تقبّل الله

single

*تقبّل الله صلوات الجميع، في كنائسهم وجوامعهم خلواتهم وكنُسهم وسائر معابدهم. ولكن ارحموا هذه الجماهير من تسييس الأديان والمضاربة بشعائرها في بورصة "الدنيويّات النفعيّة"*

 

يمكن القول، دون مجازفة، إن جميع بنات وأبناء الجماهير الفلسطينية ينتمون الى عائلات وأسر ترتبط بالأديان وبالإيمان، بهذا القدر أو ذاك.
العلمانيات والعلمانيون الفلسطينيون في بلادنا هم أحفاد لجدة حبيبة متدينة أو جد طيب مؤمن أو كليهما معًا. ولدى بعضهم ينطبق ذلك على الوالدة أو الوالد أو كليهما معًا. أنا شخصيًا حفيد لجدتين وجدين متدينين مؤمنين طيبين، شعرت دائمًا باحترام عميق لصدقهم الروحيّ وتديّنهم الملتزم.
لذلك، فالصلوات عمومًا ليس غريبة عمّن لا يرتبطون من بيننا بالدين، سواء في الممارسة أو حتى في الايمان نفسه.
لكن الصلوات حين تُفرض فرضًا على جمهور ليس كله متدينًا، أو لا ينتمي الى دين واحد حصرًا، من شأنها إثارة بعض التساؤل عن مراميها وغايتها! هذا ما حصل في مهرجان يوم الأرض الخالد هذا العام.
لا شك ان بين من شاركوا في الصلاة الجماعية، انضموا اليها بتلقائية متخففة من أي مأرب. ولكن الذي قرّر المبادرة اليها، دون تنسيق مع اخوته واخواته من ابناء شعبه وقواهم وحركاتهم واحزابهم المختلفة؛ من متعددي الاديان وغير المتدينين، وفي يوم وطني عماده الوحدة  - فقد جلب على نفسه ملاحظات وانتقادات يفترض أن يكون واعيًا لها.
هناك من قال: إذا أصرّ البعض على الصلاة في هذه الحالة وحالات اخرى مشابهة، فيجب عليه أن يقبل بصلاة بنات وأبناء شعبه من جميع الأديان، مثله بالضبط. هذا هو شعبنا، مركّب في مستويات عدة، وليست هذا منقصة بل ثراءً حضاريًا واجتماعيًا.
وهناك من علّق: المشكلة أن هذا الأسلوب يُخرج الصلوات الى حيّز إشكالي، لأن المصرّين عليها بهذا الشكل شبه الإكراهي إنما يخاطرون بجعلها طقسًا استعراضيًا بل تظاهريًا، في حين يفترض بالصلاة الصادقة الحقّة أن تعبّر عن تواصل المؤمن مع خالقه وأنبيائه.
كذلك، فإن عقد الصلوات بهذه الصورة يزجّ بإيمان الناس وتديّنهم، الذي يجب الدفاع عنه كحق إنسانيّ أساس، في ميدان الفعل السياسي. وإذا ما أسرف البعض في هذا فقد يهددون بجعل الصلاة – وبالتالي الدين – مجرّد سلعة للتداول في ميزان الصراعات السياسيّة.
إن تعقيدات تاريخنا الفلسطيني الخاص في سياق معركة بقائنا في وطننا، جعلت من الأوقاف والمقدسات قضية وطنية من الدرجة الأولى، لدى غير المتدينين بل حتى لدى الملحدين الوطنيين منّا. في هذا الاطار، يصحّ القول إن قضايا الدين تنسجم بأصالة في كفاحنا الوطني.
ولكن شتّان ما بين هذا وما بين إصرار بعض أصحاب المصالح السياسيّة، الواضحة جدًا للعيان، احتكار الصلوات والشعائر لا بل استخدامها بشكل غير لائق بالمرة.
تقبّل الله صلوات الجميع، في كنائسهم وجوامعهم وخلواتهم وكنُسهم وسائر معابدهم. ولكن ارحموا هذه الجماهير الصامدة الصابرة من تسييس الأديان والمضاربة بشعائرها، التي نحترم، في بورصة "الدنيويات النفعيّة".

قد يهمّكم أيضا..
featured

القذافي والناتو ضد ليبيا (وليس اليوم فقط)

featured

قليل من الأخلاق!

featured

الغاز و "حكّام حكّام اسرائيل"!

featured

لوقف محاولات اغتيال قضية اللاجئين

featured

تطهير عرقي ووثائق سجينة

featured

خمسون عاما على رحيل المربي والقائد الشيوعي فؤاد جابر خوري

featured

الدولة كأداة للسيادة الطبقية