برج البراحنة، مختارا حمل امانة اشقائه عن طيب خاطر خير الشاهدين.
الامانة الثانية و هي امانة فوق امانة فقد حفرت اخاديدها واوديتها في صوفيا مهابة وتواضع ممثلي خير اهل البلاد؛ الرفاق: العكاوي- ابا اليسار قسطندي مرقس  والنصراوي - ابو المجد؛ مروان مشرقي، و النصراوي – ابو راية رائد نصرالله و حشد من حاملي الخير من شباب فلسطين الامميين. العاشر من آذار 2012، كان يوم التجلي، كلمات ابي اليسار القادمة من صوفيا يلقنني مشاعر حزينة تؤبن لرحيل العم و المربي الاول نمر مرقس، لحظتها انبلجت الفكرة من رحم العشق. لحظة كان ابو اليسار يلقنني أمنية  و حلم ام سمعان بهر النور الفكرة التي اقبلت على مرج الحياة الأخضر لتعانق الانسانية عارية الا من براءة الاطفال وصدقهم و نعومة اناملهم. أم سمعان تجاوزت العقد الثامن لم تتبدل احلام طفولتها و شبابها و كهولتها؛ متأبطة ذراع ابنها يسيران على درب بيت اهلها اسلافها اوصت "اسمع يا بني، انا اعتقد ان الازمة السورية عجلت في قتل عمك... ان هذا الهاجس يقتلني ايضا... فاذا مت قبل افشال المؤامرة اريدك ان تأتي الى قبري و تخبرني بما يجري، "لا تحمل  هم ( لا تكترث) يا ولدي سأسمعك و انا في قبري... و اتمنى لو انك جئت و قلت لي... يما (اماه) انتصرنا....  اضافت ام سمعان متحدثة عنك (ابا نرجس) يلعن طفرو (كلمات عتاب تقال تحببا) ليش راح واحنا بأمس الحاجة له و الكل مسعور علينا مثل الكلاب"(من نص رثاء الدكتور قسطندي مرقس لروح نمر مرقس). هنيئا لك يا ام سمعان فقد هزمت المؤامرة و اهلنا منتصرون و اهل الباطل ارهابيون مشتتون متناحرون، واسيادهم في الجزيرة و وراء البحار مصدومون.
في سياقها الزمني و حين حان موعد قطافها تحت لهيب شمس الحياة المجبولة بالمعاناة ممتشقة صولجان الحق و السبر عنها في الأقاصي البعيدة؛ انبلجت العلاقة لتحبل الفكرة جسدا فيرى النور ما نحن بصدده وها قد تجاوزت الحلقات المقالات الخمس عشرة. جل ما قالته لي قارئة الكف و انا طفل صغير يجلس فوق تراب حوش كوخ في مخيم اللجوء؛ اني سأتزوج من نساء ثلاث؛ ربما كان الزواج ما يشغل بال قارئة الكف الغجرية وهي شابة في ريعان شبابها و قد استوى كرمها فحدثتني بما يسلب فؤادها... و لأن نيتها و حدسها كانا صادقين بما يختزنه صدرها فقد قارب تنجيمها الصدق. كبرت و كنت اهم التخرج من الجامعة  عندما خاطبيتي  مشرفتي اليوغسلافية المولد  البلغارية العيش، الاممية الانتماء ميرا يوفانوفيتشف بشرائع حمورابي، وصايا السيد المسيح،  تواضع و عدالة عمر، عبقرية كارل ماركس، ثورية لينين و تفاني ستالين و عشق ابو صالح ديراوي اللوباني لفلسطين. انشغل بداية سبعينيات القرن المنصرم المحاضر الرفيق أمين قصير خلال  ندوته عن الاشتراكية والشيوعية في احد مقاهي مخيم برج الشمالي باقناع مستمعيه بفوائد الاشتراكية على الفقراء. افرط قصير في الحديث عن كارل ماركس ولينين دون ان يقاطعه اي من الحضور و كانوا جميعهم فلسطينيين عنوة الصقت بهم تهمة اللجوء و ما يرافقها من اعراض الدونية و التمييز العنصري. هل من