أحمد سعد يا رمحًا

single

تُراها الدرب تنقلنا من دارٍ إلى دار. ودربك الآن ترفعك حيث هجعتك الأخيرة في المثوى المعد لك. ها أنت مسجًّى في عليائك على حضن تراب، وأنت تضع لك موطئ قدم في الفلك الجديد.
وعلى مهلٍ، على مهل كانت الحياة تتقطّع داخلك كأنها تُدرِّب جسمك وتهيِّئُه للرحيل. ويوما يشقّ الرمح طريقه في المعراج، فالحياة استنفدت كل ما لديها، وأخذت قرارها الأخير لإماتتك، وألقت بك جانبا لتلتقي مع برناوي آخر سبقك في الولادة، وفي الرحيل.
من أين نبدأ؟
من الصباح حيث كتاباتك تصبّح علينا بالخير كلما التقينا بها ونبدأ أولا  بقراءة الجريدة من آخرها، من نصك المعلق على الباب الخلفي.
لم تمنعك أوضاع صحتك من العطاء، بل زاد، ولعل َّ المعاناة أمدَّتك بالمزيد، المزيد من الإبداع.
يطلُّ نصك منشورا، واسع الأجواء، ويكون مزدحما بالأشخاص، والمفردات، والأقوال، والمعاني، والحوادث والحركة، يصلح، ليكون مشروع قصة، أو رواية.
تستدرج أهل النص، تفتح لهم الباب، وتضعهم على الورق، وتخدعهم، ومن حيث لا يدرون، تروح الشخصيات تكشف عن نفسها ومواقفها وأفكارها والعقلية التي تتحكم بها، وتقودها.
لقد أصيبت لغتك بالإرهاق، وهي تطيل الإصغاء الى مفردات الحياة اليومية. وراحت تصوغ نكهتها، وهي تغرف من إناء ٍ غاية ٍفي البساطة، ومليء بروائح الأجواء الشعبية.
كان مشروعك ينهض على ثلاثة أركان :
الوطن، الحزب والجريدة.
تنظر إلى وطنك المُهان، والمقيم بين الضلوع، وتمتلئ روحك بالقهر، وتتفرس في أنحائه، وتكتب، وتحدِّق في الهاوية، الهاوية الممتدّة من أول النكسة، إلى آخر التيه.
ويمتد ذهولك، وأنت تتلمس جروح الوطن، تمتلئ بأمل الرجوع، وخيبة الرجوع.
كانت منابر الحزب الشيوعي الكوَّة التي كنت من خلالها تمد أقوالك على لسان أو قلم،  وانصهرت بكاملك في جسم الحزب، واكتنزت بمبادئه، وجعلته إلهك الأرضي، والرفاق الصحابة.
لقد آمنت بالتجربة الماركسية، وبقيت صامدا في أحلك أيام الحزب، وقت الإنهيارات، وبقيت عقليتك العمالية تسير على هدى : الحتمية التاريخية، تحتم انتصار الإشتراكية.
 ومن خلال منابر الحزب نشرت مبادئه، وكشفت الظلم، ورفعت المنجل، والمطرقة في وجه مخرز السلطة.
عنيدا كنت في مواقفك، محتفظا بالرأس المنخفض أمام كبرياء تواضعك.
إمتلكت الهدوء، والبساطة، والإستقامة، والصدق، وكل الصفات النبيلة  التي يتصف بها الأنبياء، والفقراء. مُفرِطاً في إنسانيتك، لا تبغي مالاً ولا علوّا في الأرض، وأبعدت عن نفسك لعاب الوجهنة، والتلون، وبقي لونك الأحمر الصافي هو الذي يقود حركتك، ويوجهها.
لقد انغمست بكاملك في النضال الذي صقلك، وسوّاك رُمْحا حادا وصلبا.
ومن حولك عمرك يركض بثرثرة دون أن يكون لديك الوقت لتنتبه لعدو إرهابي يتربص بك وراء الباب، حتى انفردت بك الأوجاع، واستبدَّت وطغت في شراستها.
كان جسمك - إناء روحك- مسكن ومحط أوجاعك، لقد أخصب المرض وتغلغل داخله، وتمدد كشجرة شوك، وكان نزلاؤك من الآلام من ذوي الأقفية الثقيلة والأكباد الغليظة، وأحيانا كنت تتجسس عليها، وتقيس حركتها، وتتودَّدُ إليها، وتكرمها بالأدوية والعقاقير. لقد حملت آلامك بكل شهامة وكبرياء ولم تدع اليأس يحرز انتصاراته عليك، وترفعت عنها، لتجعلها غير ذي وقع على النفس، وبكل قوة تصدّت لها معنوياتك لتخفف من حركتها، ولكنها زادت من قوتها، وبقيت شراستها تحت هذه الأثقال تغرز أنيابها في اللحم الطري. وأخيرا تمدد الجسد النحيل، ومال ورجع إلى حركته الساكنة.
كانت حياتك في مجملها صعبة وقاسية، ومليئة بالمتاعب،  وللأمانة كانت حياة واضحة وشريفة.
عش في موتك أيها الرفيق مرفهًا تحت السكينة والهدوء.
 ولا تطمع بما فوق النجوم.
 فالحياة كتاب، تنتهي عند فهرسها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

داء نقص التروية القلبي

featured

نفاق الشرعية الدولية

featured

اليمن مصلوب على رافعة سعودية

featured

أي مؤتمر نريد ولأي حزب نسعى

featured

فوضى السلاح الأمريكية تقتل المواطنين

featured

سوريا تريد السلام. اسرائيل تريد الجولان

featured

تعيين مزوز وحدود سلطة القانون في إسرائيل

featured

لنصون هذا الصرح