استراتيجية الكفاح المسلح

single

بؤس الحالة الفلسطينية لم يعد يتوقف فقط عند حالة الانقسام التي تترسخ ولا يبدو في الأفق ما يمكن أن ينهيها، وإنما أيضا لأن النهج والممارسة الفلسطينية على الأرض يدوران في دوامة مفرغة، والأحداث تكرر بعضها من دون تحقيق أي انطلاقة.

وإذا سلّمنا هنا بحقيقة أن لا أمل من جولة المفاوضات الحالية، وهذا الانطباع الناشئ حتى عند الفريق المفاوض، فعلينا أيضا إدراك حقيقة أن القيادة الفلسطينية على مر السنين، لا تتحرك في فراغ، وفي القضية الفلسطينية على وجه الخصوص هناك شبكة عوامل محلية وإقليمية وعالمية، يجب أخذها بعين الاعتبار.

فمثلا، ورغم الإجماع، على أن موازين القوى العالمية، التي تحكمها أنظمة الدول الكبرى، تميل لصالح إسرائيل، فإنه من المفيد أيضا عدم التسليم بالواقع، وأن لا نتطوع لنكون أمام الرأي العام الشعبي العالمي، وكأننا الجهة الرافضة للمفاوضات، بل يجب مواصلة تعرية الموقف الإسرائيلي أكثر لإظهار تفاصيل حقيقته ومحاصرته، فالإنجازات، خاصة في الظروف المعقدة جدا، لا تأتي دفعة واحدة، بل هي تراكمية.

ومن الطبيعي أن مسار التحرير ليس واحدا، والمعادلة التي تقول إن مفاوضات من دون مقاومة شعبية ضاغطة، هي مفاوضات ضعيفة لا تقود للهدف المنشود، كما أن مقاومة شعبية من دون أفق سياسي يتحقق بالمفاوضات، هي مقاومة فوضوية لا تقود إلى شيء، هي معادلة صحيحة، وطالما أن أشكال المقاومة متعددة، فيجب اختيار الشكل الذي يتلاءم مع كل الظروف المحلية والاقليمية والعالمية، وبشكل يدفع للأمام ولا يعيدنا إلى الخلف.

وللكفاح المسلح دور، وفي فترات ليست قليلة خلال سنوات القضية الفلسطينية، كان دوره مركزيا لا بديل منه، أما من يعتقد أن ما نشهده اليوم من استخدام أسلحة وذخيرة نارية، هو كفاح مسلح بالشكل المعروف، فعليه أن يعيد حساباته.

وأطرح هذا على ضوء زيادة وتيرة إطلاق القذائف من قطاع غزة، بالتزامن مع بدء المفاوضات المباشرة، رغم عقمها الذي تسببه سياسة حكومة إسرائيل، والسؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي تغير منذ منتصف كانون الثاني (يناير) من العام الماضي 2009، وحتى بدايات الشهر الجاري، هل كان الاحتلال قبل 20 شهرا ودودا لطيفا إلى هذا الحد، حتى جعلنا نضبضب ذخيرتنا، ونعتقل كل من تجرأ على إطلاق قذيفة واحدة، واليوم بات الاحتلال أكثر شراسة يبرر "الطخ" من جديد.

وهل الحصار على قطاع غزة زال قبل 20 عاما بالنصر المبين، وعاد اليوم فجأة ليؤمِّن مسار المفاوضات، التي "ستبيع" فيها القيادة الفلسطينية كل فلسطين التاريخية، بما فيها المياه الإقليمية وأسماكها، كما سنقرأ بعد أيام أو أسابيع.

لنضع النقاش والموقف من جدوى الكفاح المسلح في هذه المرحلة جانبا، ولنقل تفضلوا وكافحوا، ولكن ألا يحق للشعب الفلسطيني ومؤازريه ان يطرحوا سؤال: "ما هي استراتيجية الكفاح المسلح عندكم، وما هو هدف الكفاح المسلح، هل هو من أجل التحرير أم من أجل المماحكة الحزبية بين هذا الفصيل أو ذاك؟"، هل من المنطق أن نقبل بأن يكون هدف "الطخ" الجديد هو عرقلة المفاوضات، المتعرقلة أصلا بفعل السياسة الإسرائيلية؟.

لم يعد الجسد الفلسطيني يحتمل أعباء أكثر، وكان بإمكانه أن يواصل تحمّل عبء الاحتلال ومقاومته ببطولة كما كان على مر السنين، ولكن ليس العبء الداخلي، من انقسام وفوضى سلاح ومتاهات سياسية، وضياع البوصلة، وحفلات التخوين التي استؤنفت في الأيام الأخيرة، من دون أي التفات إلى مصداقية مواسم أعراس التخوين والردح الماضية، والحقائق التي تكشفت خلالها وبعدها.

بعد أسابيع قليلة جدا، ستستأنف عصابات المستوطنين جرائمها بالاعتداء على كروم الزيتون الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، من سرقة محاصيل وقطع أشجار أو حرقها، أو إغلاق كروم بأوامر احتلال لمنع أصحابها من قطف ثمارها، وهذا لا يحتاج لنبوءة، لأن هذا ما هو قائم منذ سنين، ومن عام إلى آخر تشتد الاعتداءات.

فهل هناك حاجة للتذكير بخيار المقاومة الشعبية، التي شهدنا مؤشرات لها قبل أشهر عديدة، إلا أنها سرعان ما أطفئت، أو التذكير بضرورة ديمومتها كي تكون رسالة شعبية دائمة برفض الاحتلال.

 

عن صحيفة "الغد" الاردنية

قد يهمّكم أيضا..
featured

نعم ، نريدها دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية لجميع مواطنيها

featured

لكي يعيش شعبنا حرا مستقلا كأي شعب في الدنيا

featured

رسالة الى والدتي

featured

جوليانو مير خميس أقوى من الموت والاغتيالمير خميس أقوى من الموت والاغتيال

featured

فعلها مرّة أخرى

featured

رحلة إلى أفغانستان

featured

ناح النواح... والنواحة؟

featured

ضيف الحارة بطفي المرارة