إذا كان توفيق قد غاب عنا جسدًا، فإن هذا القائد الكبير باق فينا فكرًا ومنهجًا. وأجرؤ على القول بأن الأقلية القومية الفلسطينية داخل دولة إسرائيل بشكل خاص والحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام مَدينة لهذا القائد ورفاقه بالكثير. فحين وقعت النكبة عام 1948 ونفذت الصهيونية عملية تطهير عرقي مبيّتة ومنظّمة، فان البقية الباقية التي أفلتت من هذه العملية الوحشية واجهت ظروفا اعجازية من التمييز المنهجي والضغوط المتنوعة، على مدى الأربع والعشرين ساعة، علاوة على مصادرة أراضيها وممتلكاتها وتحديد حركتها، بالحكم العسكري الذي عاشت تحت كابوسه السنين الطوال.
كان حكام إسرائيل الصهاينة يطمحون من وراء ذلك تحقيق واحد من هدفين، إما اكراه هذه البقية الباقية على الرحيل عن وطنها، أو التخلي عن هويتها ولغتها وتاريخها والذوبان في بوتقة الصهيونية العنصرية، كما جرى مع اليهود العرب الذين قدموا إلى إسرائيل. وبالفعل، ظهرت تيارات تعكس هذين الاتجاهين في أوساط من تبقى من الشعب العربي الفلسطيني داخل إسرائيل. فمن الجانب الواحد برزت ظواهر النزق والتهوّر، كرد الفعل العاطفي على هذا التمييز والتضييق الوحشي. وجاء التعبير عن ذلك في شعارات مثل "ما عاد ينفع غير المدفع"! وغنيّ عن القول بأنه لو قدّر لهذا المنحى أن يسيطر في الوسط العربي داخل إسرائيل، لكان قدّم أفضل غطاء لاستكمال سياسة التطهير العرقي الصهيونية، ولهدد جديا باقتلاع هذه الأقلية القومية الفلسطينية من وطنها، دون أن تكون هناك عوائق جدية تعترض ذلك، وبخاصة في المحيط العربي آنذاك. وبالمقابل، راحت تبرز، ومنذ البدء، ظاهرة العملاء والمتعاونين من ضعاف النفوس واليائسين.
في هذا المنعطف المصيري تألق نجم توفيق ورفاقه، كفرسان الإنقاذ، لقيادة الركب على طريق الصمود المشرّف، النابع من نهج ثوري واقعي. ولم تكن مهمة هذه القيادة بالأمر اليسير، بل كانت أشبه بالمعجزة، في أجواء الاستفزاز والتضييق ومختلف الممارسات الإرهابية من السلطة الصهيونية. كانت أشبه بالسير على حافة السيف، فأي انحراف نحو اليمين ينزلق بالركب نحو الذوبان والضياع، وأي انزلاق نحو "اليسار" يؤدي إلى التهوّر والمغامرة، وهو ما تترصده بلهفة السلطة الصهيونية للتنكيل بهذه الأقلية القومية الصامدة وتبرير تهجيرها.
وبعد أن ترك توفيق الدفة، واعتكف في بيته، فقد كان كل من يزوره يشعر بالقلق الصامت الذي كان يعيش في داخله، على مصير شعبه، وتحسبه من أية أخطاء تقع، ولو بحسن نية، يتلقفها ويستغلها حكام إسرائيل للتنكيل بشعبنا، سواء ذلك القسم الموجود داخل إسرائيل أو في المناطق المحتلة، وهو الادرى بمكائد هؤلاء ونواياهم السوداء المبيّتة ضد شعبنا.
واليوم، إذ يخوض الشعب الفلسطيني صراعا مصيريا ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفي سبيل حقه المشروع في الاستقلال وتقرير المصير، فان تجربة ذلك الجزء منه الذي بقي مزروعا في ارض وطنه تشكل معينا لا يقدّر بثمن في معركة الشعب الفلسطيني الجارية، بل يمثل مجرد بقاء هذا الجزء العزيز منه صامدا في ارض وطنه، ومدافعا عن مختلف حقوقه، أهم انجازات الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة حتى الآن، في وجه المشروع الصهيوني للتشريد والتهويد. وهل يمكن ذكر هذا الانجاز التاريخي دون الانحناء أمام ذكرى رواده، وفي مقدمتهم القائد الكبير توفيق؟
