// ثمة عودة واضحة إلى الجذور. الولايات المتحدة لا تصغي جيداً. والرجل "الموهوب" في البيت الأبيض يراكم "أخطاء" كثيرة في المنطقة. لم يعد ممكناً قيادة التاريخ بمخيلة مستوطن كما يعتقد نتنياهو وليبرمان. ولن يكون مفيداً، على الإطلاق، خطاب جديد لأوباما في القاهرة لترميم الصورة التي تظهر فيها إدارته
فيما يشبه اعتذاراً مبكراً عن "أخطاء" ستحدث، أو عن فشل ذريع قائم ومتواصل، أشار المتحدث باسم البيت الأبيض، إلى أن إدارة أوباما قد ورثت حمولة من "الحذر" مع المنطقة العربية، ليس واضحاً، بالضبط، هدف هذه الإشارة التي جاءت في خضمّ الحملة الفلسطينية المتوجهة نحو نيويورك للمطالبة باعتراف الهيئة الدولية بالدولة الفلسطينية، وفي سياق التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة فيما أصبح معروفاً ومتداولاً تحت عنوان "الربيع العربي".
في ذلك المفترق المشوش بين التبرير والاعتذار والاعتراف جاءت تلك الإشارة، ولكنها، في الوقت نفسه، تحاول أن تلتف على نفسها عندما تحمل هذا "الحذر" لسياسات سابقة على ولاية "باراك أوباما"، ولمزيد من الدقة فإن المصطلح الذي أنجز في البيت الأبيض برعاية المستشارين والمتخصصين في شؤوننا هناك، يبدو مثيراً للشفقة، فالأمر هنا يتجاوز "الحذر" بكثير ويذهب نحو "الاتهام" الواضح والمباشر. ببساطة هنا لا يصدقون ما يصدر عن الناطقين هناك، وهذا يشمل رئيس الولايات المتحدة نفسه، ولسنا بحاجة إلى إعادة صياغة لائحة طويلة تثبت هذا الرأي وتؤكده، نقتبس منها "تحولات" موقف الرئيس الأميركي من "الاستيطان" وضعف أدائه أمام الثنائي نتنياهو ـ ليبرمان، أو رغبته في أيلول من العام الماضي برؤية فلسطين كدولة كاملة العضوية في المنظمة الدولية، وهو الأمر الذي يبدو أنه سيتحقق جزئياً، على الأقل، ولكن في تناقض واضح مع "رغبة" الرئيس الجديدة!
الولايات المتحدة لا تصغي جيداً للمنطقة، لا تصمت لتستمع ولا تتعلم، والرجل "الموهوب" في البيت الأبيض يراكم "أخطاء" كثيرة في المنطقة عندما يخوض ممثلوه حملة تكاد تكون الأكبر التي تخوضها الدبلوماسية الأميركية في مواجهة طلب الفلسطينيين والعرب والأغلبية الساحقة من العالم الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الـ 67.
لن يكون من السهل عليه أن ينهض من هذه الحفرة دون إصابات، وستبدو محاولة تغطية تلك الخدوش ونفض الغبار محاولة بائسة أخرى، ولن يكون مفيداً، على الإطلاق، خطاب جديد في القاهرة لترميم الصورة التي ستظهر فيها إدارته.
ثمة خطاب جديد يواصل تراكمه في الشرق الأوسط، خطاب لا يصغي له الرئيس الأميركي أو وزيرة خارجيته، أو مستشاروه، خطاب سيحكم المنطقة خلال العقود القادمة، وهو خطاب معني، إضافة إلى أجندة طويلة، باستعادة الموضوع الفلسطيني من خزائن النخب وإطلاقه نحو الشارع حيث يواصل المركز انتقاله منذ مطلع العام.
لعلّ الفلسطينيين بالغوا في الترويج للإنجاز وربما أضافوا الكثير من الأحلام لمنطقة الوهم، ولكنهم، رغم ذلك، يشكلون جزءاً أساسياً من مسيرة التحولات التي يعد بها "الربيع العربي"، وهم في هذا التوجه يسقطون صنماً آخر ونظاماً آخر بطريقتهم.
هناك معابد كثيرة تترنّح على الضفة الجنوبية للمتوسط، معابد بدت راسخة وقادرة على تحديد الاتجاهات ولجم التحولات، ولكنها تتفكك الآن وهي في طريقها للاندثار. لقد تزحزحت القاعدة التي انبنت عليها الحركة السياسية بعد توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد"، وهي القاعدة التي أنجزها الأميركيون وبنوا على أساسها كافة التحركات الرئيسية في المنطقة، من "مؤتمر مدريد" وحتى "اتفاقية أوسلو" و"وادي عربة"، وبهتت شعارات تحولت إلى نوع من الفلسفة المقدسة للسياسيين مثل "الأرض مقابل السلام"، وثمة عودة واضحة إلى الجذور. الأشباح التي اعتقد أنها غادرت تبين أنها قادرة على استعادة هيئاتها الأولى والهبوط من الأدراج والصور والخزائن والتدفق في الغرف والشوارع. لم يعد ممكناً قيادة التاريخ بمخيلة مستوطن كما يعتقد نتنياهو وليبرمان. الاعتراض الأميركي يبدو خارج السياق ومضجراً أيضاً، أما "الفيتو" فسيكون أشبه بشخص يطلق النار على قدميه.
المشكلة كانت تكمن دائماً في أنهم هناك لا يحسنون الإصغاء.
