قبل أيام عقد اجتماع بين وزيري الاقتصاد الفلسطيني حسن أبو لبدة والوزير الإسرائيلي بنيامين بن اليعزر بطلب من الأخير ، في محاولة يائسة منه لثني السلطة الوطنية الفلسطينية عن قرارها الجريء والداعي لمقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م ، والتي أطلقتها الحكومة الفلسطينية قبل بضعة أشهر حيث كانت قد سبقتها بسنة انطلاقة الحملة الشعبية لمقاطعة بضائع الاحتلال الإسرائيلي بالكامل ، هذه الحملات المحصنة بالموقف الشعبي والداعية إلى ترسيخ مفهوم مقاطعة الاحتلال وكل إفرازاته في وعي الشعب الفلسطيني وتحويلها إلى ثقافة وسلاح ومقاومة ونمط حياة وسلوك يومي ، وتجذير هذه المفاهيم والقيم الوطنية النبيلة في الوعي والوجدان الجمعي لأبنا الشعب الفلسطيني عامة.
الحملة الشعبية للمقاطعة ومن ثم الرسمية باتتا تؤتيان أكلهما بشكل واضح على الرغم من التهديدات الإسرائيلية الرسمية باتخاذ إجراءات عقابية ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ، وفي هذا السياق جاءت تهديدات النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي "سيلفان شالوم" ، باتخاذ إجراءات عقابية على السلطة الوطنية من خلال فرض ضرائب على المنتجات الفلسطينية والتشويش على عملية تنقل البضائع إلى الأراضي الفلسطينية ، وبمنع نقل البضائع من والى الفلسطينيين عبر الموانئ الإسرائيلية ، حيث صرح بهذا الوزير الإسرائيلي علانية حينما قال ان حكومته تدرس تعويض المصانع المتضررة في المستوطنات من أموال الضرائب التي تحولها إسرائيل إلى السلطة الوطنية ، وكذلك طُرح على جدول أعمال الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون جديد يعاقب كل من يقاطع إسرائيل أو بضائع منتجة في مستوطناتها ، ويسمح بمصادرة جميع الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية لدى إسرائيل من رسوم الجمارك وغيرها ، ويقضي بمنع السلطة الفلسطينية من التعامل مع البنوك الإسرائيلية ومصادرة أموالها في هذه البنوك واقتطاع مبالغ منها لدفع تعويضات للمتضررين. إلى جانب تصريح نائب وزير الخارجية الإسرائيلي "داني ايالون" خلال جلسة اللجنة الاقتصادية في الكنيست ، انه لا فرق بين القدس وكريات تيفعون واريئيل ، وان المقاطعة الفلسطينية هي جزء من حملة تحريض مستمرة ومدبرة تقوم بها السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل. فيما قال رئيس اتحاد أرباب الصناعة "شراجا بروش" خلال جلسة اللجنة نفسها ، انه يجب وقف نقل البضائع الفلسطينية إلى الموانئ الإسرائيلية إذا استمرت المقاطعة الفلسطينية للمنتجات الإسرائيلية المصنوعة في المستوطنات ، كما طالب أعضاء اللجنة بإغلاق الموانئ الإسرائيلية أمام البضاعة الفلسطينية ، ووقف تحويل الأموال من الضرائب والتأمين الوطني وتحويلها إلى أرباب الصناعة الإسرائيليين تعويضا عن خسارتهم ، وقررت اللجنة ذاتها البدء في الإعداد لقانون يسمح لإسرائيل بعدم تحويل الأموال للسلطة إذا لم يتم إلغاء قانون منع تسويق بضاعة المستوطنات في أراضي السلطة الفلسطينية. وعلى الصعيد نفسه وصف بعض الوزراء الإسرائيليين قرار المقاطعة "بالإرهاب الاقتصادي" لما يشكله سلاح المقاطعة من أضرار فادحة للاقتصاد الإسرائيلي ، حيث يستهلك السوق الفلسطيني ما يقارب 500 مليون دولار سنويا من بضائع المستوطنات فقط ، كما يعتبر السوق الفلسطيني هو ثاني اكبر سوق للبضائع الإسرائيلية في العالم ، ويأتي مباشرة بعد السوق الأمريكية وتصدر إسرائيل للسوق الفلسطينية بضائع قيمتها 3.5 مليار دولار سنويا ، بينما حصة السوق الفلسطينية من الإنتاج الوطني لا تتعدى 30% .
