أنا لا أدافع عن جندي، سواء كان جنديا بسيطا أو كان رئيس أركان، لأنه ما من ضابط يخدم في فرقة مقاتلة، إلّا وتدرّب على القتل، وتلطّخت يداه بدمٍ عربي.
لذلك لا أدافع عن قاتل، ولا أحبّ قاتلا، مهما كانت رتبته، أو منصبه!
لكن ما قاله رئيس الأركان العامّة لجيش الاحتلال الاسرائيلي غادي آيزنكوت، لا يستحقّ الهجمة الهمجيّة التي تعرض لها على كل المستويات، بدءا من رئيس الوزراء ومن بعض الوزراء وبعض أعضاء الكنيست من اليمين، وبعض وسائل الإعلام.
رئيس الأركان العامّة لم يخرج عن المألوف فيما يتعلق بالتعليمات بخصوص إطلاق النار، وما قاله ليس بدافع تغيير سياسة، أو تعليمات، أو نَهْج أو مُعاملة نحو الفلسطينيين.
قد يكون قال ما قال، بقصد حفظ ماء الوجه أمام الرأي العام العالمي الذي بات يُدين سياسة إسرائيل، والاحتلال، بتهمة تنفيذ أحكامٍ ميدانيّة، مُتَعمّدة، عند الحواجز، وفي الشوارع، وبقتل ليس له ضرورة.
نسبة كبيرة مما يحدث عند الحواجز، وفي الشوارع من قتل، يُمْكن تجنّبه بقليل من الأخلاق، وبقليل من الإنسانيّة، وبقليل من القانون، وبقليل من طهارة السلاح، هذه إن وُجِدت، رغم الادعاء بوجودها.
لقد قال رئيس الأركان العامّة ببساطة: "إنه لا حاجة لتفريغ خزان ذخيرة البندقيّة على طفلة تحمل مِقَصّا"، لأنها لا تُشكِّل خطرا على جنديّ مُدَجّج بالسلاح، ويمكن السيطرة عليها بلا قتل.
هذا كلام لا يثير غضب إنسان سويّ، عاقل ومتّزن.
رُبّما قصد أنّ رصاصة واحدة تكفي لقتلها، بدلا من عشرين أو اثنتين وعشرين رصاصة، سِعة خزان ذخيرة البندقيّة.
لكن. لماذا نأخذ الأمور بسلبياتها، دعونا نبقى مع الإيجابيّات من مقولة رئيس الأركان العامّة التي لا تُغْضِب إنسانا سويّا، عاقلا، لا تُغْضب إلّا من تجرّد من كل أنواع الأخلاق، وهوى بشهوته الإجرامية إلى الحضيض.
مقولة رئيس الأركان العامّة لا تُغْضِب إلّا من يتبنّى، ويدعم، ويُخطّط ويُنَفّذ عن قصد، لقتل الأطفال والفتيان بسبب وبلا سبب.
جيش الاحتلال يُرْسِل جنوده إلى عمق المخيّمات ليستفز السكان ويدفع الفتيان لرميهم بالحجارة، ليوفّر سببا لقتلهم، أي أنه يختلق الأسباب ليقتل. كما حدث في مخيّم العرّوب قرب بيت لحم.
إنّ ما عرضه التلفزيون الإسرائيلي، وليس التلفزيون السويدي أو النرويجي، كيف وقف جنود حرس الحدود، عند باب العمود يصبّون وابل رصاصهم على فتى مقتول، لا يشكّل خطرا على أحد لأنه، باختصار، ميّت.
كثيرة هي الدلائل التي تُشير إلى أنّ نسبة كبيرة مما يجري عند الحواجز، وفي الشوارع، وعلى عتبات البيوت هي أحكامُ إعدامٍ ميداني بلا سبب.
الأمثلة كثيرة، منها: قُتل عبد الرحمن شادي من مخيّم عايدة، عن بُعد 200 - 300 متر. ولم يشكّل أيّ خطر من مثل هذا البعد، عدا عن أنه لم يقم بأي أعمال عنف.
قتل سمير عوّاد، بعد أن قُبض عليه، بالقرب من جدار الفصل، وهو جريح، مُصاب برجله.
أو قتل أربعةٌ من المستعربين، مُنْدسّين في مظاهرة، محمد زياد، من بيت إيل، بعد أن قبضوا عليه ضربوه، وأطلقوا النار على رأسه فقتلوه.
قُتِلت سماح عبدا لله، من نابلس وهي تجلس على المقعد الخلفي في سيارة والدها.
والقائمة طويييييلة، والأمثلة على ذلك كثيرة!
هذا القتل المُتَعمّد، والذي يمرّ بدون أيّة مساءلة، أو تحقيق أو محاكمة، قد يدفع أي مسئول عاقل لأن يقول: لا حاجة لتفريغ خزان ذخيرةِ البندقيّة على أيّ كان حتى لو كان يحمل مقصّا أو سكينا و يمكن السيطرة عليه، وتجنب القتل.
فقط مع قليل من الأخلاقّ!
