عندما تحدثت في مقالتي الأخيرة عن الأكثرية اليهودية، والخوف الذي يتملكها، هدفت إلى إثارة هذا الموضوع من زاوية أغفلتها قيادات جماهيرنا العربية ولم تتعاط معها بموجب مصلحتنا الوطنية وما تواجهه من خطر حقيقي يرقى لمسألة إستمرار وجودنا على أرضنا وفي وطننا.
أعرض لهذه المسألة وأعرف أن مجتمع الأكثرية اليهودية منقسم وغير موحَّد في مسائل عديدة ومنها قضية الخوف هذه. بعضهم يصطنع الخوف ويصنِّعه ذريعة لإحكام قبضته علينا وتبريراً لما تنفذه حكومات وساسة الدولة منذ تأسيسها، ولما ترسمه لمستقبلنا، وبعضهم يخاف مصدقاًً ما يُصنَّع وينتج من الفئة الأولى، وتصديقه لهذا يجنده ليضم صوته ويده لأولئك العنصريين الحاقدين، أما الفئة الأخيرة فهي تعرف أن هؤلاء الساسة العنصريون يصنِّعون الخوف في مختبرات عقولهم العنصرية ومع هذا لا يقومون بعمل وفعل ضده وذريعتهم دائماًً تلك الجرعات والمواقف التي نصدرها نحن عرب البلاد من خلال مواقف وأعمال تستغل ضدنا لتبرير وتسويغ سياسة القمع والاضطهاد.
أؤكد أنني أكتب عنّا، نحن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وأومن أننا نتميز بخصوصية حددت منذ اليوم الأول استراتيجيات عملنا وآلياته، فلم ننسَ ولا للحظة أننا جزء من الشعب الفلسطيني ولكننا دائماًً قاومنا وقارعنا سياسة القمع والاضطهاد، من موقعنا وما يميزه من خصوصيات أتاحت لنا هوامش منعتها ديمقراطيات إخواننا في الدول العربية، من جهة، وحظرت علينا
أساليب نضال
قُيّّمت في حينه وما زالت باعتقادي، مضرة إن اعتمدناها اساليب لنضالنا وأهدافنا.
فعندما نسمع عن اكتشاف سيارة مفخخة بعشرات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة في المجمع التجاري في حيفا، كما حصل في شهر آذار المنصرم، وعن تبنيها من مجموعة تطلق على نفسها "أحرار الجليل"، لا يجوز لنا الصمت وفي قلوب كثيرين تنفجر حسرات على أن السيارة ضبطت ولم تنفجر فلقد كان الأولى والواجب على قياداتنا، جميع هذه القيادات، وفي مقدمتها مؤسساتنا التمثيلية، أن تطلق موقفاً واضحاً لا يشوبه غمام ولا ضباب، رافضاًً لمثل هذه العملية والأسلوب، ولا فرق عندي من كان وراءها.
أقول هذا لا لأنني أعاني "دونية" فكرية، كما ظن أحدهم، بل أكاد أقول أني "مستعلٍ" على قامعي ومضطهدي، فهو حقير ظالم وأنا سيد الموقف فحقي وحق شعبي، أخلاقي وإنسانيتي، يمدونني بكل أسباب "التعالي" والقوة كما مدوا من سبقنا ورحلوا ناقلين إلينا منجل الكد وشعلة الأمل وكما يجب أن ننقلها لأجيال بعدنا، أتمنى أن تعيش بظروف أحسن مما نعيشه نحن اليوم.
وعندما نسمع، نقرأ ونتابع مؤخراً عن مجموعة أو فرد أصطيد في شباك منظمة تدعى أنها تنتمي الى "القاعدة" تارة ً أو الى حزب الله تارة ً أخرى، إلى أبي مصعب وأبي جندل وما إلى ذلك، أقول إن على قياديينا أن يطلقوا الصرخة الفصل ضد هذه الظواهر التي ما زالت براعمَ، أتمنى أن لا تقوى ولا تتفتح وذلك لا لأنني أحمل هم خوف أولئك المنتمين الى شعب دولة تحتل، تبطش وتنعم بخير الأرض والسماء، ولا تترك الا الفتات والأسى لنا، بل لأنني متيقن أن الثمن الذي يدفعه هؤلاء وعائلاتهم لا يبرره عطاؤهم، وحصرمهم هذا سيضرس أسناننا وأسنان أبنائنا.