وبعد هذه الفترة القصيرة نسبيا من انطلاق حملات المقاطعة والتي لبى نداءها والتزم بها جزء لا يستهان به من أبناء الشعب الفلسطيني ، وبدأ الأثر الحقيقي لهذه المقاطعة ينعكس سلبا على اقتصاد المستوطنات الإسرائيلية والاقتصاد الإسرائيلي بشكل عام ، تمثل في انهيار وإغلاق بعض المصانع في المستوطنات حسب ما صرح به الوزير الإسرائيلي نفسه ، وللتخفيف من وطأة القرار الفلسطيني وضعت وزارة الصناعة والتجارة الإسرائيلية واتحاد أرباب العمل في إسرائيل ، خطة تقضي بتشجيع أصحاب العمل في المستوطنات على تشغيل عمال إسرائيليين مكان العمال الفلسطينيين ، مقابل تلقي كل عامل إسرائيلي مبلغ "2000" شاقل شهريا كمنحة تشجيعية تضاف على رواتبهم الشهرية المتفق عليها .
وبعد انتهاء الاجتماع بين الوزيرين الفلسطيني والإسرائيلي صرح وزير الاقتصاد الفلسطيني "أن لا تغيير في الموقف الفلسطيني من المقاطعة وسننظف السوق الفلسطيني من هذه البضائع مع نهاية العام" ، "وقال إن ما قيمته نحو "200 "مليون دولار من السلع المنتجة في المستوطنات صودرت في الضفة الغربية منذ بدء الحملة".
هذا التصريح لوزير الاقتصاد الفلسطيني ترك ارتياحا في الشارع الفلسطيني ، ولكن ما يقلق انه لا يزال هناك كثير من التجار الفلسطينيين في معظم المدن والقرى والمخيمات في الضفة الفلسطينية ، يقومون بعرض البضائع المنتجة في المستوطنات علنا وكما يقول المثل الشعبي ( وعلى عينك يا تاجر ) في الأسواق وعلى أرصفة الشوارع وأمام محلاتهم التجارية ، غير آبهين بقرار المقاطعة رغم ما يلحقه ذلك من ضرر فادح بالاقتصاد الوطني ويقوي اقتصاد الاحتلال الذي يمول به جيشه ويزيد من توسعة بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وكما يوجد وكلاء فلسطينيون لمصانع ولشركات تجارية تعمل في المستوطنات ، يقومون يوميا بتهريب هذه البضائع إلى السوق الفلسطينية ، مع أن جزءًا من هذه البضائع يكون منتهي الصلاحية ولا يصلح للاستخدام الآدمي ، وذلك رغم حملات رجال الضابطة الجمركية الفلسطينية المستمرة الهادفة إلى تنظيف السوق المحلي من منتجات المستوطنات ومن البضائع الإسرائيلية المهربة ، والمنتشرة طواقمها على معظم المداخل التي يمكن أن تشكل منفذا لدخول هذه البضائع وتعمل على مصادرتها وإتلافها.
