في العام 1989، سنة بعد إطلاق مبادرة السلام الفلسطينية الشهيرة، أربع سنوات قبل اتفاق أوسلو الشهير هو الآخر، حملني البحث المثابر عن سلام عادل إلى المشاركة في لقاءٍ نظّمه الكويكرز، أو الأصدقاء، الأميركيون. وقد همس واحد من هؤلاء في أذني بأن هدف اللقاء هو اختبار مدى جدّية منظمة التحرير الفلسطينية حين تدعو إلى تسوية سياسية مرجعيتها قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
هذا اللقاء ضمّ خمسة صحافيين إسرائيليين يهوداً وخمسة صحافيين فلسطينيين كنت أنا واحداً منهم. وقد انتُقي الصحافيون العشرة بحيث يكون كل واحد منهم معروفاً بأنه يوافق على ما اشتهر باسم حلّ دولتين لشعبين. ولأن القانون الإسرائيلي كان يحظر على الإسرائيليين الالتقاء بناس م.ت.ف.، فقد اتخذ الكويكرز رزمة احتياطات تُجنّبُ المشاركين الإسرائيليين العقوبة التي ينص عليها قانون دولتهم والتي قد تبلغ السجن لمدة خمس عشرة سنة. غير أن القانون أجاز للإسرائيليين حضور لقاءات دولية يحضرها الفلسطينيون. وعلى هذا، فبْرك المنظمون اسماً للقاء فصار "المؤتمر الدولي المصغّر للصحافيين المحترفين"، وأنشأوا لمؤتمر جدول عمل يركز على مسائل مهنيّة صرفة، ودعوا إليه صحافياً من كلّ واحدة من وكالات الأنباء الكبيرة: تاس السوفييتية، ورويترز البريطانية، والصحافة الفرنسية، والاسيوسيتد برس الأميركية وغيرها. وأُوكلت رئاسة المؤتمر، هذا، إلى صحافي أميركي كان قد تقاعد لتوّه بعد أن شغل خلال مسيرته الصحافية مواقع ذات أهمية في صحفٍ كبيرة. وأُوليتْ مهمة تلخيص المناقشات إلى أستاذ جامعي أميركي، هو نفسه كاتب متخصص في مسائل الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو إيفرت مِندلسون المشهود له بالموضوعية في تناوله مسائل هذا الصراع. وزيادة في الاحتياط، اختير لانعقاد المؤتمر نُزلٌ معزول في قرية صغيرة معزولة، في سويسرا، وحُظر على المشاركين في المؤتمر أن يستقبلوا أحدًا فيه. وتمّ اتفاق مسبق على حظر نشر أيّ نبأ من أي نوع عن هذا المؤتمر.
المغالاة في التحوط، وقد تمت بناء على إلحاح الإسرائيليين وحدهم، أثارت ريبتي، فحملتني الريبةُ إلى التمعن في الأسباب الحقيقية لهذه المغالاة، أنا الذي كنتُ على قناعة بأن القادمين من إسرائيل قد حصلوا على الأذونات اللازمة من مؤسساتهم الصحافية، وأن هذه المؤسسات قد حصلت على الأذونات اللازمة من المؤسسات الحكومية. هذه القناعة أكدها الكويكري الذي يهمس في أذني حين قال إن جماعته نسّقت إعدادها للمؤتمر مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA. وإذاً، كما استنتجتُ آنذاك، كانت هي الرغبة المعتادة في حرمان الفلسطينيين من أي فائدة إعلامية قد تُعزّز صدقية مبادرتهم السلمية إذا أجادوا أداءهم في المؤتمر.
من جانبي، أبلغتُ الأمر إلى أخينا محمود عباس "أبو مازن"، وهو الذي كان آنذاك رئيس لجنة م.ت.ف. التي تشرف على أي اتصالات مع أي إسرائيليين، وتلقيتُ تشجيعه إيّاي على الحضور. وفي المؤتمر ذاته، ركّزتُ جهدي، كما فعل زملائي الأربعة، على اكتساب تفهّم المشاركين الأجانب، خصوصاً الأميركيين، وفضح الختل الإسرائيلي الذي ما أسهل كشفه.
