ضيف الحارة بطفي المرارة

single
كان يوم حار وقائظ، وكانت الشمس قد توسطت قبة السماء الزرقاء الصافية وقف الفتى أمام المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار، يسرح شعره الكثيف ببهجة وسرور، وحين كان يقف امام المرآة شاهد من خلالها رجلا يمتطي ظهر حمار مسرج يسير في احد الشعاب الوعثة المتربة، المتعرجة والمحفوفة بالصخور المؤدية الى ظهر التلة حيث يربض البيت.
عزف الفتى عن تسريح شعره، ووقف على عتبة البيت يمعن النظر بالرجل القادم فقد سارع الفتى  وفرش الحصير، وتناول من مطوى الفراش فرشة سميكة. محشوة بالصوف الخالص، اتبعها بالمساند من القش والوسائد من القطن. حط الرجل رحاله – ربط الفتى الحمار بالمربط، واخذ يرحب بالضيف، سأل الضيف الفتى بصوت متهدج وين ابوك يا ولد ؟؟ أجاب الفتى بأهلا وسهلا عمي تفضل. دخل البيت خلع حذاءه واستكان على الفرشة الوثيرة، بدا الرجل انيقا بشكله ولباسه،  حليق الذقن تفوح منه رائحة العطر في الاربعينيات من عمره، اسمر اللون، متوسط القامة له شاربان اسودان رفيعان شذبهما بعناية وفتلهما الى اعلى على شكل ذيل عقرب، ارتدى حلة جميلة، قمبازا من الحرير، الروزة، كموني اللون، وعليه معطف ابيض اللون من نفس القماش واللون، ومن على الجانب الايسر تدلت من القمباز سلسلة صفراء في طرفها ساعة مستديرة حشرت في جيب صغير في القماز اعتمر كوفية صفراء باهرة. وعليها عقال اسود من المرعز الفاخر مشى بخيلاء يتوكأ على عصا من الخيرزان تناسقت مع لون ملابسه. انتعل حذاء احمر جديدا وجوربين ابيضين تسربل بسروال ابيض ناصع.
اتكأ الرجل على الوسائد، والقى بجسده على طول الفرشة، وراح نظره يصول ويجول في ربوع البيت يتفرس "الأثاث" اربع كراس من قش الحلفاء من الحجم الصغير، جرة للماء، خابية. وثلاث خواب اصطفت للطحين والبرغل والقمح. وبجانبها جثم على المصطبة صندوق اسود من الخشب- القيت فيه ملابس العائلة. ومراه كبيرة علقت على الجدار، يوازيها طبق من القش ملون ومزركش، ومطوى من الفراش على طاولة من الخشب، ترك الفتى الرجل يسرح بنظره وخرج يخبر والدته بقدوم الضيف وهي في الطابون منهمكة بالخبيز فقال يما اجانا ضيف يظهر انو زعيم، نظرت اليه وارتسمت على وجهها وشفتيها ابتسامة وقالت: يما زعيم ما بييجي على حمار. استحوذ عليها هم وراحت تفكر بجدية بالامر. انتهت من الخبيز والقت الخبز في المطبخ المقام وراء البيت واندفعت تسعى في تحضير وجبة الغداء.
احضرت بيضات من قن الدجاج وسارعت الى الحاكورة واقتلعت عددا من بيوت البطاطا واخذت حاجتها، واقتلعت بعضا من رؤوس البصل ثم دخلت حاكورة الجيران وتناولت ما تيسر من الكوسا والباذنجان، والبندورة، واوكلت شراء اللبن الى ابنها.
دخل الفتى يحمل ابريق الشاي وصينية من النحاس عليها فناجين من الفخار. كانت رائحة عشبة الشاي والميرمية تعبق وتفوح بشذاها العذب، سكب الفتى الشاي وراحا يحتسيان الشاي. فهلل الضيف بمذاقها الطيب العذب ورائحتها العطرة الشذية. اشعل سيجارته وراح ينفث الدخان ويمج من السيجارة بتلذذ ولهف.
وفي عصر اليوم دخل الفتى يحمل طبقا من  القش تناثرت عليه اطباق الاكل غمرته ارغفة خبز الطابون الساخن، وفي اثناء تناول الاكل عاد الرجل وسأل الفتى: وين ابوك يا ولد، فقال اهلا وسهلا عمي! ابوي سافر منذ ساعات الصباح الباكر، حمل نقلة دخان على الحمار وراح يبيعها في قرى الجنوب، واخوتي راحوا على السهل ينكشوا ويديروا المقثاة– انتهيا من تناول وجبة الطعام. اتكأ الرجل على الوسادة، حل حزامه والقى بجسده على الفرشة، غالبه النعاس فخلع كوفيته ومعطفه وسرعان ما اخذته غفوة وعلا شخيره فامتعض الفتى، تركه في سباته وراح يعلن تذمره لوالدته، التي كانت مستلقية على حصير في ظل تينة وارفة الظلال في الحاكورة، توسدت ذراعها.. هدأت غيظه، وخففت من حنقه وتذمّره..
كانت الشمس تسير في طريقها نحو المغيب وشعر الفتى ان الشمس تسير ببطء اخذ الحمار ينهق فقد حرقته اشعة الشمس الحارقة، وعانى من الجوع والعطش فقضّ بنهيقه مضجع الضيف، استيقظ من غفوته. اسند جسده الى الحائط، واشعل سيجارته وراح يتجرع الدخان وينفثه في سماء البيت.
ضاق الفتى ذرعا وعيل صبره، واضطرمت به نار الحنق ثانية فاشتعلت في صدره فتأزز بالشجاعة، تناول كرسيا، وجلس قبالة الضيف الذي كان يمج من سيجارته بشهية ونهم، ولم يربأ للوقت وللغروب فبالرغم من حنقه وغيظه سأله بلباقة ودماثة قائلا: عمي هل تريد اشي من ابوي، بلكي نستطيع تلبية الطلب. غمغم الرجل واطرق قليلا وقال لا، كنت اريد شراء أقتين من الدخان، لكنه قرأ الغيظ في عيني الفتى اللتين كانتا تبرقان غضبا، فلم يعد له من بد لملم حاله وخرج وسحب حماره مغادرا وبعد ان مشى الحمار وابتعد عدة امتار فحرن، فراح الرجل وينهره يحثه على المشي وظل الحمار على حاله ولم يستجب لحثه، فانهال عليه بالضرب المبرح من خيزرانته، وهو يصرخ به.
ثم استدار وراح يضربه من الخلف على مؤخرته، فراح  الحمار ينهق ورفع ذيله وأخذ يضرط ويطلقها دفعات من الصواريخ ازداد غيظ الرجل فأكثر من الغلظة والضرب فلم يذعن له، ولم يخنع فرج ساقيه وراح يبول تهادى لسمع المرأة صوت الرجل فوقفت تراقب المشهد، فشاهدت وجه الرجل، فشهقت شهقة عميقة، ولطمت خدها بيدها وقالت مخاطبة ابنها، ولك يا حسين يا ابني هذا الرجل من بلدنا، هذا أبو حسن، فقالت عندئذ، صدق المثل اللي قال: ضيف الحارة بطفي المرارة.
(عرابة)
قد يهمّكم أيضا..
featured

الإنسان أحادي البعد

featured

الماركسية بين التفسير وحلم التغيير

featured

الجولان عربي سوري، وسيبقى!

featured

النكبة بصيغة المستقبل: زيارة إلى معرض كريمة عبّود

featured

حين يصبح المناضل ملح الارض

featured

ألموقف الماركسي من القضية القومية – فلسطين كمثل