وفي محاولة إسرائيلية لإحباط قرار المقاطعة ، ظهر نوع آخر من طرق الالتفاف والترويج لبضائع المستوطنات وللبضائع الإسرائيلية ، تمثل بفتح أسواق إسرائيلية كبيرة بالقرب من المستوطنات وخاصة مستوطنتي "كفار عتصيون" القريبة من مدينتي الخليل وبيت لحم و"معاليه مخماس" القريبة من مدينة رام الله ، متخصصة لبيع بضائع المستوطنات للفلسطينيين بأسعار رخيصة مستغلة الضائقة المالية التي يعاني منها غالبية الشعب الفلسطيني ، وهذه المحلات التجارية تعرض بضاعتها بأبخس الأسعار ، لأنها تقوم بتسويق بضائع تفتقد للجودة ولم يتبق كثير من الوقت على تاريخ صلاحيتها ، وأن حالات تسمم عديدة لفلسطينيين حصلت كنتيجة لتناول بعض المستهلكين الفلسطينيين الذين باعوا ضمائرهم وخاطروا بصحتهم وصحة أطفالهم وأسرهم للشراء من هذه المحلات المشبوهة ، ضاربين عرض الحائط بالقرار الوطني بالمقاطعة ، وعليه يجب على طواقم حماية المستهلك الفلسطينية رصد المتسوقين الفلسطينيين ونشر أسمائهم على الملأ ، وتقديم لوائح اتهام ضدهم للجهات القضائية المسؤولة ، وبهذا الصدد على السلطة الوطنية تفعيل قانون حظر المتاجرة بمنتجات المستوطنات الذي صدر عن الرئيس محمود عباس في نيسان الماضي ، والذي نص على فرض عقوبات على كل من يتعامل مع هذه البضائع بمشاركته أو بمساهمته في تداولها ، أو توريدها أو قام أو شارك أو ساهم في نقلها ، تتراوح عقوبته بين السجن لفترة قد تصل إلى عشر سنوات ، وغرامة مالية قد تصل إلى 14 ألف دولار.
وعلى صعيد مقاطعة العمل في المستوطنات فمثلما يوجد فلسطينيون تجار ووكلاء لبضائع المستوطنات ، يوجد أيضا فلسطينيون تجار سخرة وسماسرة عمال كثير منهم تحوم حولهم الشبهات ، يقومون بتوريد العمال الفلسطينيين لأرباب العمل الإسرائيليين أو لسماسرة إسرائيليين في المستوطنات ، غير آبهين بقرار السلطة الوطنية الداعي بمقاطعة العمل في المستوطنات ويتاجرون بعرق العمال الفلسطينيين وقوت عيالهم ، هؤلاء العمال المثقلون بأحمال الدنيا ومشقتها الطويلة عبر سني عمرهم الحوالك ، والذين يحملون في قرارة أنفسهم كرها للاحتلال والاستيطان والمستوطنين أكثر من كرههم للشيطان ، والذين يخسرون كل حقوقهم لصالح المشغل اليهودي مباشرة أو لصالح السمسار الإسرائيلي أو السمسار الفلسطيني والتي تزيد أمورهم وأحوالهم سوءا بعد سوء.
أما بالنسبة لعدد العمال الفلسطينيين العاملين في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م ، فيقدر بـ 35 ألف عامل يشتغلون في مجالات الزراعة والصناعة والبناء وغيرها والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من السلامة المهنية ، ويشكلون ما نسبته 10% من مجموع القوى العاملة في المجتمع الفلسطيني ، هنا يجب أن يُسأل المرء نفسه عن الضرورة الملحة في إيجاد البدائل الحقيقية لهم في توفير فرص عمل ووظائف ومشاريع تشغيل ، والإسراع في بذل الجهود لإنشاء صندوق الكرامة الوطنية وتفعيل صندوق التشغيل والحماية الاجتماعية ، والمطلوب أيضا من كافة الوزارات المعنية ومن القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والـNGOS بذل أقصى الجهود لتوفير فرص عمل بديلة لهم ، بدل تركهم يهيمون على وجوههم ليذوقوا وأسرهم لوعة القلق والحرمان ، فهم بالتأكيد لا يملكون من متاع أو حطام الدنيا شيئا.
فهل كثير على الحكومة الفلسطينية توفير مبلغ "2000" شاقل كراتب شهري وليس كحافز لكل عامل فلسطيني إذا ما قورن بمبلغ ألـ "2000" شاقل الذي ستقوم بتقديمه الحكومة الإسرائيلية للعمال الإسرائيليين الذين سيحلون مكان العمال الفلسطينيين في المستوطنات كحافز وكمنحة تشجيعية ، هذا غير الراتب الأساسي والحوافز والتأمين وغيرها المتفق عليه مع صاحب العمل في المستوطنة ، وكذلك تقديم حوافز ومنح تشجيعية للشركات والمصانع والمؤسسات الفلسطينية كي تساهم بدورها في استيعاب هؤلاء الغلابى وهذا اضعف الإيمان.
(الكاتب: منسق الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية في محافظة الخليل)