وفي واحدة من وقائع النقاش، تعمدتُ أن أستدرج صحافياً إسرائيلياً هو داني روبنشتاين، المتخصص في "هآرتس" بالشؤون الفلسطينية، ليبوح بما يتهيب نظراؤه عادة البوح به أمام غرباء. قلت لرئيس المؤتمر إن لدينا هنا خمسة صحافيين إسرائيليين يُقرُّ كلٌّ منهم أمامكم بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة خاصة به على أرض الضفة الغربية وقطاع غزّة التي احتلها جيش دولته هو في العام 1967. ولأن هؤلاء الصحافيين يُصرّون على أن تجري نقاشاتنا في إطار مهني فقط، فإني أحب أن يُوجَّه إليهم السؤال التالي: كيف يُسوّغون من الناحية المهنية الصرفة استخدامهم في ما يكتبون في صحفهم تسمية المناطق وتجنّبهم إضافة الصفة التي تنطبق عليها بما هي مناطق فلسطينية محتلة، ولماذا يُصرّون على تجنّب ذكر تسمية الشعب الفلسطيني باسمه هذا ويكتفون بتسميته الفلسطينيين؟
رئيس المؤتمر، وهو من أقرّ منذ البداية بأنه لم يكن على صلة مباشرة بمسائل الصراع العربي-الإسرائيلي طيلة سنوات عمله في الصحافة، فوجئ بما قلتُه. وأغلب ظني أن هذا الأميركي المأخوذ بما لإسرائيل وصحافتها من سمعة في بلده قد شك في صحة ما ينطوي عليه قولي من اتهام. وهو الذي توجه إلى الإسرائيليين بشكّه. ولم يكن بمقدور أي من هؤلاء أن ينفي صحة ما قلتُه.
اصطخب النقاش، ثم تركّز بيني وبين داني روبنشتاين الذي حاول أن يُغطي السموات بأي قبوات ويزوغ، لكني حاصرته بسؤال محدد: هل توجد عندكم رقابة توجب عليكم استخدام تعابير مضلّلة؟ والذين أصروا على تلقي إجابة محددة هي الأخرى كانوا هم الأجانبَ الحاضرين. وبعد لحظات صمت، جاء الجواب كما توقعتُ: في إسرائيل لا توجد رقابة حكومية على الصحف كما هو الحال في الدول العربية. فعاجلتُ من ظن أن إجابته حرّرته من الحرج، وكبّرت الاتهام: إذاً، فأنتم تفعلون هذا من تلقاء أنفسكم، فيما أنتم تزعمون هنا أمام الأجانب تأييدكم لحق الشعب الفلسطيني في استرداد أرضه. وتبعني رئيس المؤتمر: بودّي شخصياً أن أعرف لماذا تفعلون هذا ما دمتم غير ملزمين بفعله!
لحظتها، طلب روبنشتاين أن يتحدث خارج المحضر. فصدر الأمر للسكرتاريا بإيقاف التسجيل. وقدّم الصحافي الإسرائيلي الصهيوني رواية طويلة وَصَفَتْ آلية الرقابة المتّبعة في دولته، هذه التي يتم التوافق عليها دورياً بين موجّهي المؤسسات الإعلامية وبين كبار المسؤولين الحكوميين في إسرائيل، وهذه التي إن كانت غير مكتوبة وغير ملزمة، فهي مقرِّرة في أغلب الحالات لما ينبغي قوله وما ينبغي الإحجام عن قوله. ومن جانبي، لم أرحم الذي تحدث بنبرة من يعدُّ نفسه مغلوباً على أمره إزاء قوى ذات سطوة، بل سألته: ما الذي سيحدث لو أنك سميتَ الأرض أرضاً فلسطينية محتلة والفلسطينيين شعباً، هل سيشطب موجّه جريدتك الصفة التي تخالف اتفاقه مع المسؤولين؟ وجاء الجواب: ليس في القوانين والأنظمة المكتوبة ما يمنع الصحافي الإسرائيلي من استخدام صفات مثل هذه، لكن وضعي في الجريدة سيتأثر إن أصررتُ على استخدامها، وإذا لم أخسر عملي فمن المؤكد أني سأخسر فرص التقدم فيه، زيادة على ما سأتعرض له من ضغوط حكومية وأخرى شعبية.
تذكّرت هذه الواقعة وأنا أتابع الجدل الجاري في إسرائيل مع المعركة الانتخابية وإجماع المتجادلين على نعي ما دُرج على وصفه باليسار الصهيوني، هذا الذي تلاشى أولا بأول، والذي تبع معظمُ ناسه ربعَه والتحق بصفوف اليمين الأكثر عدوانية. وكيف يُمكن لأيّ يسار أن يحتفظ بمكانته حين يوجد نظام اجتماعي سياسي عدواني يخاف من سطوته حتى صحافي من وزن داني روبنشتاين. وإذا كان روبنشتاين ذاته قد حرّر نفسه من الخوف في نهاية مطاف شائك وأباح لضميره المهني أن يوجهه، كما هو شأنه اليوم، فكم هو عدد الصهيونيين الراغبين حقاً في المجازفة بخسارة حصتهم من نتائج عدوان دولتهم على الآخرين، كم هو هذا العدد، ولماذا يتناقص بمُضي الوقت بدل أن يزيد!
