الراحل الكبير نمر مرقس
كالورد كنت بجماله وعبقه تسعد البائسين والمظلومين. كالورد بالجرأة كنت تحارب اليأس في نفوس المقهورين. وردًا كنت وسيبقى أريجك بقاء الورود.
بين الورود ستبقى لأنك أحببت هذه الحياة وأحببت الناس وأحببت الوطن. وكنت مقتنعًا بان الجنة هي الوطن ولا جنة سواه.
كنت ثاقب البصر والبصيرة عندما كنت تحاول الإقناع بان الإنسان هو سيد هذا الكون وان العدالة الاجتماعية يجب ان تسود هذا المجتمع الإنساني.
كبيرًا كنت أيها المعلم والمربِّي والرفيق المكافح، وهكذا ستبقى خالدًا في التواضع والصدق والمبدئية والتفاني. ستبقى علَمًا خفاقًا في الشهامة وعزة النفس وكرم الأخلاق ورهافة الحس وحدة البصيرة ورجل المواقف الجريئة المشهودة.
أبو نرجس لقد علّمتنا الكثير الكثير، من خلال تعاملك الإنساني الصادق ومن خلال عملك الدؤوب الذي ينفع الناس. عززت فينا أيها الرفيق الراحل جسدًا، الثقة بالنفس والإصرار على تحقيق الطموحات ومواجهة الغبن والظلم بكل إباء ومهما كلف الثمن. لقد رسّخت فينا يا رفيق نمر أسمى القيم الإنسانية ومهدت أمامنا الطريق وحددت الهدف ولم تتوانَ لحظة عن مساندتنا وتثبيت أقدامنا على درب العزة والكرامة.
رحيلك أيها الكبير عز عليَّ كثيرًا وحزنت لأنني افتقدت المعلم المتواضع والرفيق الشهم، افتقدت الإنسان البسيط وصاحب القلب الكبير، الذي أحب الناس بسخاء وبمنتهى الصدق وكرس حياته ليقاسم الناس همومهم وأحزانهم وليرسخ فيهم جذوة الأمل بالحياة الأفضل على هذه الأرض وفي هذا الوطن الجميل.
حزنت كثيرًا لحزن أمي فيما لو عاشت هذه الأيام المؤلمة. فأنت أيها الرفيق، كبير القلب، كنت بالنسبة لها الأخ الصادق والإنسان المميز في كل شيء. ومَن مثلها كان يعي قيمة الأخ، بعد ان نُكبت بفقدان أخوين شابين اثنين في ذات يوم وعاشت حياتها وكأنها مقطوعة من شجرة!
تذكرت في يوم رحيلك لقائي الأول معك، عندما كنت طالبًا في الثانوية قبيل حرب الـ67 وحضرت إلى نادي السلام (على العين) في كفر ياسيف لسماع محاضرة عن القضية الفلسطينية وكنت أنت المحاضر. اعترف اليوم ان هذه المحاضرة كانت بمثابة نقطة تحول كبير في حياتي. لقد أعادتني إلى الواقع وقضت على كل تلك الطموحات والمخططات الغريبة العجيبة، التي كنت عندما أتذكَّرها أسخر من نفسي، رغم ان الكثيرين من أمثالي آنذاك كانت تساورهم مثل تلك الأفكار والمخططات وحتى ان البعض منهم أقدم على تنفيذها ومنهم من أمضى سنوات في السجن ومنهم من غادر هذا الوطن ولم يعد.
هذه الأفكار والمخططات تعكس مدى الضياع الذي كان سائدًا آنذاك ومدى أهمية التوعية، التي كان للحزب الشيوعي والشبيبة الشيوعية الدور الكبير فيها.
وتذكرت في هذه الأيام الأليمة أيضًا لقاءك الأول أيها الراحل مع عائلتي وتعرُّفك على أبي وأمي وإخوتي وأخواتي. وكيف انعكس هذا اللقاء على أهل بيتي. فأمي التي كانت تمضي معظم وقتها، وخاصة عندما كانت تجلس إلى ماكنة الخياطة، في ترديد أبيات العتابا وما تسمعه في المآتم من نواح وعنوانها كان أهل الشمال، أهل بلدها الذين هُجروا قسرًا إلى لبنان، تحولت بعد هذا اللقاء إلى ناشطة سياسية تجنِّد وتشجِّع النساء على المشاركة في العمل السياسي والاحتجاج على الظلم والظالمين. أما بالنسبة لأبي فأصبح بمقدوري مصارحته في انتسابي للشبيبة الشيوعية.
تذكرت أيضًا ما كتبته يا رفيقي العزيز في "الاتحاد" يوم وفاة أمي، حيث وصفتها بالأم الرؤوم. وهذا كان كافيًا بالنسبة لي لفهم مدى معزتك لها.
وفي مثل هذه الأيام يتذكر المرء عند فقدانه عزيزًا عليه الكثير من الأمور، وهناك أمور لا تنسى. تذكرت ما قلته في إحدى قصصك على لسان عجوز فلاحة عندما وقفت في إحدى المحاكم وقالت للقاضي دون ان ترتعد أو يرتعش صوتها: "حكمكم مثل قرون الخروب سودا وعوجا".
كثيرة هي المشاهد والمواقف المشهودة لإنسان كبير مثل نمر مرقس سنتذكرها كثيرًا ونتعلم منها نحن ومن يأتي من بعدنا.
لقد خلّفت لنا أيها الراحل تراثًا وثروة كبيرة فيما كتبت وفيما عملت وفيما خلّفت من زهرات عابقات بالشذا وطموحات بالجنة في هذا الوطن.
ولأم نرجس أقول أنت أكثر الحزانى لأنك الزوجة الوفية ورفيقة الدرب المخلصة والأم الرؤوم، وهذه هي سنة الحياة. لكن عندما تكون طموحاتنا كبيرة بقدر "اقتحام السموات" علينا كما علمنا كبيرنا، أن نستغل كل لحظة لتعزيز ثقتنا بأنفسنا لأننا نعيش حياة الناس ونسعد لإسعادهم، اما لرفاقي ورفاق درب نمر مرقس فأقول: مصابنا كبير لأننا فقدنا المفكر والمخطط والمنظم والمحرك ولا خيار أمامنا سوى التكاتف ومواصلة المشوار تحقيقا للطموحات التي رسّخها فينا هذا الانسان الوطني الاممي الوفي.
وفي الختام أقول لمعلمي ورفيقي أبو نرجس نم قرير العين يا عزيز الوطن وكن مطمئنا أننا سنواصل المشوار على ذات الطريق، التي مهدتها، لأنها طريق الحق والمنطق.
ولتكن ذكراك خالدة كعبق الورد وأقوى من النسيان.
