*وبعمق عدائها للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية*
لسبب ما كان سليم الديب "أبو الذيب" يوحي لي.. وربما بسبب تشابه الأسماء.. أنه قادم من مسرحيات فيروز الغنائية، ومن التراث الشعبي الذي تتناقله حكايا الناس.. وبقي في ذهني حتى رحيله بطلًا شعبيًا على طريقته الخاصة، من أولئك الذين قد تصادفهم في الاساطير..
هكذا كان انطباعي الاول عنه وهكذا كان انطباعي الأخير منه.. بدأت ألتقيه بوتيرة عالية عندما شغلت منصب سكرتير منطقة حيفا الحزبية منذ عقود من الزمن.. وما كان يحدث أن نعلن عن عمل كفاحي في حيفا إلا ويظهر بيننا، يأتينا هذا المناضل المثابر من لا مكان.. أو من كل مكان، لينتصب كالمارد في مظاهرة ضد العنصرية والاستفزازات الكهانية الفاشية، او في مظاهرة نقابية وتوزيع منشور في أماكن العمل، يحرض العاملين على النضال من أجل الخبز والعمل والسلام العادل، من أجل حقوق العمال، ومن أجل انتزاع الاعتبار للطبقة العاملة والشرائح الشعبية المنتجة التي تواجه الاستغلال والقهر.. وما أن نعلن عن مظاهرة متحدية، أو سلسلة بشرية في مراكز المدينة المتشنجة، نبني من حولها جبهة يهودية عربية واسعة لإنهاء الاحتلال الذي يمضى عليه اليوم 50 عاما، كنا نجده هناك في صف المقارعة الأول، من أجل تحرر الشعب الفلسطيني واستقلاله، ومن أجل السلام العادل، ومن أجل التأسيس لمعسكر ديمقراطي حقيقي وعملي.. ليس لتسجيل موقف، وانما من خلال الحفر في صخر الواقع الاسرائيلي المشبع بالاستعلاء والعنصرية والتشنج القومي الذي يغذيه الاحتلال والاستيطان، وسفك الدم، والعنصرية، والتدهور الفاشي، ومشاريع الحرب، ورعاية الارهاب.
خمسون عامًا.. وما زالت هذه المعركة ماثلة على أشُدّها اليوم أيضًا.. وفي الخامس من حزيران القريب تخترق شوارع حيفا مسيرة يهودية عربية قطرية كبرى بدعوة من مجموعة كبيرة من حركات السلام والقوى السياسية، بمبادرة حزبنا الشيوعي والجبهة وعلى أساس وثيقة سياسية أصدرناها منذ بداية هذا العام – لترفع الصوت الذي رفعه سليم الديب على مدى 50 عامًا.. كفى للاحتلال!
إن صوت رفيقنا المناضل سليم الديب يجب أن يجلجل في هذه المظاهرة من خلال محبيه والاوفياء لطريقه، من خلال مشاركتكم الواسعة، وبهذا يكون تكريمه الحقيقي، الذي كان أبو الديب سيختاره لو أمكن له ان يختار!
ونحن ندعوكم الى ان تحملوا صوت أبو الديب ليكون معنا في هذه المظاهرة التي تحمل أعمق التضامن مع سجناء الحرية في إضرابهم عن الطعام في سجون الاحتلال وزنازينه.. ليس مقاومو الاحتلال هم الارهابيين، وانما الاحتلال هو الارهاب.
وتحمل هذه المظاهرة اليهودية العربية في صميمها، رفضنا القاطع للمؤامرة الجارية لتصفية القضية الفلسطينية، من خلال تحالف الرجعية العربية السافر مع اسرائيل والإعداد للمزيد من الحروب العدوانية الاقليمية والتهويش المذهبي، على طريقة ترامب – آل سعود وحلفهم الارهابي في سوريا والعراق وليبيا واليمن لتفكيكها وتفتيت شعوبها.
لقد مثّل لنا سليم الديب وأجيالٌ من رفاقه الشيوعيين الأصايل، نموذجا للوطنية الثورية التقدمية الحقيقية، التي تقاس بعمق أمميتها من جهة، وبوضوح مضمونها وشجاعة موقفها المناهض لثلاثي الامبريالية – والصهيونية – والرجعية العربية. ومن دون هذه المركبات تصبح الاممية تزلفا والوطنية زيفا.
نحن هنا اليوم، حزبًا وشبيبةً وجبهةً، لأننا مدينون لك رفيقنا سليم الديب، ومدينون للنموذج الذي قدمته للشيوعي المبدئي، المتجذر بين الناس، يحمل همومهم ويدافع عن مصالحهم، الوفيّ للطريق، والمنتمي إليه، والمؤتمن عليه. ونموذجا للجبهوي المتواجد في ساحات المعارك وميادين النضال، والمنحاز الى هموم الناس!
نحن وأجيالنا الصاعدة رفيقنا سليم الديب، مدينون لك، وللنموذج الذي قدمته للمناضل الوطني الصادق حتى النخاع، الذي كان يعي بشكل بسيط، أن وطنيته وثوريته لا تكتملان، إلا بعمق وعيه وانتمائه الأممي الى كل المناضلين من كل شعوب الدنيا، من أجل الحرية والكرامة - الانسانية، والطبقية والوطنية، والشخصية.
انتميت الى كل الشعوب الثائرة فانتمت اليك .. وضعتها في قلبك.. فوضعتك في قلوبها.. حملت همها، وشاءت الظروف أن تحمل هي همك الشخصي، أيها المناضل الاممي، والشيوعي الذي مارس شيوعيته وثوريته على بساطتها وصدقها من دون تعقيدات.. فاحتضنت الثورة الكوبية، حتى صارت جزءا منك وصرت جزءا وفيًّا منها. فصارت قسمات وجهها جزءا من قسمات وجهك، ومن لون بشرتك، أعادت النور الى عينيك.. فحملته في قلبك إشعاعا ثوريًا، حملته وفاء والتزاما الى حزبك الشيوعي وجبهتك وشبيبتك، وحملته الى شعبك والى طبقتك العاملة..
سنذكرك في وجداننا الشيوعي، مناضلا أمميا، ثوريا، صادقا نفاخر بك ونفاخر بالنموذج الذي تركته لنا.. وإنك وإن رحلت، فإن النموذج الذي تركته للثائر الشيوعي، حي فينا، باق معنا، لا يموت!
(القيت في الحفل التأبيني المهيب الذي جرى في يافة الناصرة الاسبوع الماضي للرفيق الراحل سليم ديب علي الصالح المناضل الشيوعي العريق الذي رحل وبقي معنا وفينا).
