يرتبط هذا العنوان برعيل الكتّاب والمفكّرين قبل ما يقارب المئتي سنة، منذ فترة حكم محمد علي باشا بمصر وإبنه إبراهيم باشا بسوريا. ويعتبر محمد علي باني مصر الحديثة، وكانت صدمة الحداثة في أعقاب حملة نابليون على مصر... حيث من خلالها وعى هذا الحاكم ضرورة التوجه إلى الغرب عامة وإلى فرنسا خاصة للنهل من علومها وتقدّمها الحضاري بما لا يتناقض مع الشريعة وظروف الشرق. فأوفد البعثات للّحاق بركب الحضارة. مما كان له الأثر على المشرق والمغرب العربي. منذ ذلك الحين وحتى الآن، وعلى مدار قرنين من الزمن والمجتمع العربي يعاني آلام مخاض عسير لم تتوضح نتائجه حتى هذه الساعة، كما ويخوض معركة البقاء في الصراع بين التيارين الديني والعلماني، والذي هو عملية تاريخية ربما تستغرق قرنًا آخر، وسوف يحسم لصالح العقل والعلم والتقدم، والفصل فيما بين الدين والدولة، كما حدث في أوروبا بعد ثلاثة قرون.
التاريخ الذي يكتبه ويصنعه الإنسان لا يمشي بخط مستقيم، إنما فيه طلعات ونزلات وانتكاسات، وما صعود الحركات الأصولية في الماضي والحاضر إلا تعبيرًا عن مدى يأس الإنسان العربي وفقده أي أمل في المستقبل، كما لو أنه يعيش في حالة خصام وفصام مع قيَم العصر ومفاهيمه ومنجزاته العلمية. أعتقد أن هذه الحالة عابرة، يقاربها عصر الانحطاط (المملوكي والعثماني) وعصر الإنحطاط الأوروبي في القرون الوسطى. خرجت منه أوروبا إلى نور عصر الأنوار، وقد كلّفها ذلك الكثير من الدماء والجهد الإنساني حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وسوف يخرج العالم العربي كذلك بعد كل هذا المخاض الذي سيكلّف الكثير. وها هي سوريا ومصر والعراق تدفع الثمن. اشتدّي أزمة تنفرجي! فلا مستقبل لمن هو خارج التاريخ ولمن يريد أن يعيدنا إلى عصر الخلافة والتخلف. لقد رُوي عن محمد علي باشا أنه كان يشعر بالوحدة ومن عدم فهم الآخرين له، إلّا القلّة. جهّز أربع حملات عسكرية على الوهّابيين، لكنه لم يستطع القضاء على الفكر الوهابي، صحيح أن روّاد النهضة العربية وضعوا اللبنة الأساسية في مقاومة الجهل والتخلّف بالعقل العلمي والعملي، لكن هذا مسار قد يستغرق قرنا آخر له ثمنه! ولا بدّ من مقارعة الفكر بالفكر وخلق الأرضية لذلك، بالوعي وبالتربية والمناهج المدروسة من الروضة والبستان حتى التعليم الجامعي، مرورًا بتثقيف رجال الدين، بمعنى ثقّف العود أي أزال منه العقد والشوائب، وذلك بهدف تخليصهم من الفقر الثقافي وإنشاء جيل جديد لمواكبة روح العصر. قال لي أحدهم ذات يوم: هل تعلم أن ماركس مسيحي؟ قلت: هو يهودي لا يمتّ إلى اليهودية بصلة. قال: بل مسيحي وله إنجيل هو إنجيل ماركس! (يقصد الكتاب الذي ألّفه ماركس وأنجلز).
