(بوح الى صديقي الرّاحل "نمر يزبك")
ورحلتَ، يا صديقي الطّيّب، رحلت.. أذكر كنتَ تقول لي في المرحلة الأخيرة من مراحل مرضك اللئيم: " أنا رايح اطلع منها بإذن الله أنا رايح اطلع منها !!" أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.. هي ارادة الخالق النّافذة فوق ارادة كل المخلوقات.
عرفتك طيّبا كريما مضيافا.. تستقبلنا في بيتك المتواضع العامر هاشّا باشّا، ويسرّك كثيرا - إلى أبعد الحدود - ان نشاركك طعامك الذي تقدّمه لنا شهيّا زوجةٌ كريمة مثلك. ولا تفتأ تحدّثنا وتحدّثنا - بشغف ما بعده شغف - عن مشروع عمرك الكبير، بعد ان انجزت حلمك الأول عن قريبك الشاعر الفلسطينيّ الكبير "مطلق عبد الخالق". تحدثنا بكلِّ الاسهاب والتلذّذ عن موسوعتك الكشفيّة الفلسطينيّة التي نذرت لها ما تبقّى لك من حياة على هذه الأرض، فبذلت جهودا جبّارة حتى في اشدّ صولاتك مع المرض الذي لم يمهلكَ طويلا، ولم يرحمْك.
بذلت كثيرا من مالك الخاص الذي لم تكن تمتلك منه الكثير، ولكنك امتلكت العزم والتصميم والإرادة والحماسة.
تتصل بمن لهم علاقة بالموضوع.. تسافر دون تردد أو اجراء حساب لتكلفة مادية.. تتحمّل مشاقّ السفر على الرغم من ٱشتداد وطأة مرضك، وتتحمل تكاليف السفر والمبيت في الفنادق المختلفة.. تصوّر وتصوّر دون ملل أو كلل..تجمع آلاف الصور الفوتوغرافية لكشافتنا الفلسطينية.. تنتشي وتباهي بارتفاع رقم حصيلة الصور التي ٱستطعت جمعها، وكأنك امتلكت فيها كنوز الدنيا أو يزيد!
تجمع المصادر المطلوبة ذاتَ الصلة بالموضوع بفرح كاسح غامر دون هوادة.. تعود إلى منابع حركتنا الكشفية، إلى ما قبل فقداننا فردوسنا الفلسطينيّ الرائع.
تتصل بي لتطلعني أوّلا بأوّلَ على كل ما هو جديد في بحثك الرائد المميز.. وعندما نكون عندك تطرح امامنا - على طاولة مكتبك - حصيلة ما تيسّر لك جمعه من مواد مختلفة لرفد بحثك. وبيسر الحظ بريق الفرح الطفوليّ الرائع مؤتلقا في عينيك الطيبتين.. وتروح تدخن وتدخن، وتعرِض المواد المختلفة والصور، وتخطط وتحلم وتحلم بإنجاز موسوعتك الكشفية المستقبلية التي قطعت في انجازها شوطا طيبا، والتي ما سبقك إليها أحد، بطرح موسوعيّ مفصَّل كما فعلت أنت.
وتفاجئني، يا صديقي، في المدة الأخيرة من مرضك الخبيث.. قلت لي انك بحاجة ماسّة إلى عملية قسطرة في شَريان القلب.. حثثتك على اجرائها في أقرب وقت..وعدتني بذلك، ولم تخبرني ولم تخبر عائلتك أيضا بحقيقة مرضك الخطير، إلى ان فوجئتُ - عبر الوسائل الإعلامية الالكترونية - بخبر اعدادك لإجراء عملية معقدة يتم فيها تعريض الكبد الذي ينهشه السرطان للإشعاع النوويّ المباشر امام آلات التصوير، ليشهدها العالم بِأسْرِهِ، ويتابعها لحظة بلحظة.
قبل مدة كنا في مدينتك مدينة الناصرة التي لها مكانة خاصة في قلبي..كنا في لقاء أدبيّ.. اتصلت بك لأزورك وقتها زيارة خاطفة لأطمئن عليك، وأنا الذي أحب حديثك الممتع ومجلسك المميَّز.
جاءني جواب زوجتك أم محمد عبر الهاتف تخبرني فيه بانك نائم. اوجست في نفسي خِيفةً!! طوال هذه السنوات التي عرفتك فيها وسعدت فيها بصحبتك لم اتصل بك مرة واحدة ووجدتك نائما، وكأَنَّ عينيك لم تعرفا للنوم سبيلا ولو ساعة واحدة من ساعات العمر!!
ساورني القلق عليك!! بعد أيام عاودتُ الاتصال.. اجابتني زوجتك جوابها الأول، وأنها تقوم هي بنفسها بالرد على جميع مكالماتك الخاصة التي تردك!! أيقنت في نفسي عندها، يا صديقي الطيب، بأنك قد تغادرنا إلى الملأ الاعلى في كل لحظة، لتترك في قلوبنا لوعة لا تنقضي، وذكرى لا تجفّ دموعُها.
لقد بذلت الجهود الجبارة حتى بعد اجرائك للعملية مباشرة في سبيل النهوض بمشروعك البحثيِّ عن حركتنا الكشفية الفلسطينية.. تلك الدراسة الرائعة التي ما زالت قابعة طيَّ الادراج على الورق، ومخزونة في حاسوبك الشخصي! فهل ستجد هذه الدراسة القيمة لها طريقا إلى عالم النور حاملة اسمَكَ مَشْعلا طيبا من مشاعل النور يضيء لنا جانبا مهما من تاريخنا الذي حاول الكثيرون التعتيم عليه ووأده، ويوثّق لجذورنا التي حاولوا ويحاولون اقتلاعها.
دامت ذكراك العطرة الطيبة، يا صديقي الطيب الرائع، وتغمَّدك الله بواسع رحمته، واسكنك فسيح جناته.. فلعل لقاءً متجددا لنا يكون هناك ليجمعنا ثانية بفضل رحمة من رب كريم٠٠ اللهم آمين.. آمين.
