"وحدة ما يغلبها غلاب"

single

في السنوات الاولى من خمسينيات القرن الماضي كانت غالبية جماهيرنا العربية مش لاحقة اللقمة، عايشة "على الدبر" الفقر ضارب أطنابه، وارهاب الحكم العسكري يضرب بسيف قطع الارزاق، يحدد بالتصاريح حركة التنقل ويحشر "العربوشيم" في سوق البطالة وينتقم من الشيوعيين بلوائح سوداء، اعدها له الخونة من الفسّادين، لتبرير رفض قطع التصاريح لهم صيانة لعفاف امن الدولة وحمايتها من الكفرة بدين السلطة. ومع انني كنت في تلك الفترة رفيق درب لعيبة البنانير والعواتيل والمنة والزقال والمدافشة الرياضية على "طابة شرايط"، مع انني كنت شلفوحا صغير السن الا انني كباقي اهالي بلدنا، خاصة في "حي الميدان" للاجئين، لا يمكن ان انسى قصة "ابو جريس" رجا الخوري مع الحاكم العسكري وعفيف ابن ابي جريس. فأبو جريس قصار وكل يوم خميس طوشة شلا بلا" مع الحاكم العسكري في مكتبه، فهو من المغضوب عليهم وجقارة في الحاكم العسكري يخرج من عبّه صحيفة "الاتحاد" ويقرأ ويفسر للمتاعيس الواقفين في الصف ينتظرون دورهم وحظهم مع التصريح. وابو جريس يعرف حق المعرفة انه لو هبطت سابع سما لن يقطع له الحاكم العسكري تصريحا. وهو ليس بحاجة الى التصريح يطقطق بالقصارة في البلد بما يكفيه توفير رغيف الخبز له ولعائلته، ويدرك انه لو فتش عن عمل في نهاريا او غيرها فلن يجد، خاصة وان الهستدروت العنصرية تلاحق وتطرد العمال العرب. كل هدف ابو جريس من مماحكة الحاكم العسكري هو دب الجرأة في قلوب الموجودين لهدم جدار الخوف من ارهاب ارنب السلطة. جرأة رجا الخوري فتحت عيون الكثيرين الى درجة ان طلب منه اربعة رجال احضار "الاتحاد" سرا الى بيوتهم. اما المشكلة التي واجهها ابو جريس فكانت ان ابنه عفيف من دون خلق الله من النساء والصبايا تعرّف على صبية من فسوطة على الحدود الشمالية مع لبنان اسمها لبنى الجاروشي. وعفيف طالع لخاله ينافس الانجليز في شقاره وزرق عينيه وبياض بشرته، تعرف على لبنى في احدى مستوطنات الشمال، كانت ممرضة، وعفيف مواسرجي ولا احد يشك بانه من العربوشيم. وحبَك الحب من اول نظرة بين القلبين. قبل اسبوع من الخطبة عزم ابو جريس خوري البلد والوجهاء ابو الياس وابو محمد وابو حنا وابو سلمان وابو علي وام حسين مع دربكتها وحمولة سيارتين من الرجال والنساء. وذهب ابو جريس والوفد لقطع التصاريح من مكتب الحاكم العسكري، اصدر التصاريح للجميع الا لرجا الخوري "أبّود والسبع جدود" رفض اعطاءه التصريح، وتدخل النائب توفيق طوبي لم ينفع مع الارهابي العنصري. نكاية في الحاكم العسكري سافر الخوري والامام بسيارة عنتر الخصوصية الى فسوطة دون ان يخبروا احدا، احضروا العروسة ووالدها وامها ولبسوا المحابس في بيت ابو جريس ودلقوا المياه المثلجة على قفا الحاكم العسكري الذي انفجر غضبا عندما ترجموا له التهنئة بخطوبة لبنى وعفيف دون ذكر اين جرت الخطبة. بعد ستة اشهر تحدد موعد الزواج، والاعراس لم تكن مخصخصة مثلما هي اليوم، وانتقاء المعازيم ودعوتهم خطيا. كان ناطور البلد يعزم كل اهالي البلد، عرس الجميع وفرح الجميع، وفي وقت الشدة والضائقة الناس لبعضها البعض، في الكنيسة والجامع جمعوا ثمن عالول بقر واربع دوغليات غنم ورأسين ماعز، كل واد على قد سيله، هذا البيت يحضر شوال برغل للكبة، وآخر شوال بصل او صحارة بندورة وخيار وشراب الورد وصواني هريسة واصابع زينت ومعمول وصاحب معصرة الزيتون والزيت تبرع بخمس تنكات زيت، والهيئة التدريسية تكفلت بالدفع للحداية من الشعراء الشعبيين. الوحيد الذي لم يُعزم هو الحاكم العسكري،  اما اذنابه فلم يتجرأوا بالمشاركة في العرس. وعندما توجهت "الفاردة" الى فسوطة لاحضار العروس تأخر الركب ثلاث ساعات، فالحاكم العسكري انتقاما من ابي جريس نشر اشاعة ان متسللين فلسطينيين دخلوا فسوطة لاغتيال وقتل الاذناب من عملاء السلطة والحاكم العسكري. ووحدة اهالي فسوطة افشلت المؤامرة الدنيئة. وانطلق الركب بأهازيج "ما نطيع اللي يجينا بالعنادي" "لو هبطت سابع سما عن ارضنا وحقنا ما منزلي" "صهيون خبر دولتك ارض العروبة للعرب" في تلك المرحلة لم تصل ديرتنا بعد ولن تصل خزعبلات "هزي يا نواعم خصرك النحيل" و "التوتونَي" فقد جبل شعبنا باناشيد "القرى الثائرة" و "الحصاد" و "نحن الشباب لنا الغد" و "يا شعوب الشرق" و "نشيد الاممية" ورسالة ابو جريس للحاكم العسكري وكل الطغاة "وحدة كفاحية ما يغلبها غلاب".

قد يهمّكم أيضا..
featured

حتى أنتِ يا بوسنة؟

featured

ارفع رأسك يا أخي

featured

نظام لا يخلّف سوى المزيد من حوادث الاجرام

featured

الحرية والسلامة لخضر عدنان

featured

لن ندعهم يقتلون، كل ما هو جميل وأصيل وطيب وإنساني

featured

إلى روح ذلك الفارس المقدام الذي ترجّل