تُحيي الجماهير العربية في كفر قاسم وخارجها في هذه الأيام ذكرى شهداء مجزرة كفر قاسم والتي مضى عليها 57 سنة حيث حصلت بتاريخ 29 أكتوبر / تشرين الأول في الساعة الخامسة مساءً.
وللتذكير ولمن لا يعرف، ففي التاريخ والساعة المذكورين أطلق جنود حرس الحدود النار على عمال وفلاحين راجعين من عملهم حيث لم يعلموا بوجود منع تجول لأنه كان من المفروض ان يكون في الساعة الحادية عشرة مساءً كالمعتاد. وحتى لو أنهم اخلوا بمنع التجول فهذا لا يعطي أحدا الحق بقتلهم، وحصد أرواحهم البريئة.
الجريمة تدل على انها مدبرة ومقصودة وليس بسبب ان ضحاياها اقترفوا أي ذنب وإنما لأنهم عرب ووراء ذلك أهداف سنسردها فيما يلي.
الحكومة الإسرائيلية والرقابة العسكرية فرضتا التكتم على هذه الجريمة لمدة شهر ونصف الشهر، ولكن النائبين الشيوعيين توفيق طوبي ومئير فلنر علما بالخبر وتسللا عن طريق الجبال والوديان المحاذية للقرية وحصلا على إفادات شهود، وعمما ذلك بآلاف النسخ ووضعوها بصناديق بريد الناس بسبب منع الرقابة، مما اجبر بن غوريون عن إعلان الخبر أمام الكنيست، فتأسف واعتذر ودفعت الدولة تعويضات لأهل الضحايا ولكن هذا لا يعوضهم عن فقدان أبنائهم.
قرية كفر قاسم أقامت نصبًا تذكاريًا وتمثالا للنائب توفيق طوبي تقديرًا له، كما انهم يحيون ذكرى هؤلاء الشهداء في كل سنة بطرق مختلفة ومعهم أبناء شعبنا في الداخل.
استجابة للرأي العام العالمي وضغطًا من النواب العرب والجماهير العربية قُدم للمحاكمة البعض من رجال الحكم العسكري المسؤولين عن جريمة هذه المجزرة.
وفي هذه العجالة لا نريد أن نخوض بتفاصيل ذلك وإنما نكتفي بالقول ان الأحكام التي صدرت بحق المذنبين كانت خفيفة للغاية، ونذكر ما كان للقائد شدمي الذي وجد مذنبًا وفرضت المحكمة عليه غرامة بقرش واحد، ومن يومها يضرب المثل بالقول "قرش شدمي".
وقد تضاربت الاختلافات بين المؤرخين عن الأهداف الحقيقية من وراء ارتكاب جريمة مجزرة كفر قاسم هذه ونوجزها كالآتي:
أولا، هو الترانسفير الطوعي للجماهير العربية الذي طالما طالب به الكثيرون من القادة الصهيونيين، ففكروا على عادتهم ان المجازر تخيف العرب فيهربون من الدولة كما حدث في سنة 1948 اثر مجزرة دير ياسين. ولكن خاب ظنهم هذه المرة، ولم يهرب ويغادر بيته أي عربي وبقوا صامدين رغم كل الظروف الصعبة.
ثانيًا، التمويه وإزاحة الأبصار عما كانت الدولة تخطط وتحضر له لضرب دولة مصر العربية برئاسة المرحوم جمال عبد الناصر ونجد دعمًا لهذا الرأي في يوميات موشي ديان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك. وفعلا بعد مجزرة كفر قاسم حصل العدوان الثلاثي من قبل إسرائيل، فرنسا وبريطانيا على مصر بسبب تأميم قناة السويس من قبل الرئيس الراحل ناصر والنتيجة معروفة فشل هذا العدوان وانسحاب القوى المعتدية من الأراضي العربية المصرية وكان للاتحاد السوفييتي ورئيسه خروتشوف دور بارز بهذا والذي هدد وتوعد واجبر تلك القوى المعتدية على الانسحاب من الأراضي المصرية التي احتلتها سنة 1956.
ثالثًا، تخويف وردع عرب الداخل من ان لا يثوروا ضد إسرائيل في حالة وقوع العدوان الثلاثي على مصر.
ونجد ذلك دعمًا في أقوال إيسار هرئيل رئيس الشاباك والحاكم العسكري العام شخطر اللذين صرحا سنة 1958 انه لو ثار العرب اثر العدوان الثلاثي لوجدوا حتفهم ولكنهم خافوا ولم يفعلوا. كما نجد تأييدًا لذاك الرأي بالسياسة العامة لحكومات إسرائيل التي أعطت حرية قتل العرب على أيدي جنودهم، فقُتل حتى سنة 1953 ما يقارب 2700 حتى 5000 عربي بحجة انهم متسللون ولم يكونوا كذلك.
نقول مهما تكن الأهداف من وراء جريمة مجزرة كفر قاسم، فقد اثبت العرب في الداخل انهم باقون وصامدون على أراضيهم ولن يخافوا من أي جريمة، مما أدى تدريجيًا إلى التخفيف من حرية التنقل التي كانت مفروضة من قبل الحكم العسكري كما أدى إلى زيادة النضال الجماهيري العربي لإبطاله وفعلا ألغي سنة 1966.
وفي النهاية نقول ان البقاء والصمود على الأرض وعدم مغادرة البلد رغم مجزرة كفر قاسم ساعد في نزع ثوب الخوف اللاحق بجماهيرنا العربية بسبب الحكم العسكري، مما شجع على التصدي للشرطة في مظاهرة اول ايار سنة 1958 بقيادة المرحوم توفيق زياد وفي أم الفحم، وتجلى بأكثر شدة وإصرار في يوم الأرض، وأم السحالي ومعركة الروحة في أم الفحم وبهبة الأقصى أو أكتوبر، وكل ذلك كان بقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
(أم الفحم)