سؤال؛ خاطب قصير الحشد، من بين الناس ارتفعت يد قصيرة تشير الى ان صاحبها قصير القامة. كان السائل ابو صالح ديراوي من قرية لوبية و كان مربوع الجسد محمر الخدين و الوجه ربما لعمله بائع قماش متجولا. قال ابو صالح سائلا: يا رجل قروشتنا ( أطلت كثيرا) و انت تحدثنا عن ملين (يقصد لينين) لماذا لا تحدثنا عن عمر بن الخطاب و سيرته... ليس مهما بماذا اجاب المحاضر سائله، لكن المهم ان صالح ديراوي و هو الابن البكر لأبو صالح كان واحدا من الثوار الذين انقضوا بعد سنوات على الندوة و حوارها على مراكز المخبرين الذين اذلوا الفلسطينيين لعقود فأشعلوا فيها النار بعد ان فر اصحابها. أما ابو صالح فقد اصر بعد عقود من التهجير ان يحمل السلاح دفاعا عن مخيم تل الزعتر و حين غادر المخيم مع المقاتلين عبر الجبال اصيب ابو صالح بعيار ناري اثناء الاشتباك مع العصابات الفاشية، طلب ابو صالح الى ابنه  و صحبه من المقاتلين ان يتركوه مكانه و امر ابنه صالح ان  يلتحق بالشباب ويهتم برعاية اشقائه وشقيقاته...  أه كم ألف ابي صالح ولدت الفلسطينية.
حكايات و حكايات مطرزة بدماء عطرة و دموع ليس الذكور وحدهم مفاخرها و مفاتيحها بل اناث؛ نساء، صبابا، عازبات، متزوجات، ارامل و امهات يكررن صباح مساء تجربة النصراويات يعبرن مرج ابن عامر و بعدهن جميلة بوحيرد و دلال المغربي و قبلهن جميعا الخنساء و نساء لا تتسع القواميس لذكرهن. في اوج حرب ابادة المخيمات الفلسطينية و المعروفة بـ "حرب المخيمات" – 1985 - 1989 كانت السيدة الفاضلة امانة جبريل تتسلح بأنوثتها لتصنع منها حصونا صلبة تنتصب خلفها متاريس لرجال و نساء يحرسون مخيم شاتيلا، الداعوق، برج البراجنة، الرشيدية لا بل جميع المخيمات. كل محاولات البرابرة القاء القبض على آمنة خابت، كل خيانات و تواطؤ المنشقين و الأنذال اجتر اقزامها العلقم،  بقيت آمنة توصل الاموال و المساعدة لمحتاجيها من لاجئين مهجرين فلسطينيين وأشقائهم اللبنانيين. و السلاح تواصل تدفقه و كذلك الرجال الى اكواخ المخيمات.  لم تكن آمنة الا صورة طبق الاصل لأم سمعان و العكس تماما صحيح.
من هناك، من حيفا و ربما من مكان قريب من حي الألمانية  جاء صوت رئيسة تحرير الاتحاد الزميلة عايدة توما تسألني؛ ماذا تريد عنوانا لمقالتك الاسبوعية، في لحظة زمنية تزاحمت ملايين الافكار حاملة صور الاحبة، ماذا اسميها يا ابا الهادر – شفيق الحوت، ماذا تقترح علي يا ابا اليزيد د. يوسف صايغ، و انت يا صديقي ميشال نوفل و انت يا ابا علي سليمان، ابا خالد، ابا نبيل، و انت يا ابي ما رأيك؟  قلت "حديث الروح" وافقتني السيدة توما دون تردد و كأنها تقاسمني الفكرة و الهم. و لكن لماذا حديث الروح؟ لأنه:
1- حديث لا مكان فيه للاختصار، الايجاز او الوصفات وفق نصائح دهاقنة الاعلام الامريكي و ببغاواتهم العرب سارقي حق  الكلام من الناس  ليتحدثوا هم كما يشاؤون ووفق ما يريدون. عندما طلب الي صديقي و الاعلامي العربي المعروف سامي حداد (كان معروفا و مشهورا قبل الجزيرة، جل ما فعلته الجزيرة انها وظفته لتكبر باسمه) ان اختصر فقال: حسين ارجوك اجابات قصيرة تك.. تك.. تك. رددت عليه بالقول وماذا عنكم يا صديقي هل تستطيعون ان تطبقوا الامر عينة على انفسكم ام انكم على مبدأ عك... عك... عك. ضحك صديقي و تحدثنا كل على هواه و بحسب الوقت المسموح لبرنامجه "اكثر من رأي". لماذا يغرقنا صناع و مروجو الاستهلاك كل صباح بعشرات بل ملايين الاعلانات عن انواع السيارات و اجهزة الهاتف النقال حتي حفاظات الاطفال. لماذا لا يطلبون منا التوفير في الطعام. لماذا الفيس بوك لا يحدد الكلمات لمشاركيه. القراءة ام الحاجات واهمها كونها من اعظم مصادر المعرفة. قيل خير الكلام ما قل و دل، و لم يقل خير القراءة ما كان موجزا او قليلا؛ فالايجاز والاختصار يقتل الحكاية اذ في التفاصيل تكمن المعرفة و العمل الجاد.
2- حديث لا مكان فيه الا للنقد الانساني الهادف لصون الود و تعزيز المحبة بين الناس. حديث يعمم الخير و يدعو اليه، حديث لا مكان فيه للغرائز الانانية و حب التملك ما ليس مشروعا و لا حقا. حديث يدين قتل الأبرياء كونه في المفهوم الديني حراما، و الانساني مرفوضا والقانوني جريمة يعاقب عليها القانون. العنف مرفوض الا حيث الدفاع عن النفس و الحق وفق الشرائع السماوية و التشريعات الاممية.
3- حديث لا مكان فيه للتزلف و الممالأة، يقول بالحق و ينظر بعينين اثنتين، لا مكان فيه لخوالج النفس و المعدة و المزاج. نعتقد ان لا رأي لجائع، لا رأي لأمي، لا رأي لمتوتر نفسيا او جسديا. فالرأي في جميع هذه الحالات تنقصه الموضوعية و الدقة و الامانة.
4- حديث عن اهل الوطن و لهم، حديث حبيب لحبيب، حديت مشتاق لعناق، حديث من حرمه سالبو حقوق الامم من حقه وهو متشبث باستعادة حقه وان لم يفعل فأبناؤه من بعد يفعلون، المهم ان تشمخ الاحلام منتصبة من فوق محاربيها.
5- حديث ثمنه وقت راحتنا وراحة اطفالنا واسرتنا، نحن يا قارئي العزيز نعمل اثنتي عشرة ساعة يوميا على مدى خمسة أيام، ليس جشعا بل التزاما بشروط المهنة عقد العمل. نعم قارئي العزيز، نعمل اثنتي عشرة ساعة يوميا في عمل متعب لنصون علمنا، كرامتنا، حقنا و اهلنا، رفاهنا مجبول بقوة عملنا و عرقنا، هذا اذا كنا مرفهين بحسب ادعاء مزوري الاعلام و الثقافة و الفن و الادب.
6- حديث الروح لأن الروح طاهرة و الجسد مصدر كل الآفات. الانسان عظيم وقد فضله الخالق عن العالمين لكن نفسه و غرائزه تأمره بالسوء لا لشيء بل للاستحواذ والتملك والسيطرة. الروح تقنع بالقليل وتأوي الى فراشها كل مساء مرتاحة الضمير، انما اجساد الانانيين الباحثين عن المجد و الثروة فلا تملأها إلا حبيبات تراب في العين. اليمين او الشمال لا فرق.    


(الكاتب باحث يعيش في ورك، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الانهيار أو الاستقرار – مسؤولية اسرائيل!

featured

إلى جنة الخلد يا أبا عزمي (خالد سعدي)

featured

من يصنع العالم العربى الجديد؟

featured

ليس بالعدوان الامبريالي وإنما بمقاومته يتحرر الشعب الليبي!

featured

الى حضرة المحررين والمسؤولين في صحيفة "الاتحاد"