أقول ما أقول وأعرف أن البعض منا يعتقد ويؤمن أن إيصال الاكثرية اليهودية في البلاد الى حالة من الهلع وفقدان الإحساس بالأمن العام وانعدام الأمن الفردي هي الغاية المنشودة والمبتغى ولدى بعضهم تكون أيضاًً فريضة، مبدأ أو عقيدة، أما أنا فلا أعتقد ذلك ويكفيني نظرة في مرآة ماضينا لأتيقن أينا دفع، يدفع وسيدفع أثمان هذا الخوف والهلع؟.
من المنطلق ذاته أسجل ملاحظتي على ما صرح به الشيخ رائد صلاح في محاضرته يوم 16.6.2009 في الحرم الجامعي في حيفا، حينما أكد على موقفه تجاه المسجد الأقصى والقدس مؤكداًً أنه على استعداد أن يموت شهيداًً لتحيا القدس ويحيا الأقصى.
أسجل ملاحظتي ليس فقط من باب ما يحتمله هذا التصريح من تأويلات وترجمات عند جمهور المتلقين، من شباب متأهبين متحفزين في وجه عدو باطش وغاشم، ولا كيف كان وقع هذه الكلمات لدى الأكثرية اليهودية بفئاتها المختلفة، بل أيضاًً لأنني أومن بالحياة والمستقبل، فإن كان هنالك ما يستوجب التقديس فأنا لا أقدس الشهادة والاستشهاد فثقتي دائماً بالإنسان، لا سيما الإنسان الفلسطيني الحي وقد قلت إن صمودنا على أرضنا لامس المعجزة ولم يتكئ هذا على الشهادة والاستشهاد، فالاتكاء على الغيب ومشيئة الله، أعتقد انه لا يرضي الله فدائماًً كانت هنالك ضرورة مع الدعاء لإضافة بعض القطران لإشفاء بعيرنا.
وعندما يقوم وفد رسمي من اعضاء الكنيست الاسرائيلي عن حزب التجمع الوطني بزيارة رسمية الى بيروت وتحديداًً إلى الضاحية الجنوبية، في شهر أيلول عام 2006 ليهنئ حزب الله بانتصاره على إسرائيل، كيف لي ولآخرين أن أقنع يهودياً صالحاً، إذا آمن القارئ بوجود مثل هذا، أو أن أمنع يهوديا مأفوناً من أن يستثمر عنصريته في مثل هذا الحساب.
تذكروا كيف كانت أجواء الدولة في تلك الأيام ولا سيما جليلنا الذي هجره سكانه اليهود فهل يمكن أن نبلع ألسنتنا وأن لا نسجل احتجاجا فقط لان مطلقه سيتهم، مزايدةً، بأنه يقف عمليا مع القامع والمضطهد وضد ابن شعبه، فأولا أنا وكثيرون مثلي نختلف مع حزب الله وما يمثله من طروحات وأهداف وإن كنا نصرخ ونؤكِّد في وجه إسرائيل إنها كانت وما زالت المعتدية والظالمة والمحتلة. وثانيا أنا لا أعول على دعم الأمة العربية والأمة الإسلامية وتفهم العالم المسيحي النيّر أو غيره، فكل هذه وشاكلاتها شعارات ليس لها رصيد، فمن يعول على انظمتنا العربية، جميعها بلا استثناء، إما أن يكون ساذجاً أو منتفعاً. ومن يعوِّل على شعوب هذه الدول، وأذكر أننا نتحدث عن مواقفها تجاه الاقلية الفلسطينية في الدولة، أتمنى أن تعرف هذه الشعوب ان في الجليل هنالك قرية اسمها كابول وأنها لا تمت لطورا بورا بصلة، وإن الناصرة هي مدينة عربية مسيحية إسلامية، ومن يعول على الجامعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية وتحالف الممالك الأفريقية وما إلى ذلك، فليقنعهم أولاً بأننا، نحن فلسطينيي هذه البلاد، أهل هذه البلاد الصامدون ومفشلو المشروع الصهيوني الأصلي ولسنا عملاء أو أغراب كما وصمونا بعارهم الذي لم يكن عارنا أصلاً!
وأخيراً أكتب وأعرف أننا في زمن طغت فيه سطوة الإقصاء والتخوين للآخر والمختلف، في زمن أخشى ان لا يُبقي فيه المستقبل إلا أولئك الذين يحملون التوراة ثم لم يحملوها، ولكنني قانع بحرية الكلمة والمعتقد للجميع وحريتي تستدعي واجبي بأن أكتب لنحيا
