يشكل مسلسل القتل والعنف والجريمة المتفشية والذي ينخر في احشاء وجسد المجتمع العربي الكثير من علامات السؤال والاستفهام، على ان السلطة والمؤسسة الرسمية شريكة في الجريمة، وتخفي الأدلة والبراهين وتتستر بطريقة او بأخرى على مرتكبيها إن لم تكن تحميهم، فماذا يفسر عدم القبض عليهم وفك رموز الجريمة التي اصبحت تقلق الكبير والصغير في مجتمعنا العربي وتدفعه المؤسسة الحاكمة نحو الهاوية.
لقد قتلت السيدة الأم ناديا برانسي من الطيبة في المثلث الجنوبي، وهي جالسة على شرفة بيتها مع عائلتها ومع انتهاء عطلة عيد الفطر، الذي تحول بين لحظة واخرى الى مأتم ومأساة لهذه العائلة الطيباوية المسالمة، والحجة رصاصة طائشة. أي استهزاء وأي سلوك واستهتار بحياة أمن المواطن العربي. ان عدم الكشف عن مصدر الجريمة والمشاركين فيها ووضع حد لمسلسل القتل الدموي وعن كل المسببات اللأخلاقية واللاإنسانية، يشجع رموز وأقطاب الجريمة على افتعال المزيد والانتشار السريع أفقيًا وعموديًا في تقويض اسس وأركان المجتمع العربي، وهذا ما تسعى له السلطة والمؤسسة الرسمية وحكومة نتنياهو التي تحولت منذ فترة اعتلائها سدة الحكم، الى عدو لدود لـ 20% وأكثر من سكان الدولة المواطنين العرب اصحاب البلاد الأصليين. وحكومة نتنياهو وأحزابها يعملان بالممارسة على قتل وإرهاب المواطنين العرب عن طريق دب الرعب وبعبع العنف والجريمة والاتجار الفاسد والمفسد، ونهش المجتمع العربي من الداخل، والتسجيل في ملف الجريمة بكل بساطة "فاعل مجهول"، "رصاصة طائشة"، "نقص في الأدلة"، خلل نفسي وعقلي وغيره من المصطلحات الاستهلاكية التي لا تقدم ولا تؤخر في المضمون، وانما تشجع على المزيد من هدر دماء المواطنين العرب وغيرهم.
اما الرصاص الطائش فلا يقتل سوى المواطن العربي، الى متى سيبقى هذا الرصاص طائشًا، هو ليس طائشا في نظرنا نحن الذين نرى الأمور من زوايا اخرى، ان اصحاب القرار في المؤسستين السياسية والأمنية، عندما يتعلق الأمر بالمواطنين العرب وأمنهم وحياتهم وحقوقهم، يكون الجواب الرسمي ووزارة اردان، اننا غير قادرين على السيطرة او لجم العنف وهو خارج حدود السيطرة والضبط، خاصة تجارة السلاح غير المرخص وغير الشرعي. لكنه يحدد وجهة النظر الحكومية واصحاب سياسة التمييز ويترك الباب مفتوحا للمزيد من "فخار يكسر بعضه"، أليست هذه المقولة اقطاب الحركة الصهيونية منذ وقت طويل، فهو مشروع صهيوني لأنه لعب في خانة القتل المتعمد مع سبق الاصرار والترصد في خدمة اهداف المؤسسة الحاكمة.
ان الأم المرحومة ناديا برانسي ومئات الضحايا من مسلسل العنف، هم فعلا ضحايا لسياسة الإجرام الحكومية اولا، وثانيا هم ضحايا لسياسة التمييز والاضطهاد القومي لأنهم عرب، والمؤسسة الاسرائيلية تجمع تفرعاتها وتسعى الى تحييد الجماهير العربية الفلسطينية من ساحة الصراع مع الشعب الفلسطيني. ما يعني ارتباط بعض الجماعات التي توصف بأنها "عائلات" او جزء منها من المجتمع العربي بأخطبوط الجريمة المنظمة والإتجار بالسلاح وكافة المخطورات والتجاوزات؟ هذا يعني حسب رأيي ان حكومة اسرائيل وأجهزتها الأمنية تشرف على كل شيء وتوجه دفة الأمور الى حيث يجب ان توجهها، بهدف التخلص الكمي والنوعي والتقليل من وزن الجماهير العربية سياسيا ووطنيا على مجريات الأحداث اليومية، ان إفساد الروح الوطنية والإرهاق الاقتصادي والتشتت الانتخابي وزعزعة الثقة والوحدة الداخلية، وحذف مسيرة الكفاح لهذه الجماهير المقموعة سياسيا ووطنيا وقوميا عن جوهرها، في الوقوف امام مخططات السلطة وكشف مؤامراتها الاقتلاعية والتمييزية، الى تعويض اسس هذا الكفاح وبعثرة الصفوف وتشتيت الأنظار وتقديم الموقف الوطني والسياسي، والتالي اعتماد سياسة الاستنزاف من ممارسة سياسات العنف والقتل والتجاوز في المحظور، لشق الصف العربي ووحدته الكفاحية للنيل من كرامة وجود المواطن العربي فوق ترابه الوطني وكأنه لم يكن.
