حسام الدين التركي وأخوه العربي

single
إسلاميو تركيا مرتبكون هذه الأيام كما لم يرتبكوا من قبل. أنشأ هؤلاء حكمًا ظنّوا أنه سوف يستقرّ إلى الأبد، وتمتعوا بأغلبية انتخابية تجيز الإحساس بالاستقرار. هذا الإحساس دفع حكام تركيا الإسلاميين إلى التباهي بما لم يجرؤ على التباهي به أيّ من حكام بلدهم السابقين: صفر مشاكل مع الجيران. وبدا حتى لبعض خصوم الإسلاميين أن الأمر سيكون كذلك بالفعل، وأنه سوف يُصعِّب على الخصوم منافسة الإسلاميين وانتزاع الحكم من أيديهم. والواقع أن الأمر بقي كذلك، أو بقي تقريباً كذلك منذ انفرد الإسلاميون بالحكم وقزّموا المعارضة.
ما تحقق لإسلاميي تركيا خدع كثيرين. وهو ما أنعش الحكي على الإسلام المعتدل، والإسلام المكتسي بالديمقراطية، والإسلام الذي يُفسح الطريق أمام التطوّر الاقتصادي ويضع بلداً من بلدان العالم الثالث في مصافّ البلدان المتقدمة. وكان هذا الحكي بين العوامل التي حملت الإدارة الأميركية على التعاون مع الإخوان المسلمين في مصر كما في غيرها من الدول العربية.
في غضون ذلك، وذلك هو ما امتد لأكثر من عشر سنوات، حققت تركيا معدل تنمية معقولاً بالقياس للمعدلات التي انخفضت في معظم بلدان العالم، وبنت سلسلة علاقات متوازنة مع جيرانها، حتى مع سورية التي تغتصب تركيا جزءاً من أرضها ومع العراق الذي تقصف شماله كل يوم، ومع إيران وكذلك مع حزب الله، بالرغم من الخلافات الطائفية. وأنشأ الحكم التركي ما ظنّ أنه توازن ثابت بين تركيا بما هي دولة آسيوية فيها حكم إسلامي وبين هذه التركيا بما هي دولة أوروبية علمانية. كما أنشأ الحكم الإسلامي توازناً بين بلد عضو في حلف الأطلسي الذي تبغضه جمهرة المسلمين وبين طموح هذا البلد للتحرر من إملاءات عضوية الحلف. وبدت تركيا للمأخوذين بتجربتها في ظل حكم الإسلاميين أكثر ديمقراطية مما كانت عليه أيام حكم العلمانيين.
هذا كلّه فتن كثيرين، ليس بين الناخبين الأتراك وحدهم، بل في الجوار أيضًا. وهو ما جلب للحكم الإسلامي منافع ليست قليلة: الشعبية الواسعة، والتجارة المزدهرة والرابحة، والسياحة الأكثر ازدهاراً، وراحة البال، والمباركة والتبريك.
مع الربيع العربي، خصوصاً حلقته السورية، بدأ هذا كلّه يهتز. لم تهتزّ الصورة بسبب التأثير المباشر لهذا الربيع، بل لأن مواقف تركيا الإسلامية كشفت كم هي هشة الأسس التي انبنى عليها الاستقرار والازدهار السابقان. وهذه المواقف هي التي أظهرت ما ينطوي عليه ظاهر الوضع التركي من تناقضات يتعذر الإفلات من عقابيها.
أول التناقضات كشفه تأييدُ تركيا الإسلامية للأطراف الرجعية في بلدان العرب التي شهدت الحراك الديمقراطي ومساعدتُها هذه الأطراف على تشويه الحراك ودفعه في اتجاهات مغايرة لاتجاهات الديمقراطيين. ولأن تركيا فعلت هذا بدافع طائفي لا يخدم مصالح شعبها، فقد خسرت سمعتها بما هي دولة توازن بين العلمانيين والدين، وخسرت، بالتالي، المنافع التي جلبها هذا التوازن، وسلح حكامها معارضيهم في الداخل بما ينفع المعارضين.
التناقض الآخر، وهو تناقض شديد التأثير، كشفه اتكاء إسلاميي تركيا الذين يحكمونها على حلف الأطلسي لتشويه الحراك الديمقراطي العربي ودفع الماء إلى طواحين الإسلاميين الرجعيين أعداء كل ديمقراطية. فاقم تأثير هذا التناقض حقيقة أخرى مرتبطة به، وهي حقيقة تعامل الحلف مع تركيا بوصفها عضواً فيه عندما يحتاج هو إلى خدمتها، وتعامله هو ذاته معها بما هي دولة من العالم الثالث حين تحتاج هي إليه.
التناقض الآخر الذي كشفه السلوك، خصوصًا تجاه سورية، أن دعاة صفر مشاكل مع الجيران قد ظهروا بوصفهم أكثر هؤلاء الجيران تمشكلا مع محيطهم كلّه وأوقحهم تدخلا في شؤون دوله الداخلية. وهكذا، رأينا أن تركيا التي عارضت مرور قوات الغزو الأميركي للعراق عبر أراضيها، جعلت من نفسها حاضنة حفيّة بكل أشكال الغزو الرجعي والأطلسي لسورية، ووضعت أجهزتها كلها في خدمة من يستهدفون تدمير سورية على رؤوس كل من فيها.
ما تكشف من التناقضات، ما ذُكر هنا وما أُغفل ذكره، اقترن بإفراط الحكم التركي الإسلامي في سلوكين قبيحين اتبعهما معاً؛ فهو قد أفرط في دعم ما فعله ويفعله الإخوان المسلمون العرب مما يظهر تخلّفهم وتناقضهم هم أنفسهم مع الشعارات التي يدّعونها لأنفسهم؛ وهو قد أفرط في حفزه الدول الأطلسية على تدمير سورية، وتماهى، في هذا المجال بالذات، مع أشدّ الأطراف عداء لهذا البلد.
هل يصحّ أن نعدّ هذا السلوك انقلابًا من إسلاميي تركيا على أنفسهم، أو نعدّه التعبير الأصدق عن طبيعتهم التي جهدوا لإخفائها عن العيون؟ السؤال ذاته يُشير إلى الإجابة. فالطبع غلّاب. وحين ينتصر إسلاميو تركيا لما يفعله نظراؤهم في بلاد العرب جميعها مما يستفزّ القوى العصرية في هذه البلاد، فإنهم يثبتون بسلوكهم ذاته أن حسام الدين التركي مماثل لأخيه العربي في الطبيعة، حتى وإن ادعى غير ذلك.
وحين نشهد كيف تنتعش المعارضة العلمانية التركية فيما تزداد مواقف الإسلاميين ارتباكًا، فهذا يُظهر أن ارتباك هؤلاء سيشتد وسيشتد تخبُّطهم. صفر مشاكل تحوّل إلى طوفان مشاكل. ولن يظل هذا بغير تأثير على الداخل التركي. وهذا هو بالذات ما أوقع الارتباك في صفوف من ظنوا أن أمرهم قد استقرّ.
قد يهمّكم أيضا..
featured

وأعطي نصف عمري ...

featured

حين "تستقلّ" دولة عن كبار مبدعيها

featured

يوم ميلاد بيرس التسعين: احتفال مليء بالكذب والتضليل والخداع

featured

سلامة المقياس الأساسي

featured

"حتمية الضرورة "

featured

"يا شعوب الشرق هذا وقت ردع الغاصبين"

featured

في مواجهة إعلام الاحتلال