وَضْحَى

single

كَم نحن بحاجة ماسّة فِي هذه الأيَّام إلى أن نكونَ موحَّدين ومتراصِّين ونَابِذين للعُنصريَّة والطَّائفيَّة والمذهبيَّة، لِهَذا علينا أنْ نبدأها من أنفسِنَا ومن بيوتِنا وأن نرفُضَها حتَّى هَمْسًا لأولادِنا وهُم في مهدِهم أو حتّى منذ لحظةِ ولادتِهم..
نبدأها منذ رؤية أطفالنا نور العالم، فحين تلد الأمُّ طفلَها نمنحه، غالِبًا، اسمًا يدلُّ على انتمائه الطَّائفيّ مثلاً مُحَمَّد أو فْرَنْسِيس، أَحْمَد أو مَارُون وكم هي الأسماء جميلة تلك التي تحمل في جعبتها معاني هادفة نفتخر بها، والأجمل أن لا يعرف السَّائلُ الانتماء الدِّينيّ لهذا الشّخص أو ذاك، فأسماء الأنبياء والقدِّيسين يجب أن تبقى حسرا لهم، حفاظًا على قداستهم ومركزهم الرُّوحي المُقدَّس، ومهما عمل الفردُ منَّا لا يستطيع أن يصل إلى أعمالهم وتضحياتهم وتفانيهم أو إلى ما وصل إليه أوائلنا وبالتّالي يكون غير كفؤ لحمل اسم نبيٍّ أو قدِّيسٍ.
وُلِدَت أختي البِكر وكان اسمها حاضِرًا، وَضْحَى، وَقَد أدخل هذا الاسم ضليعي اللغة العربيّة في نقاش حول كيفيّة كتابته بالألف الممدودة أم المقصورة بينما أشغل النّاسَ بمعنى هذا الاسم النّادر والتّابع للأسماء العربيّة الأصيلة والأصليّة، ففي كتاب القائد توفيق زيّاد "صُوَرٌ مِنَ الأدَبِ الشَّعْبِيّ الفِلَسْطِينِيّ" يكتب اسم وضحى في الفهرس بالممدودة وفي النّصِّ بالمقصورة، وما زالت وضحى الحزينة تُناجي ربَّها يا مُعين، وكثيرًا ما تُسأل بعد أن يعرفوا ديانتها من الغير، هل يُعقل أنَّكِ تحملين هذا الاسم العربيّ وأنتِ..، مع أنَّ اسم وضحى هو الوحيد لا ثانِي له في حيفا وإن وجد هذا الاسم في شمال بلادنا فهو لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا ما أراده لها عمِّي داود، أبو عائدة، حين اختار اسمها كما وَرَدَ في كتابه "ثَائِرٌ مِنَ الشَّرْقِ العَرَبِيّ" أنْ تكون باسمها فريدةً ومتميِّزةً بحنانها ومحبَّتها وعطائها..
وكم تكتنفني الغبطة والسُّرور حين لا يعرف الآخرون ديني، وإن سُئِلتُ عنْهُ
فجوابي أنا عربيٌّ، والتَّتمَّة عند الشَّهيد ناجي العلي، ويكون السُّؤال الثَّاني عن اسم الوالد أو حتَّى اسم باقي الاخوة وهذا ما يُحيِّرهم بعد أن يعرِفوا أنَّ اسم والدي إبراهيم ووالدتي سعدى وأسماء أخواتي الأخريات رَفِيقَة وأُميَّة ورُلَى.
إنَّ وجودنا في هذه الظروف الصَّعبة، زمن الردَّة، زمن الفرز الطَّائفيّ والتَّعصُّب الدِّيني المقيت يحتِّم علينا أن نكون شيئًا آخر، أن نُساهم في التَّغيير في المفاهيم لتعزيز انتمائنا لعروبتنا حتَّى لو كان هذا عكس المألوف، وهذا لا يعني أنَّ الشَّائع والمألوف صائب وأنَّ الصَّائب شائع ومألوف.
وحين تزوجت من حبيتي إديتا، سلوفاكيَّة القوميَّة قالت لي: نحن نعيش في أرض العرب علينا منح أطفالنا أسماءً عربيَّة فكانت لنا صَابرين وَمَيّ ورُبَى..  
نغمة طائفيّة جديدة نرفُضُهَا ونَنْفُضُها ونَنْقُضُهَا، لَم نعرِفْها ولَم نَربَّ عليها لكنَّها زُرِعت في حقولنا منذ ما يُقارب العقديْن لكنَّ البذار وَجَدَتْ، مع كامل الأسف، الأرضَ مسمّدةً وجاهزةً لهذا "الدُّرِّيس". تُرى هل نُعطي لغتنا أن تنسانا وهل نُعطي أنفسنا أن تنسى لغتنا، لُغتنا مُلكُنا وقوميَّتُنا وانتماؤنا وإرثنا الذي ورثناه كما ورثنا الأرض من آبائنا وأجدادنا، كيف نفرِّط بها!
وليكن صباحكم عربيًّا وعروبيًّا موحَّدًا ولأبي عائدة، المناضل داود تركي، عليك السّلام فأنت القائل:
أَنَا يَعْرُبِيُّ النَّفْسِ، أَشْرَفُهَا قَحْطَانُ جَدِّي وَالإِبَاءُ أَبِي
لا فَرْقَ فِي دِينٍ، يُوَحِّدُنَا وَطَنٌ يُوَاجِهُ أَخْطَرَ الحِقَبِ

قد يهمّكم أيضا..
featured

أقصى أحلامي: زوج يعيش معي أباً لأطفالنا

featured

"وحدة ما يغلبها غلاب"

featured

وقاحة بلا حدود

featured

يا بِن كسبيت، يا مروج خطة المأفون ليبرمان العنصرية الترانسفيرية هذا وطننا الذي لا وطن لنا سواه

featured

حب العمل ما بين الاشتراكية والرأسمالية

featured

هل لهؤلاء دين وأي دين يدينون؟ لا دين لهم

featured

الى متى الاستهتار بالانسان وكرامته?

featured

جبناء إسرائيل