حين "تستقلّ" دولة عن كبار مبدعيها

single
على حافّة البرد رحل عرّاب الطّرب وديع الصّافي إلى الرّفيق الأعلى، بدون حضور رسمي يليق بمقامه الرّفيع، فقط جنازة شعبيّة حاشدة، شارك فيها الوسط الفنّي، فحَمَل الزّمن عن العملاق وديع الصّافي حقيبة الآخرة، ووصلت روحه إلى درب السّماء، فاستقبلته بعُرسٍ ملائكي. يتساءل البعض لماذا أكتب اليوم عن وديع الصّافي؟! أكتب لأنه يؤلمني أن القنوات الفضائيّة السّورية ما زالت تتذكّره، وبثت مؤخّرًا تقريرًا مصوّرًا عنه، لذا شاهدت مدى حبّهم وتقديرهم لتاريخ وديع، لأنه أَحَبّ سوريّا وكرّمها بأغانيه.
تغاضى الإعلام المرئي اللبناني عن تغطية وفاة وديع، وبثّ مجرد خبرٍ عاجلٍ عنه، متجاهلاً كونه الواجهة الأجمل للبنان. تلفزيون لبنان الذي يحتفظ بأكبر ارشيف غنائي لوديع الصّافي، لم يوقف بثّه لحظةً واحدة، عندما عَلِمَ بخبر وفاته... لم يبث موسيقى كلاسيكيّة كعادته.حتّى بعد مرور أكثر من أربعين يومًا على رحيل الصّافي، لم تنقل الفضائيّات اللبنانيّة قدّاس الأربعين لرحيله، نقلته فقط قنال البرتقالة المعروفة بالـ OTV، التي يملكها العِماد ميشيل عون مؤخّرًا.
لبنان الذي سمّاه وديع "قطعة سما"، باتت سماؤه اليوم مُقطّعة طائفيًّا، فتخلّى رؤساؤه الثّلاثة عن رعاية الصافي في حياته، وتغاضوا أيضًا عن إعلان الحداد على وفاته ولو ليومٍ واحدٍ، هكذا أعلن لبنان رسميًا استقلاله الأدبي عن رعاية كباره، أعلن استقلاله الثّقافي عن المحافظة على تراثهم الفنّي، وتهرّب زعماء لبنان من مسئوليتهم الأخلاقية تجاههم، لعدم وجود نظام صحيّ يرعاهم، لأنّ المشاكل السّياسيّة للبنان، دَفَنَت قدرته التنفيذيّة على احترام وفاة وديع الصّافي، في أعماق خلافات زعمائه.
  قصر بعَبْدا، لم يستطِع إعلان الحداد على وديع الصّافي، كما لم يُعلن الحداد عندما توفي منصور الرّحباني في عام 2009، المرّة الوحيدة التي أَعلَنَ فيها لبنان حداده الرّسمي، عندما توفّي الرّئيس السوري حافظ الأسد، في حزيران 2000، بأمر من قصر الرّئاسة في سوريّا، وذلك لأن لبنان حينها كان تحت الوصاية السّورية، التي حرّكت معظم القيادة السّياسية للبنان بخيوط الاستخبارات السّوريّة كالدّمى.
وَهَبَ وديع الصّافي صوته الجبلي لوطنه، فغنّى فداءً له... وهب صوته للطّبيعة، فزقزقت الطّيور على أغصان الفرح، وتغنّى بجمال تضاريسها... وهب حُنو صوته للعائلة العربية فأطربها بإرشادات طربيّة رائعة إذا جاز التّعبير... وهب صوته للدّيانات السّماويّة، فاستمدّ لحّن المزامير والصّلوات من وحي إيمانه الوَرِع.
التواضع الأخلاقي الذي تميّز به وديع، كان سمةً من سِماته، شعر بها جميع من تقرّب منه، فرسّخها أيضًا في تعامله الموسيقي، ولم يتباهَ يومًا بفنّه، بل على العكس أخذ ألحانًا من ملحّنين عديدين معروفين، أمثال فريد الأطرش، الأخوين الرّحباني، الياس الرّحباني، رياض البندَك، وأخذ لحنًا من الموسيقار السّوري سهيل عَرَفَة (والد الفنّانة الشّاملة أمل عَرَفَة) هذا يدل على أن صوت وديع كان منفتحًا موسيقيًا، وليس منغلقًا مثل مطربي هذا الزّمن، الذين يتباهون بطبقة صوتهم، بقولهم: "ما حدا بعرِف مساحة صوتي إلا أنا"!! ويجب ألا ننسى تواضع وديع، بغناء الثنائيّات مع أروع مطربي الجيل الجديد، أمثال نجوى كرم وعاصي الحلاني، فتسلّق صوت وديع أعلى الطّبقات الصّوتية، لم يصلها أحدًا بعد.
أوّل لقاءٍ جمعه مع الموسيقار محمّد عبد الوهاب كان في عام 1944، عندما زار مكتبه في ميدان التّوفيقيّة في القاهرة، فبهره صوته، ومع مرور الزّمن، قدّم له عبد الوهاب أغنيته الشّهيرة "عندك بحريّة"، التي اعتبرها طقطوقة حينها... ولكنّه لم يضع لها المقدّمة الموسيقيّة، فعند تسجيلها في الاستوديو، طلب من الموسيقار الياس الرّحباني أن يضع لها المقدّمة الموسيقية. التقى وديع الصّافي بأم كلثوم في أواخر حياتها، كان قد لحّن لها لَحْنين، لكنّها توفّيت قبل أن تغنّيهما، وظل محتفظًا بهما في دُرجِه.
بعد رحيلك أيّها الصّافي تيتّمت عصفورة النّهرين، وهوى عمود فني آخر من لبنان، وانقطع وتر الطّرب الأصيل، لأنّك شكّلت علامةً فارقة على ساحة الغناء العربي، والآن لفّتك السّماء بكفن غيومها، وأشرقت عليك نجومها بأنوار الحياة الأبديّة. وداعًا، فصوتك الذي ما زال صداه يهدر يوميًا في مسامعنا أصالةً وطربًا،على مدى أكثر من نصف قرن، سيظل يقرع أبواب ذاكرتنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

حكومة فاشلة رغم جرائمها

featured

لا تكبر، فالله أكبر

featured

الى متى النهش القاتل في جسد السلام

featured

تقارب تركي-سعودي.. في العداء لسورية!

featured

بالانعتاق من التبعية للإمبرالية، تستعيد انسانيتها!

featured

فاشية من مستنقع العدوان والاحتلال

featured

من وقف الحرب إلى آليّات السلام