لا أدري إن كنت أعزي نفسي أم أعزي عمتي أم أخواته وإخوانه... لقد كان المصاب أليما ووقعه قاسيا وصعبا.
منذ الصغر وانأ أتردد لزيارة بيت عمتي - بيت أبو عزمي خاصة وان الله لم يمن عليه بالأولاد.. ما زلت اذكر تلك السنوات التي كنت أتردد فيها إلى ذلك البيت القديم قرب بيت صالح الحلو والمغارة التي تجاوره والتي غالبا ما كانت تستعمل كمكان لفرم الدخان العربي.
كانت الحياة مريرة وقاسية بسبب الفقر المدقع والحكم العسكري ونظام التصاريح وشح العمل وما الى ذلك من اسباب... بالرغم من كل ذلك كان ابو عزمي رجلا عصاميا عنيدا مكافحا ساعيا دؤوبا لتحصيل لقمة عيشه بشرف وكرامة.
أما بالنسبة لي فكان أبو عزمي.. الأب والأخ الأكبر والرفيق الصلب العنيد والذي كان عندما يتكلم ويناقش في اجتماعات الحزب.. تخرج الكلمات من فيه صادقة معبرة بالرغم من قلة كلامه الا ان نقاشاته كانت تخيم على الاجتماعات.
ابو عزمي ذلك الإنسان الواعي والذي لم تسعفه ظروفه بتعلم القراءة والكتابة إلا انه تعلمها لاحقا من صحيفة الاتحاد ومدرسة الحزب الفكرية والسياسية.
لقد كان لأبي عزمي سبق الشرف كما روى لي أخوه الأصغر الرفيق عمر سعدي حيث احضر وادخل صحيفة الاتحاد إلى البلدة في الخمسينيات وذلك عندما كان يعمل في بلدة عيلبون اذ كان يحضر بعضا من أعداد الاتحاد وكل يوم جمعة الأمر الذي ترك أثرا مباشرا في التعرف إلى الشيوعيين في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ الأقلية الفلسطينية هنا وإقامة فرع الحزب في عرابة.
هكذا كان حسه الوطني المرهف في مطلع شبابه والذي نما عليه وترعرع حتى أصبح شجرة باسقة تطاول السحاب وتتحدى الرياح العاتيات.. بقي حتى أيامه الأخيرة مؤمنا بالطريق الذي اختاره منذ الصغر.
مع مرور الزمن وعندما كنت طالبا ثانويا، ازدادت زياراتي الى بيت عمتي والذي كان يعج بالرفاق .. ما كنت اسمع هناك إلا الحديث عن الشيوعيين والرفاق والحزب والاتحاد وتوفيق طوبي وإميل حبيبي وماير فلنر وغيرهم وغيرهم .
رويدا رويدا نمت داخلي روح الانتماء للشبيبة ثم للحزب.. هناك صقل انتمائي إضافة لكوني ولدت في بيت سبقني فيه إلى الشبيبة والحزب بعض أعمامي.. تلك السهرات التي كانت تقام في بيت أبو عزمي قادتني أكثر من غيرها لتلمس طريقي إلى صفوف الحزب الشيوعي.
لقد كان ابو عزمي يمتلك الحس السياسي الكافي الذي يمكنه من شرح افكار الحزب خاصة فيما يتعلق بالعمال والطبقة العاملة وحقوقها.. فقد كان عنيدا وصلبا في دفاعه عن حق العامل اينما عمل وذلك بالمطالبة برفع الأجور وتحصيل الحقوق وتحسين الظروف.
لقد كان كادحا بكل ما تعني الكلمة من معنى مما جعله يهتم بأمور العمال والكادحين.. أمضى جل حياته عاملا في البناء.. شاكوشه في جيبه لم يعرف الكلل ولا الملل وذلك لتوفير لقمة العيش بشرف وكرامة.
نعم أبا عزمي.. لقد رحلت عنا جسدا لكن روحك أيها الرفيق العصامي المثابر ما زالت معنا تلهمنا الكثير الكثير من الصبر والتروي.
لا يمكن لذاكرتي ان تنسى تلك الليالي التي كنت اقضيها في بيتك ان كان ذلك في الاحاديث السياسية او لعب الشدة.. لا انسى تلك السهرات حتى ساعة متأخرة من الليل عندما كنت ازور البلاد خلال دراستي في الخارج.. فقد كان بيتك العش الدافئ الذي يشحنني بالطاقة والطمأنينة... لم اشعر يوما بحواجز بيني وبينك رغم فارق السن حيث كنت اعبر عن كل ما يجول بخاطري دون خجل او تردد.
كنت تحدثنا عن ايام الحكم العسكري البغيض.. عن ايام ضريبة الراس وغيرها وغيرها من التحديات التي واجهتكم حينها.. اذكر كيف حدثتني يوما عن مقاومتك لرجال الحكم العسكري في بيت السيد موسى عبدالله عبد الرحيم وعقابا لك اجبروك على حمل ماكنة خياطة والدوران بها في الحارة وذلك لكسر عزيمتك وشوكتك وامام الناس.. فوقفت بوجه ظلامك كالطود الشامخ لا تهزه العواصف.
مضت السنون وانت تسير على وقعها يا ابا عزمي بخطى واثقة على دربك وخطك ومبدئك الذي لم تبدله حتى يومك الاخير.
هكذا كنت وهكذا ستبقى ذكراك.. الاب والاخ الاكبر والرفيق العنيد الصلب المقاوم الصابر العصامي.. بهذه الكلمات القليلة لا يمكنني ان اوفيك حقك ولكنني اقول لك انني ماض على نفس الدرب الذي هديتني اليه ..فنم قرير العين والى جنة الخلد يا ابا عزمي.
لك الرحمة ولنا الصبر والسلوان