هذا المخطط، هذه السياسة المعتمدة تجاه جماهيرنا، باتت معروفة ومكشوفة لنا، لكنها غير مسبوقة على الصعيد الرسمي، الا في الفترة والسنوات الأخيرة في مرحلة ما بعد هبة القدس سنة 2000 ونمو الوزن النوعي الوطني والاحساس بالمسؤولية تجاه مستقبل هذه الجماهير في وطنها، عندما توحدت الجماهير العربية في الانتخابات الأخيرة وأفردت القائمة المشتركة كجسم سياسي مسؤول وواع وعنوان سياسي وموجه، عندها كثرت في اروقة الحكم في اسرائيل، وصعدت السلطة الحاكمة من حقدها وعنصريتها وعدوانها واضطهادها لهذه الجماهير بدءا من سياسة هدم البيوت والعنف المرافق للهدم في كل من النقب وكفر قاسم وقلنسوة وغيرها، الى ازدياد القتل والتجاوز المتعمد في إرهاق الجماهير العربية وإغراقها في دوامة العنف والقتل والجريمة مع اسباب سلطوية وبدون اسباب ومسببات.. القائمون على تنفيذ هذه السياسة تجاه العرب يظنون ان السكوت على الجريمة وتعميقها وتصديرها للمجتمع العربي يمكنه القضاء على المقومات الاساسية لهذا المجتمع، وتقويض أركانه من خلال ضرب مكوناته الاساسية، واستهداف وحدته وشق صفوفه ودب اليأس والفوضى بين ابنائه باستمالة بعض فئاته والقوى البعيدة عن الروح الوطنية والخالية من الانتماء والشعور الإنساني والقومي والواجب الوطني. لقد اعتقد الساسة من اصحاب هذه السياسة الخبيثة، ان ذلك الأمر قد يساعدهم على بلوغ اهدافهم، بتجند قوى عميلة منبوذة قصيرة النظر تعمل في الخفاء على هدم اسس المجتمع العربي من الداخل، وتكون مرتبطة وموجهة من قبل أجهزة المؤسسة الحاكمة.
تخطئ المؤسسة التمييزية الحاكمة، اذ كانوا يعتقدون بأن طريقة الهجوم لتفتيت وإذابة ومحو مكانة الجماهير العربية من الداخل، تعفيهم من المسؤولية التاريخية والعملية عن واجبهم في صون وحماية الأقلية العربية، بل تضعهم في قفص الاتهام وتعرضهم للمساءلة التاريخية والقانونية والوظائفية، عن انتهاك حقوق الأقلية الفلسطينية التي تعيش في وطنها. إن الجماهير العربية ستبقى بأغلبيتها الساحقة عصية عن الانكسار، وترفض رفضا باتا كل اشكال وموجات العنف والجريمة، تحت كل المسببات المرفوضة اخلاقيا واجتماعيا ووطنيا وانسانيا، التي تحاول بعض الفئات الرجعية في مجتمعنا ان تنسبه الى التقدم الحاصل في المجتمع العربي والجنوح في الاخلاق والتربية، بالابتعاد عن كلمة الحق وتغيب دور الدين في حياة الناس. وفي هذا الكلام يكمن الخطر الحقيقي في اعفاء السلطة وسلطة القانون وتغييب وتهميش دور المواطن العربي، والنقص الحاد الذي يعانيه في كافة المجالات، التي من شأنها ان تسهم في تقليص الفجوات والفوارق الاجتماعية والحياتية الاقتصادية بين كافة المواطنين العرب وغيرهم من الاغلبية في المجتمع. فالعرب هم عرضة للفقر والاضطهاد والجوع والإذلال والتمييز ومصادرة الارض وهدم البيت والمسكن والقتل المتعمد وسرعة الضغط على الزناد لقتل العربي لمجرد كونه عربيا.
لن تكون الجماهير العربية لقمة سائغة لبناء ثقافة العنف والقتل، التي تفبركها وتصدرها وترعاها مؤسسات اسرائيل وأذرعها المختلفة، مهما بلغت من الوحشية والقوة، لن ندعها تقتل احلامنا وآفاقنا وكل ما هو طيب وانساني وأصيل في مجتمعنا وهي كثيرة.
(كويكات – ابو سنان)
